الضفة الغربية في مرحلة "التحول الأخير"

الضم بلغة الأمن وأدوات الدولة

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
يقف صبي فلسطيني فوق ركام مبنى كان يضم محال تجارية وشققا سكنية هدمته القوات الإسرائيلية بدعوى عدم الحصول على ترخيص بناء، في بلدة عرابة جنوب مدينة جنين الفلسطينية بشمال الضفة الغربية المحتلة، في 27 يوليو 2026

الضفة الغربية في مرحلة "التحول الأخير"

ليس التصعيد الإسرائيلي الذي تشهده الضفة الغربية المحتلة خلال الأسابيع الأخيرة وليد اللحظة حتى وإن كان يبدو للبعض أن أحداث قرية تل التي شهدت اشتباك مواطنين فلسطينيين مع مستوطنين خلال "نزهة" نظمها المستوطنون في القرية وفق الادعاء الإسرائيلي الرسمي، هي التي أدت إلى هذا التصعيد الجديد والإجراءات الإسرائيلية على الأرض. في المحصلة قد يستغل هذا التصعيد العسكري والأمني لمصالح اليمين السياسية قبل الانتخابات العامة المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول المقبل لا سيما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي صور نفسه للإسرائيليين على مدار العقود الماضية بأنه سيد الأمن والاستراتيجية، بات يحاول من ناحية أن يعيد نقاطا قد خسرها بعد إخفاقه في التعامل مع أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول والهجمات على المناطق الجنوبية من إسرائيل والإبقاء على تحالفه القائم مع أحزاب اليمين المتشدد التي تضغط باتجاه استخدام مزيد من القوة واتخاذ قرارات مصيرية خلال الأشهر الأخيرة من ولاية الحكومة الإسرائيلية من ناحية ثانية.

لكن ما سبق أحداث قرية تل مهّد لها ولما سيعم الضفة الغربية المحتلة بالمجمل في المراحل المقبلة، فالحكومة الإسرائيلية منذ يومها الأول تحولت في تعاملها مع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام سبعة وستين إلى توظيف الحالة الأمنية لتحقيق أهداف سياسية تشمل الضم والحسم التدريجي على الأرض. ولفهم هذه السياسة التي لم يسبق أن اتبعت بهذا الوضوح خلال الحكومات السابقة لا بد من التوقف عند أبرز الخطوات والسياسات التي اتخذها تحالف اليمين المتشدد بقيادة نتنياهو وعززت الاستيطان والمستوطنين وأحيت أحلام التهجير القسري وتقويض السلطة الفلسطينية وتحويل الأرض الفلسطينية إلى بيئة طاردة لا يمكن احتمال العيش فيها.

نتنياهو يحاول استعادة نقاط خسرها بعد إخفاقه في التعامل مع أحداث السابع من أكتوبر، والإبقاء على تحالفه مع أحزاب اليمين المتشدد التي تضغط لاستخدام مزيد من القوة واتخاذ قرارات مصيرية

شمل الاتفاق الائتلافي بين حزب "الليكود" وحزب "الصهيونية الدينية" تعيين رئيس الأخير بتسلئيل سموتريتش وزيرا في وزارة الأمن إلى جانب كونه وزيرا للمالية، وبات سموتريتش مسؤولا مباشرا عن وحدات وجهات حكومية ورسمية مسؤولة عن كل إدارة الاحتلال للضفة الغربية بما فيها انتزاع صلاحيات واسعة مما يعرف بالإدارة المدنية والمسؤولية عن وحدة الاستيطان والوحدة القانونية الخاصة بالإدارة المدنية، ليكون مسؤولا عن مزيد من مصادرات الأراضي وتنفيذ سياسات هدم المباني خاصة في المناطق المصنفة "ج" ضمن اتفاق أوسلو والتي تقع ضمن السيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية. وبموجب ذات الاتفاق استحدثت وزارة جديدة تعنى بشؤون الاستيطان وتقف على رأسها أوريت ستروك من حزب سموتريتش ، ومن خلال هذه الوزارة  حولت الحكومة عشرات ملايين الشواقل  إلى بؤر استيطانية وتجمعات رعوية استيطانية جديدة قامت في مختلف أنحاء الضفة الغربية وبلغ عددها وفق معطيات "حركة السلام الآن" 231 بؤرة تسيطر على نحو عشرين في المئة من أراضي الضفة الغربية "أي ما يزيد على المليون دونم" وأدى وجودها إلى تهجير نحو مئة وعشرين تجمعا سكانيا فلسطينيا "أكثر من نصفها هجر بعد السابع من أكتوبر وتزايد هجمات المستوطنين على الفلسطينيين في القرى والتجمعات الصغيرة".

