تيموتي زورابيشفيلي يغوص في عتمة الإنسان

"رصاص" رواية تشرّح العنف في اللغة والجسد والوعي

Deena So'Oteh
Deena So'Oteh

تيموتي زورابيشفيلي يغوص في عتمة الإنسان

في روايته الأولى "رصاص"، الصادرة عن دار "سابين فيسبييزر"، يقدم الكاتب الفرنسي تيموتي زورابيشفيلي نصا بالغ القسوة والجرأة، يضع قارئه منذ الصفحات الأولى داخل منطقة خانقة تتشابك فيها الرغبة مع القسوة، والسلطة مع الإذلال، والجسد مع الخوف، حتى يكاد الاختناق يصبح المادة الأساس للرواية.

منذ البداية، يدفع زورابيشفيلي قارئه مباشرة إلى قلب وعي مضطرب، ملوث، عنيف، ويجبره على الإقامة داخله. هذا الخيار الجمالي هو أبعد ما يكون عن المجانية. إنه رهان روائي واضح: كشف البنية الذهنية للعنف قبل تحوله إلى فعل.

على مستوى الحدث، تبدو حبكة "رصاص" بسيطة: شاب يعيش علاقة جسدية عابرة مع شابة تنتهي بحمل غير مرغوب فيه، ثم بولادة طفل يتحول وجوده إلى أزمة وجودية وأخلاقية للطرفين. لكن اهتمام زورابيشفيلي انصب على شيء آخر سوى الحكاية: الغوص في المساحات المظلمة من النفس البشرية، حيث تتكون الرغبة والهيمنة والخوف والعدوانية.

اختناق

ما يلفت أولا في هذا النص هو طبيعة اللغة نفسها. فزورابيشفيلي يكتب بجمل طويلة، متدفقة، متوترة، كأنها تيار ذهني لا ينقطع. وإيقاع لغته جزء أساس من المعنى يجعل القارئ يختبر عمليا الاختناق النفسي الذي تعيشه الشخصيتان الرئيستان. فالكاتب يخلق إحساسا دائما بالاحتجاز، حيث تبدو الشخصيتان محاصرتين داخل غرف ضيقة، داخل جسديهما، وداخل أفكارهما أيضا. حتى الزمن نفسه يفقد انتظامه، إذ يتحرك السرد وفق دوائر من الاجترار والتكرار والعودة القهرية إلى الصور نفسها، هي أبعد ما يكون عن السرد الخطي المستقيم.

هنا تظهر إحدى السمات الأهم في الرواية: الزمن النفسي أثقل من الزمن الواقعي. فلحظات قليلة تتمدد لتغطي عشرات الصفحات. ونظرة واحدة، أو حركة يد تتحول إلى فضاء سردي كامل. كأن الكاتب يريد أن يقول إن العنف يقاس أيضا بكيفية رسوخه داخل الوعي.

العنف يبدأ في اللغة، بالطريقة التي يُنظر بها إلى الآخر ويُعاد تعريفه من خلالها

من أبرز جوانب الرواية قوة تفكيكها العنيف للذكورة المريضة. فالشاب في الرواية لا يرى الشابة بوصفها ذاتا مستقلة أو شريكة في تجربة. نظرته إليها تمر دائما عبر مفردات الأداتية والاستعمال. الشابة تتحول في وعيه إلى "وظيفة"، إلى "آلة"، إلى جسد قابل للاستهلاك.

هنا تكمن إحدى أكثر أفكار الرواية إزعاجا: العنف يبدأ في اللغة، بالطريقة التي يُنظر بها إلى الآخر ويُعاد تعريفه من خلالها. فحين تُختزل المرأة إلى "ثقب"، والطفل إلى "شيء"، يصبح محو إنسانيتهما ممكنا. وهذا الجانب بالغ الأهمية في "رصاص". فاللغة هنا هي فضاء ينتج هذا الانهيار ويكرسه. الكلمات نفسها تتحول إلى أدوات قسوة.

