الجزائر وبروكسيل… هل ينقلب ميزان القوة في الشراكة التجارية؟https://www.majalla.com/node/332471/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D9%88%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%8A%D9%84%E2%80%A6-%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A8-%D9%85%D9%8A%D8%B2%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9%D8%9F
دخل اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي مرحلة إعادة التقييم، بعدما عبّرت الجزائر عن استيائها مما تصفه بـ"السياسات الحمائية" والعوائق غير الجمركية التي تحد من نفاذ صادراتها إلى الأسواق الأوروبية. وتطالب الجزائر بمراجعة اتفاق التبادل الحر، معتبرةً أنه أسهم على مدى عقدين في تعزيز حضور المنتجات الأوروبية في السوق الجزائرية أكثر مما دعم تنويع الصادرات الجزائرية غير النفطية أو تحقيق توازن في المكاسب التجارية بين الجانبين.
ومنذ سنوات، تضغط الجزائر في اتجاه مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، الذي تعتبره "مجحفا" و"غير متوازن"، وترى أنه أفضى إلى خسائر مالية كبيرة. ويقدّر خبراء جزائريون أن تكلفة الاتفاق على البلاد تجاوزت 30 مليار دولار خلال العقدين الماضيين.
وقد شكّل معرض الجزائر الدولي في يونيو/حزيران الماضي منصة لرسائل سياسية واقتصادية بارزة، إذ جدد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال افتتاحه المعرض، دعوته إلى مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، معيدا ملف الخلافات حول الاتفاق إلى واجهة النقاش، على خلفية ما تصفه الجزائر بعدم تكافؤ المكاسب التجارية بين الطرفين.
إن اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي لم يحقق مبدأ "رابح-رابح" أو "الازدهار المشترك"، بل تحول إلى "قيد في رجل الاقتصاد الجزائري"، وفي اللحظة التي تم تحديد حصة الصلب من قبل الاتحاد الأوروبي القادم من الجزائر، كان في وقت لم تكن تملك فيه قدرة كبيرة على تصدير الصلب
وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الأفريقية، أحمد عطاف
وبنبرة حملت الكثير من الامتعاض شدد تبون في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي على ضرورة تحرك حكومته لانتزاع قرار يقضي بفتح الحدود الأوروبية أمام الحديد والصلب الجزائري، قائلا إنه "من غير المقبول بتاتا فرض نظام الكوتا (الحصص) علينا، في وقت لا نضع فيه نحن أي قيود أو حصص على ما نقتنيه من الاتحاد الأوروبي".
وفي مشهد حمل دلالات سياسية، وحضور كبار مسؤولي الدولة، في مقدمتهم الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، انتقد الرئيس عبد المجيد تبون القيود المفروضة على صادرات الجزائر من الحديد والصلب إلى السوق الأوروبية، مؤكدا أنه "لا يمكن القبول بفرض حصص مجحفة" على الجزائر. وقال إن بلاده "تملك اليوم كافة الحجج والمؤهلات التي تدفع أوروبا للاعتماد على الصلب الجزائري"، نظرا إلى جودته، فضلا عن كونه منتجا صديقا للبيئة ومنخفض الانبعاثات الكربونية.
الكيل بمكيالين
وكان هذا الملف قد طُرح بزخم كبير العام المنصرم، عندما أثار مسؤول على المجمع الجزائري – التركي للحديد والصلب "توسيالي" حجم التحديات التي تواجه صادراته، على الرغم من أن علامة المجمع أصبحت مطلوبة بشدة في 25 دولة حول العالم، غير أن ولوجها إلى العمق الأوروبي لا يزال يتعرض لكبح. وكان المجمع قد أعلن خلال جلسة عقدت في مايو/أيار 2025، حول موضوع "تيسير التجارة والتكامل الإقليمي"، عزمه رفع صادراته إلى مليار دولار خلال العام، مع التركيز على أسواق الاتحاد الأوروبي، مستفيدا من دخول مصنعه الجديد لإنتاج الصلب المسطح حيز التشغيل ووتيرة الإنتاج الجيدة، متوقعا أن تشهد عائدات التصدير زيادة أكبر في 2026. وأوضح عضو مجلس إدارة المجمع التنفيذي، ألب توبتشوغلو، أن توسع الطاقة الإنتاجية سيسمح بتعزيز حضور "توسيالي الجزائر" في الأسواق الخارجية، ولا سيما الأوروبية.