وعلى الرغم من أن القانون الإسرائيلي العام يتعامل مع البؤر الاستيطانية كبؤر غير قانونية فإن حكومة نتنياهو سوغت دعمها الرسمي لتلك البؤر بالدوافع الأمنية وغرض حماية المستوطنين من خلال تقديم "الدعم اللوجستي الذي يسهل عليهم التعامل مع الواقع الأمني المتوتر"، فحرصت على تقديم مركبات الدفع الرباعي والمسيرات ومولدات الكهرباء والبوابات الكهربائية والإنارة وكل ما ساعد هؤلاء عمليا في زيادة هجماتهم على الفلسطينيين وسلب مواشيهم والاعتداء عليهم.

رغم أن القانون الإسرائيلي يتعامل مع البؤر الاستيطانية كبؤر غير قانونية، فقد صدق المجلس الأعلى للتخطيط العام الماضي على 27941 وحدة سكنية، وهو الرقم الأعلى منذ بداية الاستيطان في الضفة

بعد تشكيل الحكومة ببضعة أشهر ألغيت الصلاحية الممنوحة لوزير الأمن بالتصديق على كل  مرحلة في أي مخطط إنشائي في المستوطنات ومع هذا الإلغاء شهدت وتيرة التوسع الاستيطاني تسارعا  كبيرا إلى جانب ازدياد وتيرة الجلسات التي عقدها ما يعرف بالمجلس الأعلى للتخطيط وهو ما أدى إلى زيادة ملحوظة في عدد الوحدات السكنية التي صدق عليها المجلس، إذ بلغ  عدد الوحدات السكنية التي صدق عليها المجلس العام الماضي 27941 وهو الرقم الأعلى منذ بداية الاستيطان في الضفة الغربية.

(أ.ب)
تؤمّن وحدة من الجيش الإسرائيلي الطريق بينما يسير مستوطنون إسرائيليون عبر قرية تل الفلسطينية في الضفة الغربية، قرب نابلس، 31 يوليو 2026

في هذا النظام  الجديد بات المستوطنون جزءا من صناع القرار وفرض الحقائق على الأرض  في الضفة الغربية من خلال وجودهم في مواقع أساسية في الوزارات والمؤسسات الحكومية والعسكرية، كما تحولت سيطرتهم على مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية إلى أداة فعلية لفرض واقع أمني وحياتي يعقد حياة الفلسطينيين بل ويسلبها في أحيان كثيرة. وقد شهدت حوادث الاعتداء على الفلسطينيين من خلال اقتحام بلداتهم وتجمعاتهم والسعي للاحتكاك المباشر معهم تصاعدا كبيرا خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول التي كلفت مجموعات من المستوطنين في أعقابها بالعمل في الضفة الغربية بذريعة توفير الحماية ضمن وحدات الاحتياط في الجيش فكثرت فيها الحالات التي يشارك فيها جنود مستوطنون في الاعتداءات، وسجل هذا العام حتى كتابة هذه السطور 24 شهيدا  فلسطينيا برصاص المستوطنين في الضفة والقدس وفق "هيئة مقاومة الجدار"، فيما قال مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إن 18 فلسطينيا قتلوا بالضفة الغربية خلال هجمات مستوطنين، كما باتت تلك الهجمات جزءا من يوميات سكان القرى والبلدات النائية وعشرات المستوطنين الذين يشاركون في الهجمات ويفلتون من أي ملاحقة بعد إلغاء أوامر الاعتقال الإداري بحق المستوطنين ضمن قرار اتخذه وزير الأمن يسرائيل كاتس لدى تسلمه مهامه.

ترصد الحركات والمنظمات الحقوقية الناشطة في الأراضي الفلسطينية بناء ما يزيد على عشرين بؤرة استيطانية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة في المناطق التي تصنفها اتفاقات أوسلو بمناطق "ب" والمفترض أنها تابعة لإدارة السلطة الفلسطينية بما في ذلك إدارة التخطيط والبناء، وهو الأمر الذي يعد تجديدا على نهج الحكومات المتعاقبة منذ توقيع اتفاق أوسلو.