غلاف رواية "رصاص"

لهذا يبدو عنوان الرواية شديد الدقة. فالرصاص فيها كناية عن مادة كثيفة تسحب الإنسان نحو القاع، وهذه الكثافة تسري في الرواية كلها: في الجسد، في الوعي، في العلاقات، وفي اللغة نفسها. لكن العنف في "رصاص" ينطوي على بعد سياسي واجتماعي واضح يمر عبر تجربة الشاب في الثكنة التي أجرى فيها خدمته العسكرية. إذ أنها بمثابة مؤسسة لإعادة تشكيل الوعي. وداخلها يتعلم الشاب نوعا خاصا من النظر إلى العالم: فصل المشاعر عن الأفعال، إلغاء الفردية، وتحويل البشر إلى أهداف أو أجسام أو مشاكل ينبغي التخلص منها.

  Jean-Christophe VERHAEGEN / AFP
أحد عناصر فوج الرماة الأول الفرنسي يوجه آلية عسكرية لعبور بحيرة أمانس خلال مناورة ORION 26 في شمال شرق فرنسا

بيئة

هذا البعد العسكري يضفي على الرواية عمقا إضافيا. فالكاتب لا يقدم شخصية شريرة بالمعنى التقليدي، ولا يفسر قسوتها عبر الشر الفردي وحده. اهتمامه الأكبر ينصب على البيئة التي تنتج هذه القسوة وتغذيها وتمنحها شرعية ضمنية.

من هنا تكتسب الرواية بعدها النقدي الأكثر حدة. فهي تفضح منظومات كاملة تصنع الوحش ثم تتظاهر بالصدمة أمام أفعاله. ومن المشاهد الأكثر روعا في الرواية، ذلك الذي يتحول فيه القتل إلى عملية تقنية باردة، تدار بمنطق إداري شبه قانوني. وفكرة "تقاسم المسؤولية" وصوغ "اتفاق سرية" حول الجريمة تجعل الشر يبدو مؤسسيا، منظما، وعقلانيا.

هنا يبلغ النص درجة عالية من الوحشية الفكرية. فالجريمة تتجاوز فكرة الانفجار العاطفي، لتصبح إجراء عمليا لحل مشكلة، وهذا ما يجعلها أكثر رعبا. لكن من أكثر عناصر الرواية إدهاشا، أن هذا العنف لا يتحرك داخل عالم استثنائي أو فضاء دموي مباشر. على العكس، زورابيشفيلي يصر على وضع مشروع الجريمة وسط تفاصيل شديدة العادية: بازل على سرير، بوظة تذوب تحت الشمس، محطة حافلات، غرفة رخيصة، سلة يُحمل فيها رضيع...

هذا التناقض من أكثر عناصر الرواية هولا. فالشر يتسلل داخل الحياة اليومية نفسها. والجريمة تناقش فيما البطل يلعق الآيس كريم، ويشرح خطته بنبرة تكاد تكون إدارية، بينما تمر السيارات بشكل طبيعي، وتستمر الحياة حوله كأن شيئا لا يحدث.

يمنح هذا التعايش بين الرعب واليومي النص قوة نادرة، كأن الكاتب يقول إن أكثر أشكال العنف إفزاعا هي تلك التي تتشكل بهدوء داخل التفاصيل الأكثر اعتيادية. ومن العناصر الأخرى اللافتة الطريقة التي يكتب بها زورابيشفيلي الطفولة نفسها. فالرضيع حاضر طوال الرواية بوصفه مركز الثقل الأخلاقي للنص، لكنه لا يظهر بوصفه شخصية مكتملة. إنه كائن هش، شبه صامت، تدور حوله إسقاطات الكبار، مخاوفهم، رغباتهم، وأنانيتهم.

يمنح هذا التعايش بين الرعب واليومي النص قوة نادرة، كأن الكاتب يقول إن أكثر أشكال العنف إفزاعا هي تلك التي تتشكل بهدوء داخل التفاصيل الأكثر اعتيادية

كائن تبلغ الرواية معه واحدة من أكثر مفارقاتها إيلاما. ففي مقابل هشاشته المطلقة، يقف عالم الكبار بكل قسوته وفساده وتشوهه النفسي. ورغم أنه لا يفعل شيئا تقريبا سوى الوجود، لكن وجوده يصبح وحده كافيا لكشف الخراب الأخلاقي المحيط به.

