السياحة السعودية تنتقل من بناء الوجهات إلى تعظيم العوائد

... والجغرافيا السياسية تعيد تشكيلها

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مشاركون في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، يشاهدون عرضاً ترويجياً لمشروع البحر الأحمر السعودي، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2017.

السياحة السعودية تنتقل من بناء الوجهات إلى تعظيم العوائد

لم تتراجع طموحات المملكة العربية السعودية في قطاع السياحة، إلا أن البيئة التي تمضي فيها نحو تحقيق تلك الطموحات تغيرت على نحو لافت.

فعندما أطلقت المملكة "رؤية 2030"، استندت إلى توقعات بتوسع حركة السفر العالمية، ووفرة عائدات النفط، واستقرار جيوسياسي مؤات نسبيا. وكان الرهان أن تصبح السياحة أحد المحركات الرئيسة للتنويع الاقتصادي في المملكة، مدعومة باستثمارات عامة واسعة النطاق.

أما اليوم، فتواجه تلك الافتراضات ضغوطا متزايدة. فقد فرض انخفاض أسعار النفط أعباء إضافية على المالية العامة، وكشفت الصراعات هشاشة طرق الشحن وشبكات الطيران، فيما باتت موثوقية الشراكات الأمنية الراسخة موضع مراجعة أكثر صرامة في مختلف أنحاء الخليج.

وأصبحت الحكومات تولي اهتماما أكبر للمرونة الاقتصادية، والقدرة الصناعية، وتقليص الاعتماد على الخارج. والمملكة ليست استثناء من هذا التوجه.

وتعكس الاستراتيجيا الأخيرة لصندوق الاستثمارات العامة نهجا استثماريا أكثر انضباطا، مع تصاعد التوقعات بأن تحقق المشاريع عوائد تجارية، وتجذب رؤوس الأموال الخاصة، وتخدم الأولويات الوطنية الأوسع.

سجل سكان المملكة أكثر من 93 مليون رحلة داخلية العام الماضي، أنفقوا خلالها 127.1 مليار ريال سعودي (نحو 34 مليار دولار)

وتدخل السياحة بالضرورة في صميم عملية إعادة التقييم هذه، على الرغم من أن صندوق الاستثمارات العامة لم يتخلَّ عنها كقطاع استراتيجي. بل على العكس، بقيت السياحة والسفر والترفيه أحد الأنظمة الاقتصادية الستة الأساس في استراتيجيا الصندوق الجديدة 2026-2030، إلى جانب الصناعة، والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، والتصنيع المتقدم، ونيوم. إنما انتقل التركيز من بعض المشاريع السياحية العملاقة إلى استثمارات أكثر كفاءة وربحية وأسرع عائدا.

وتعكس الاستراتيجيا  الأخيرة لصندوق الاستثمارات العامة نهجا استثماريا أكثر انضباطا، مع تصاعد التوقعات بأن تحقق المشاريع عوائد تجارية، وتجذب رؤوس الأموال الخاصة، وتخدم الأولويات الوطنية الأوسع.

السياحة الداخلية والسياحة الدينية رافعتان للقطاع

بلغ عدد الزوار الوافدين إلى المملكة 29.3 مليون زائر عام 2025، وبلغ إنفاقهم 176.6 مليار ريال سعودي، أي نحو 47.1 مليار دولار أميركي. وأشار تقرير "اتجاهات وسياسات السياحة 2026" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في يونيو/حزيران الماضي إلى أن السعودية حققت نموا بنسبة 67 في المئة في أعداد السياح الدوليين مقارنة بعام 2019، وهو أعلى معدل بين الدول التي شملها التقرير، مع اعتبارها إحدى أسرع الوجهات السياحية نموا عالميا.

غير أن العام الماضي كشف في الوقت نفسه مدى تعرض السياحة الوافدة من المسافات البعيدة للصدمات الجيوسياسية.وتقدر مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس" أن تشهد حركة السفر الوافد إلى الشرق الأوسط تراجعا يتراوح بين 11 و27 في المئة خلال عام 2026. كما أقر وزير السياحة السعودي أحمد الخطيب أخيرا بأن النشاط السياحي انخفض بنحو 5 إلى 6 في المئة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، مرجعا ذلك إلى تداعيات الحرب على إيران واضطرابات السفر الإقليمية، لكنه وصفه بأنه "تباطؤ يمكن السيطرة عليه". 

