السودان... الأبيض على خطى الفاشر

المجتمع الدولي يحذر من خطر وشيك

أ ف ب
أ ف ب
مقاتل موال لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان يحمل سلاحا ومن خلفه مئذنة مسجد في ولاية القضارف

السودان... الأبيض على خطى الفاشر

منذ أكثر من شهرين تعيش مدينة الأبيض حصارا مشابها لما عاشته مدينة الفاشر، مع إصرار "قوات الدعم السريع" على دخول المدينة، وتحذير المواطنين من مغبة البقاء إلى حين دخول قواتها الأحياء السكنية، في المقابل هناك إصرار مماثل من الجيش السوداني بالدفاع عنها وطمأنة السكان بأن "الدعم السريع" سيهزم ولن تقوى قواتهم على دخول المدينة.

يقطن الأبيض ما يقارب مليون مدني ثلثهم نازحون أصلا من مدن حرب، لذلك عادت المخاوف والتحذيرات من توحش جديد يمكن أن يقع في أية لحظة سيكون ضحيته المدنيون الأبرياء، كما حدث في التوحش الأول الذي وقع في مدينة الفاشر.

الأبيض... لعنة الجغرافيا

التأثير "الجيوسياسي" لمدينة الأبيض شديد الوضوح، فهي الجسر الرابط بين مناطق الوسط المفضية إلى شمال وشرق السودان ومناطق غرب السودان بما فيه دارفور وكردفان غربا وجنوبا، وتوسطها للسودان جعل منها معبرا تجاريا هاما بين معظم مناطق الإنتاج الزراعي غربا والصناعي في الوسط والشمال، وهي أيضا مركز تجاري لما ينتج ويصنع في وسط السودان، ويستورد عبر موانئ الشرق. والأبيض أيضا هي سوق المحاصيل الزراعية الأكبر في السودان وخاصة المحاصيل الزراعية المعتمدة على الأمطار، وفي هذه الحرب المدمرة تحول هذا الموقع من ميزة اقتصادية وسياسية إلى لعنة، فكل طرف جعل من مدينة الأبيض خط النار الفاصل والأرض التي يسعى للسيطرة عليها، حماية لمكاسبه في الحرب. وإن دفعه ذلك لإبقائها أرضا مشتعلة وميدانا لمعركة دائمة أو أرض محترقة، ولكن المهم أن لا يتركها للعدو، خوفا من أن تتحول إلى نقطة تجميع قوات وخط إمداد، بسبب موقعها الاستراتيجي وشبكة الطرقات التي تربطها بوجهات السودان الأربع. وفي حال سيطر الجيش على الأبيض يبقى من السهل أن ينفتح ويتحرك نحو مناطق غرب كردفان التي تسيطر عليها "قوات الدعم السريع"، ومنها إلى ولايات دارفور بطبيعة الحال. وهذا ما يصرح به قادة الجيش علنا ومن بينهم الفريق أول عبد الفتاح البرهان في خطابات الشحذ والتعبئة لقواته.

قائد الجيش البرهان إن لم يكن يعني ما يقوله حرفيا عن تحرير دارفور فإنه يعلم أن صد العدو واجب للحفاظ على المناطق التي يسيطر عليها في وسط وشمال البلاد، والأبيض هي حائط الصد الأخير. وأما إن لم تمضِ الأمور كما يشتهي البرهان، ودانت الأبيض لـ"قوات الدعم السريع"، فهذا يعني السيطرة الكاملة على كردفان الكبرى وولاياتها الثلاث: شمال وجنوب وغرب كردفان. "الدعم السريع" فعليا يسيطر على أجزاء من ولايات كردفان، وخاصة ولاية غرب كردفان، والتي تعد بوابة رئيسة نحو دارفور.