وحشية

إنه المرآة الصامتة التي تعكس وحشية العالم. وفي هذا المعنى، لا يتحول إلى ضحية محتملة فحسب، بل إلى اختبار أخلاقي حاسم للشخصيات كلها. ومن خلال طريقة تعامل كل شخصية معه، يكشف زورابيشفيلي عمق تصدعها الداخلي أو ما تبقى فيها من إنسانية. ومن أبرز نقاط قوة الرواية أيضا بناؤها النفسي المركب. فالسرد ينتقل باستمرار بين وعي الشاب ووعي الشابة، بين قسوة الأول وصمت الثانية، بين منطق الهيمنة ومنطق الانكسار. وهذه الثنائية تمنح النص توازنا بالغ الدقة. فالشابة فيه كيان مثقل بالخوف والعار والانفصال عن الذات، وعزلتها النفسية والجسدية، خصوصا خلال الحمل والولادة، من أكثر مناطق الرواية إيلاما.

ينجح زورابيشفيلي هنا في تصوير كيف يمكن العار أن يتحول إلى سجن كامل. فالغرفة الصغيرة التي تنغلق فيها الشابة على نفسها تتحول تدريجيا إلى صورة مكثفة عن عالمها الداخلي: مكان مغلق، خانق، مشبع بالصمت والوجل. وكل شيء في الرواية يسير نحو الانكماش: العالم، العلاقات، اللغة، وحتى الأمل.

ومن أقوى ما ينجح فيه الكاتب، تصوير الأمومة في صورتها الأكثر تعقيدا واضطرابا، وعدم تقديمها بصورتها الرومانسية أو المطمئنة، بل كتجربة مشوبة بالذنب والهلع والاغتراب. فالشابة الأم لا تواجه المجتمع فقط، بل تواجه نفسها أيضا. وبينما تتشوه نظرتها إلى ذاتها تدريجيا، يتحول العار إلى هوية، ويصبح الخوف من حكم الآخرين خوفا من الوجود ذاته.

 Ed JONES / AFP
في حي لي آل بوسط باريس

لكن ما يجعل "رصاص" عملا مهما هو قدرتها على النظر بلا مواربة إلى المناطق الأكثر قسوة في النفس البشرية. كما تنبع من كتابة زورابيشفيلي فيها عن الشر بوصفه امتدادا طبيعيا لعلاقات السلطة اليومية، ولأفكار شائعة عن الرجولة والسيطرة والنجاح. وهذا تحديدا ما يمنح نصها ثقله الحقيقي. فالقارئ لا يواجه وحشا بعيدا عنه، يسهل عزله أخلاقيا. ما يواجهه هو آليات اجتماعية ونفسية مألوفة، وقد جرى دفعها إلى حدودها القصوى.

سؤال

ولهذا تطرح الرواية سؤالا فلسفيا جذريا: متى يفقد الإنسان إنسانيته؟ أحين يمارس العنف؟ أم قبل ذلك بكثير، حين يبدأ في رؤية الآخر بوصفه شيئا، ويتخلى عن التعاطف، وتصبح السيطرة أهم من الاعتراف بالآخر؟

تترك الرواية القارئ دون جواب داخل هذا القلق. وهذه نقطة قوة أخرى فيها.

متى يفقد الإنسان إنسانيته؟ أحين يمارس العنف؟ أم قبل ذلك بكثير، حين يبدأ في رؤية الآخر بوصفه شيئا؟

وقد يشكل أسلوب زورابيشفيلي تحديا لبعض القراء. فالإيقاع الكثيف، والتكرار المقصود، والانغماس الطويل في التدفق الذهني، كلها خيارات تتطلب صبرا واستعدادا للدخول في تجربة قرائية مرهقة. لكن هذه الصعوبة جزء عضوي من مشروع الرواية. فالكاتب يريد تجربة تترك أثرا نفسيا وجسديا، وهو ما ينجح بألمعية في تحقيقه.

في المحصلة، "رصاص" هي رواية عن البنية الخفية للعنف: كيف يتكون، كيف يتسلل إلى اللغة، كيف يغير الإدراك، وكيف يجعل الإنسان يرى الآخر بوصفه شيئا قابلا للمحو. إنها رواية ثقيلة، خانقة، تعاش كاختبار نفسي وأخلاقي، وتبقى طويلا في الذاكرة، لا كحكاية فحسب، بل كتجربة مواجهة مع الجذر الإنساني للعنف.

font change

مقالات ذات صلة