وكانت السعودية أقل تأثرا بالصراع من بعض جيرانها، إلا أن المسافرين الدوليين غالبا ما يتعاملون مع المنطقة ككتلة واحدة، ويستجيبون لصورتها العامة أكثر من استجابتهم للفروق بين حدود دولة وأخرى.

أ.ف.ب
نموذج لتصميم مدينة " ذالاين" في شمال السعودية، 26 يوليو/تموز 2022

ولا ينتقص ذلك من أهمية السياحة، وإنما يعيد صياغة المنطق التجاري الذي تقوم عليه. فالأسواق القادرة على توليد طلب متكرر، والصمود بصورة أفضل في أوقات الاضطراب، تكتسب قيمة متزايدة. وتوفر السياحة الداخلية هذه القاعدة بالفعل. فقد سجل سكان المملكة أكثر من 93 مليون رحلة داخلية العام الماضي، أنفقوا خلالها 127.1 مليار ريال سعودي (نحو 34 مليار دولار). كما أكد وزراء السياحة في دول مجلس التعاون، في بيان مشترك خلال الأزمة، أن الوجهات الخليجية واصلت استقبال الزوار وأن المرافق السياحية بقيت تعمل بصورة طبيعية.

من المتوقع أن يسهم إنشاء ممر نقل حديث يمتد على مسار خط الحجاز في تعزيز السياحة والتجارة والاستثمار، فضلا عن تعميق التكامل الاقتصادي بين السعودية والأردن وسوريا، عبر خفض تكاليف النقل وتحسين الربط اللوجستي بين الدول الثلاث

وتتمتع السياحة الدينية بقدر خاص من الصمود. وأشار الوزير الخطيب إلى أن السياحة الدينية (الحج والعمرة) خففت من أثر الأزمة. فاستقبلت المملكة1.71 مليون حاج خلال موسم حج 2026، بينهم نحو 1.55 مليون حاج قدموا من خارج السعودية، وفق الهيئة العامة للإحصاء السعودية، بزيادة بلغت نحو 2 في المئة مقارنة بموسم 2025. وأصبحت الحكومة تقدم أداء القطاع السياحي بوصفه محركا للتنويع الاقتصادي، مع تركيز متزايد على الإنفاق السياحي، وإسهام القطاع في الناتج المحلي، وقدرته على تحقيق نمو مستدام ومرونة في مواجهة الأزمات، إلى جانب استمرار السعي لزيادة أعداد الزوار.

ما أهمية الترابط الإقليمي؟

يغدو الترابط الإقليمي عنصرا أساسيا في المستقبل التجاري للسياحة السعودية. وقد اكتسب مشروع إحياء سكة حديد الحجاز التاريخية أهمية استراتيجية متزايدة منذ اندلاع النزاع. وحتى وقت قريب، تركزت مشاريع الربط الإقليمي حول الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يربط موانئ الخليج بالقارة الأوروبية عبر إسرائيل. غير أن هذا المسار يواجه اليوم ضبابية سياسية أكبر، مما يعزز جاذبية الممرات المتجهة شمالا عبر الأردن وسوريا.

أ.ف.ب
مشاركون يقفون أمام لوحة إعلانية خلال منتدى "الخطوط الحديدية 2020"، الذي نظمته الشركة السعودية للخطوط الحديدية، في العاصمة الرياض، 28 يناير/كانون الثاني 2020

ومن المتوقع أن يسهم إنشاء ممر نقل حديث يمتد على مسار خط الحجاز في تعزيز السياحة والتجارة والاستثمار، فضلا عن تعميق التكامل الاقتصادي بين السعودية والأردن وسوريا، عبر خفض تكاليف النقل وتحسين الربط اللوجستي بين الدول الثلاث.

كما أن إعادة ربط المملكة بالأردن وسوريا، وربما لاحقا بتركيا، من شأنها إحياء أحد أهم مسارات الحج التاريخية في المنطقة، كما قد تسهل السفر المتعدد الوجهات، وتدعم تطوير برامج سياحية إقليمية تمتد عبر أكثر من دولة، بما يعزز فرص السياحة والتبادل الاقتصادي، إذا اقترنت بتيسير إجراءات العبور والتأشيرات.