تهديد "قوات الدعم السريع" وحصارها لا يزال قائما في اتجاه الغرب والجنوب والجنوب الغربي، وهي الجبهة الأكثر شراسة وخطورة على مدينة الأبيض

ومن المعلوم أن "الدعم السريع" يستفيد بشكل كبير من تحالفه مع "قوات الحركة الشعبية" في زعزعة الاستقرار في مناطق جنوب كردفان وأجزاء من شمال كردفان، والأبيض بطبيعة الحال حائط صد متقدم لـ"قوات الدعم السريع"، لحماية مناطق سيطرته في دارفور وغرب كردفان، والأهم فهي بالنسبة لـ"الدعم السريع" ذات ثقل راجح في دعاية الحرب وهزيمة سردية الجيش الذي يبشر مؤيديه باقتراب تحرير دارفور، وفي حال خسارته مدينة مركزية مثل الأبيض تنهار السردية بالكامل، ويتوفر لـ"الدعم السريع" دعم معنوي كبير، يصب في تماسك قواته ومؤيديه، الذين يعمل الجيش واستخباراته على تفكيكها استخباراتيا. ومن كل ذلك نخلص إلى أن المعركة في الأبيض ليست معركة طارئة، بل هي معركة الوقت في هذه اللحظة، ولا مناص من وقوعها، إن لم تحدث تحولات كبيرة وجذرية في مسار الحرب ككل.

أ ف ب
رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان اثناء اطلاق مبادرة لدعم عائلات ضحايا الحرب في بورتسودان في 26 ابريل

انتصارات ووعيد

في الأيام الماضية سيطر الجيش على مدن ومناطق في شمال كردفان كانت تسيطر عليها "قوات الدعم السريع"، بعد معارك خاطفة ومفاجئة للعدو، ومن أهم هذه المناطق منطقة أم سيالة وجبرة الشيخ، اللتان تقعان في الشمال والشمال الشرقي لمدينة الأبيض على بعد 200 كيلومتر تقريبا، والمدينة الأكثر أهمية هي مدينة بارا التي تعد من المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية والثقل الاقتصادي والموقع الاستراتيجي، وتبعد 45 كيلومترا فقط من الأبيض في اتجاه الشمال الشرقي. وتجب الإشارة إلى أن كل هذه المدن التي سيطر عليها الجيش تقع في الطريق المؤدي إلى مدينة أم درمان إحدى مدن العاصمة الخرطوم، المعروف بطريق الصادرات، مما يؤكد أن هذا الانفتاح والتحرك يهدف عسكريا واستراتيجيا في المقام الأول إلى حماية العاصمة الخرطوم ومناطق الوسط، وبطبيعة الحال حماية مدينة الأبيض خشية السيناريوهات التي أشرنا إليها، وعلى الرغم من تقدم الجيش في اتجاه الشمال والشمال االشرقي، وتأمين الطريق الرابط بين الأبيض ومناطق وسط السودان، فإن تهديد "قوات الدعم السريع" وحصارها لا يزال قائما في اتجاه الغرب والجنوب والجنوب الغربي، وهي الجبهة الأكثر شراسة وخطورة على مدينة الأبيض، ولا خلاف على أن انتصارات الجيش وسيطرته على المحور الشمالي والشمالي الشرقي من مدينة الأبيض حقق دفعة معنوية  كبيرة للجيش مقابل إحباط واسع في صفوف "الدعم السريع"، ولكن حال نظرنا بعناية إلى هذه الانتصارات، نجدها رفعت الخطر على الأبيض ووضعتها في عين العاصفة، وباتت بمثابة المعركة الحاسمة لكل طرف، ووقوع المواجهة فيها أصبح شبه حتمي.

وهذا يفسر غضب قائد "قوات الدعم السريع" محمد حمدان دقلو، بعد تراجع قواته شمال الأبيض، حيث خرج في خطابين متتاليين يرفع فيهما من الروح المعنوية لجنوده مع وعود بالترقيات والرواتب، والطلب منهم رفع الهمة في القتال، مؤكدا أن الهدف هو الخرطوم، ولكن معلوم أن الهدف الحقيقي هو السيطرة على مدينة الأبيض. وبمعنى آخر إنها انتصارات جلبت على المدينة وعيدَ "الدعم السريع".