تقاسم الجيش الإسرائيلي والمستوطنون مسؤوليات تكريس السيطرة على الأرض الفلسطينية في عهد حكومة نتنياهو الحالية ولم يبرز ذلك في حالات توفير الحماية للمستوطنين أو مرافقتهم لدى اعتداءاتهم المتكررة على الفلسطينيين فحسب، بل في نصب الحواجز والبوابات الحديدية عند مداخل بلدات أو أراض في الضفة الغربية إما للاستيلاء على الأراضي أو لتعقيد حركة تنقل الفلسطينيين بين المحافظات والمدن المختلفة ، وقد رصد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) وجود ما يزيد على 900 حاجز وبوابة.

الحكومة الحالية قد تستغل ما حققته في الضفة الغربية وقودا لحملتها الانتخابية في مخاطبة اليمين للحفاظ على قاعدة يستعان بها لاحتمال فرصة تشكيل الائتلاف المقبل


ساهمت اعتداءات المستوطنين وتوسيع مستوطناتهم على حساب الفلسطينيين إذن بتعزيز الممارسات التي أرادتها حكومة اليمين المتشدد  في الأراضي الفلسطينية، وسرعت في عمليات الضم والاستيلاء والترحيل، بشكل بات يصعب تغييره على الأرض حتى في حال استبدلت الحكومة الحالية بائتلاف أقل تشددا من ناحية الأداء اليومي، وما بقي لنتنياهو من أيام في هذه الحكومة قبل الانتخابات لا يستبعد أن يستغل لمزيد من الضغط على الفلسطينيين وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك تهجير مزيد من المخيمات الفلسطينية كما يتوعد الوزير كاتس أو هدم منازل وترحيل مواطنين بشكل يزيد حدة ردود الفعل في الشارع الفلسطيني، بمعنى أن الحكومة الحالية قد تستغل ما حققته في الضفة الغربية وقودا لحملتها الانتخابية في مخاطبة اليمين، على أمل  الحفاظ على قاعدة يستعان بها لاحتمال الحصول على فرصة تشكيل الائتلاف المقبل، خاصة بعد غياب أوراق القوة وفقدانها في الحرب على غزة والتي لم تنته بانتصار مطلق توعد به نتنياهو، والحرب على إيران التي تتحكم الولايات المتحدة بضبط إيقاعها، واستمرار المواجهة في جنوب لبنان وسط غياب الاختراق في المفاوضات مع الدولة اللبنانية وركود الجبهة السورية وتبدد الآمال بالتوصل إلى اتفاقات تطبيع جديدة مع مزيد من الدول العربية. لكن وبعد أن عددنا بعضا من دوافع اليمين المبدئية والسياسية لفرض سياسة متشددة في الضفة الغربية لا يقل أهمية  التنبه لحقيقة أن الشارع الفلسطيني يبدو غير جاهز لمواجهة شعبية واسعة مع إسرائيل نظرا لظروفه الداخلية التي تحول دون خروجه موحدا في وجه آلة الاستيطان الإسرائيلية، وهذا بحد ذاته قد يفوت مؤقتا الفرصة السياسية  التي ينتظرها اليمين قبل الانتخابات العامة في إسرائيل.

(رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش خلال مؤتمر صحافي في القدس، 30 يوليو2023

رسمت الحكومة الإسرائيلية ذات الولاية الكاملة ملامح جديدة للضفة الغربية على صعيد الجغرافيا والديموغرافيا، وفرضت سياسة جديدة في تعاملها مع القيادة ومؤسسات السلطة الفلسطينية، بشكل يصعب على أي حكومة جديدة ، في حال ثبتت استطلاعات الرأي وخسر تحالف نتنياهو الانتخابات، إن قررت العودة إلى حل الدولتين والشروع بمفاوضات اتخاذ خطوات وبوادر تعيد المشهد إلى سابق عهده، لكن هذا السيناريو يبدو متفائلا إلى حد كبير ولا يتناغم  وسياسة معظم الأحزاب التي تنافس الائتلاف الحالي، إذ يعد بعضها على اليمين الذي يود مواصلة الاستيطان في كل "أرض إسرائيل"، ويعلن  بعض آخر استعداده لتقديم "تنازلات منطقية" لا ترقى للحد الأدنى لتطلعات الفلسطينيين، بينما تبقى الحالة السائدة أن القضية الفلسطينية وإن تستخدم وقودا للحملات الانتخابية  بالمجمل،  لم تعد قائمة  في لب النقاش الإسرائيلي الداخلي.

font change

مقالات ذات صلة