ومن المتوقع أن يستفيد الأردن من تحسن الربط مع دول الخليج عبر شبكة نقل أكثر تكاملا، فيما قد يفتح الاندماج التدريجي لسوريا في الشبكات الاقتصادية الإقليمية فرصا جديدة للاستثمار في النقل والتراث والضيافة. وفي هذا السياق، تكتسب البنية التحتية التي تجمع بين وظائف السياحة والتجارة والربط الإقليمي أهمية استراتيجية متزايدة، نظرا لقدرتها على تحقيق عوائد اقتصادية تتجاوز قطاع السياحة وحده.

السياحة تصبح أحد محركات التنويع الاقتصادي

تشير المؤشرات إلى أن السعودية باتت تتعامل مع السياحة بوصفها أحد محركات التنويع الاقتصادي. فبعدما ركزت السنوات الأولى من "رؤية 2030" على بناء وجهات وبنية تحتية سياحية جديدة، أصبحت الحكومة تبرز بصورة متزايدة مؤشرات مثل الإنفاق السياحي، وإسهام القطاع في الناتج المحلي، وجذب استثمارات القطاع الخاص، إلى جانب أعداد الزوار. وفي هذا السياق، قد يقاس نجاح المرحلة المقبلة بقدرة تلك الأصول على تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة وتعزيز مرونة الاقتصاد في مواجهة التقلبات.

سيظل الزوار القادمون من الأسواق البعيدة عنصرا مهما لنجاح وجهات مثل نيوم والدرعية والبحر الأحمر، إلا أن السياحة المحلية والدينية، إلى جانب السياحة الإقليمية، توفر قاعدة طلب أكثر استقرارًا، كما تسهم في رفع معدلات تكرار الزيارة، ولا سيما في المدن والوجهات المرتبطة بالحج والعمرة

وتجسد هذه الخطوة توجها أوسع نحو توسيع مشاركة القطاع الخاص في تمويل مشروعات البنية التحتية. إذ تسعى "مجموعة روشن" إلى استقطاب مستثمرين للمشاركة في تمويل ملعب أرامكو في الخبر، أحد ملاعب كأس العالم 2034، في إطار مساعي المملكة إلى تخفيف الضغوط على الإنفاق العام وتحرير رأس المال لمشروعات أخرى، بدلا من الاعتماد الكامل على التمويل الحكومي.

وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير إعلامية استنادا إلى مصادر مطلعة بأن شركة البحر الأحمر الدولية أوقفت مؤقتا تنفيذ المرحلة الثانية من مشروعها لإعادة تقييم وتيرة التوسع والجدوى التجارية، إلا أن الشركة نفت وجود تعليق للمشروع، مؤكدة أن المرحلة الثانية تمضي وفق تنفيذ مرحلي يشمل أعمال التصميم والموافقات والهيكلة التجارية.

أ.ف.ب
نموذج ثلاثي الأبعاد لملعب روشن، لاستضافة منافسات كأس العالم 2034 في مدينة الرياض، 30 أكتوبر/تشرين الأول 2024

ومما لا شك فيه أن هذه التطورات توحي بتزايد التركيز على الجدوى التجارية، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتعزيز كفاءة تخصيص رأس المال، في وقت تتجه فيه الاستثمارات العامة إلى إعطاء أولوية أكبر للمشروعات الأعلى عائدا والأكثر قدرة على جذب التمويل الخاص.

وتتطور الاستراتيجيا السياحية السعودية بما ينسجم مع الأولويات الوطنية الأوسع. وسيظل الزوار القادمون من الأسواق البعيدة عنصرا مهما لنجاح وجهات مثل نيوم والدرعية والبحر الأحمر، إلا أن السياحة المحلية والدينية، إلى جانب السياحة الإقليمية، توفر قاعدة طلب أكثر استقرارًا، كما تسهم في رفع معدلات تكرار الزيارة، ولا سيما في المدن والوجهات المرتبطة بالحج والعمرة.

ويتمثل التحدي الراهن في الحفاظ على زخم نمو قطاع السياحة في ظل بيئة اقتصادية وجيوسياسية أكثر تعقيدا. ومن المرجح أن يتطلب ذلك تنويع مصادر الطلب بين الأسواق الدولية والمحلية والإقليمية، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في تمويل المشاريع السياحية، وتعزيز الربط البري والجوي مع دول الجوار، بما يدعم مرونة القطاع وقدرته على النمو المستدام.

font change

مقالات ذات صلة