كل المعطيات تشير إلى أن تجنب المواجهة في مدينة الأبيض مهمة بالغة الصعوبة، وتحتاج إلى أكثر من مناشدات ورجاءات

المجتمع الدولي... تحذيرات بلا طائل

وقف تورمود أندرسون سفير النرويج أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف في منتصف يونيو/حزيران الماضي، محذرا من التوحش الذي يمكن أن يحدث للمدنيين عند وقوع المواجهة داخل مدينة الأبيض، وقال: "خطر وشيك يهدد نحو 500 ألف مدني في الأبيض، بينهم أكثر من 100 ألف نازح".

وفي السياق ذاته، وقبل أن يطلق السفير أندرسون تحذيراته، أصدر "تحالف منع الفظائع وتحقيق العدالة في السودان"، الذي يضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا وأيرلندا وكندا، بيانا بدعم من 21 دولة إضافية، يحذر من خطر وقوع فظائع واسعة النطاق في الأبيض، ومن نافلة القول أن نقول إن الدول ذاتها والتحالفات وغيرها أطلقت نداءات وأصدرت بيانات مشابهة عندما كان "الدعم السريع" يحاصر الفاشر، وفي الحقيقة صدرت هذه التحذيرات في معظم المدن المحاصرة قبل اجتياحها من "الدعم السريع"، غير أنها لم توقف التوحش والانتهاكات، مما يعني أنها بلا طائل.

كذلك يمكن التوقف عند خطاب حميدتي الأخير بعد تراجع قواته في شمال وشمال شرق الأبيض وتحديدا عندما قال: "الجماعة يصبرونا بالبندول، والطرف الثاني يعمل ما يريد ولكن لن نسمع لأحد"، في إشارة إلى مطالبات له من المجتمع الدولي بعدم اجتياح الأبيض ومنح فرصة للسلام، وبالذات من الولايات المتحدة الأميركية التي تقود مساعي حثيثة مع أطراف الحرب للقبول بهدنة إنسانية.

وفي حديث حميدتي إشارة واضحة إلى أنهم لن يلتفتوا لنداءات المجتمع الدولي، والذي بطبيعة الحال ليس له سلطة في منع طرف من التقدم عسكريا، لذا تتمحور مناشداته للمتحاربين بضرورة الحفاظ على سلامة المدنيين وتجنيبهم الانتهاكات بأشكالها كافة. وبيان "تحالف منع الفظائع وتحقيق العدالة في السودان" وكذا خطاب السفير النرويجي أندرسون، لم يخرجا عن هذا النطاق.

أ.ف.ب
طالبة سودانية نازحة تنظر من خيمة في مدرسة ابتدائية يديرها التحالف السوداني للتعليم بالشراكة مع منظمة (اليونيسف)، جنوب بورتسودان، في 26 أبريل 2026

المهمة الصعبة... تجنب التوحش في الأبيض

كل المعطيات تشير إلى أن تجنب المواجهة في مدينة الأبيض مهمة بالغة الصعوبة، وتحتاج إلى أكثر من مناشدات ورجاءات، وما يزيد من صعوبة المهمة تزايد التحشيد للمواجهة بوتيرة متسارعة في الأسابيع الأخيرة، وهذا محسوس في الخطابات الإعلامية والتحركات الميدانية لكل طرف، حيث كشفت مصادر مطلعة رصد تحرك أرتال عسكرية كبيرة من "قوات الدعم السريع" تجاه مدن شمال كردفان وبالتحديد مدينة الأبيض، إلى جانب نشاط كثيف للطائرات المسيرة من الطرفين.

وفي يوم الاثنين 27/ 7/ 2026 استهدفت ثلاث مسيرات تتبع "قوات الدعم السريع" مناطقَ داخل مدينة الأبيض، من بينها بنوك وأسواق، ولم تتوقف مسيرات الجيش في ضرب تجمعات "الدعم السريع". ومع هذا التصعيد الميداني والعملياتي تصبح نجاة مدينة الأبيض وسكانها من الانتهاكات مرتبطة إلى حد كبير بإيقاف الحرب بالمجمل عبر هدنة إنسانية، أو عبر تفاهمات يمكن أن تفضي إلى وقف إطلاق النار، والانخراط في عملية سلمية، وإلا سنكون أمام توحش جديد يصعب تجنبه.

font change

مقالات ذات صلة