وطالب توبتشوغلو، خلال جلسة حول "تيسير التجارة والتكامل الإقليمي" انعقدت في مايو/أيار 2025، الاتحاد الأوروبي بتخصيص حصص للجزائر في قطاع الحديد والصلب، مستندا إلى ما وصفه بـ"المزايا المهمة" التي توفرها السوق الجزائرية، ولا سيما الإعفاءات الضريبية التي تستفيد منها الشركات الأوروبية المصدرة. وفي المقابل، قال إن المنتجات الجزائرية المتجهة إلى أوروبا "لا تزال تصطدم بحواجز جمركية وتنظيمية".
وجاءت تصريحات أخرى لوزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الأفريقية، أحمد عطاف، في مارس/آذار الماضي لتعكس حجم التباين، إذ دعا إلى إدراج الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي في "مسار متجدد قائم على توازن المصالح ومراعاة الانشغالات المشروعة للطرفين".
غار جبيلات الغني بالمعادن ، خارج مدينة تندوف، الجزائر، 24 يونيو/حزيران 2023
وانتقدت الجزائر ما تعتبره تعاملا أوروبيا مع اقتصادها وفق معطيات تعود إلى عام 2005، متجاهلا التحول الصناعي الذي شهدته البلاد منذ ذلك الحين. وكان الرئيس تبون قد أشار إلى أن الجزائر لم تكن آنذاك تملك تقريبا إنتاجا خارج المحروقات، بينما أصبحت اليوم منتجا ومصدرا لمجموعة واسعة من السلع، بينها الصلب.
وقال عطاف إن اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي لم يحقق مبدأ "رابح-رابح" أو "الازدهار المشترك"، بل تحول، بحسب تعبيره، إلى "قيد في رجل الاقتصاد الجزائري". وأشار عطاف أيضاً إلى صادرات الصلب، موضحا أن الاتحاد الأوروبي حدد للجزائر حصة تصديرية في وقت لم تكن تملك فيه قدرة كبيرة على تصدير الصلب. ومع تطور الصناعة الجزائرية منذ 2016 وتحولها إلى مصدر رئيس للصلب، قال إن الاتحاد الأوروبي أبقى الحصص عند مستوياتها السابقة، رغم امتلاك الجزائر حاليا حصصا حتى 2026 واستعدادها لتصديرها، لكنه "يرفض استقبالها".
كما انتقد عطاف آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية (CBAM)، محذرا من أن الضريبة الكربونية قد تمنع جزءا كبيرا من الصادرات الجزائرية من دخول السوق الأوروبية.
إن الاتحاد الأوروبي يطبق نظام التدابير التدابير الوقائية (Safeguard Measures) على واردات الصلب العالمية منذ عام 2018 وتم تمديده حتى 2026. تمنح هذه الآلية الدولة كوتا محددة معفاة من الرُسوم بناء على أدائها التاريخي، وبمجرد استنفادها، تفرض ضريبة جمركية قاسية تبلعُ 25 في المائة على الشحنات الإضافية
الأستاذ المتخصص في الاقتصاد والمالية بجامعة البويرة الدكتور بوبكر مصطفى
هذا الرفض يضعنا مباشرة أمام مفارقة صارخة تطرح سؤالا يفرض نفسه بحدة اليوم: إذا كانت الجزائر لا تفرض أي "كوتا" على السلع الأوروبية، فلماذا تقيد صادرات الفولاذ الجزائري على الرُغم من أنه منتج نظيف وعالي الجودة بفضل المعايير البيئية الحديثة والاعتمادات الدولية التي تتمتع بها كبرى المجمعات الصناعية مثل "توسيالي الجزائر" والشركة الجزائرية القطرية للصلب؟
ما وراء جدار الكوتا
تتداخل في هذه القيود اعتبارات حماية الصناعة الأوروبية، ولا سيما في قطاع الصلب، الذي شددت بروكسيل إجراءات حمايته بصورة متزايدة. ففي مارس/آذار 2025 خفض الاتحاد الأوروبي معدل تحرير حصص واردات الصلب من 1 إلى 0.1 في المئة، بهدف منح المنتجين الأوروبيين مجالا لزيادة إنتاجهم واستعادة حصتهم السوقية. ثم دخلت، في يوليو/تموز 2026، قواعد جديدة حيز التنفيذ تحدد واردات الصلب المعفاة من الرسوم عند 18.3 مليون طن سنويا، أي أقل بـ47 في المئة من حصص 2024، مع فرض رسم بنسبة 50 في المئة على الكميات التي تتجاوز الحصص.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يزور مصنع للحديد والصلب في بلدة مارديك، شمال فرنسا، 10 فبراير/شباط 2026
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تحذر فيه بروكسيل من فائض عالمي في الطاقة الإنتاجية للصلب قد يصل إلى 721 مليون طن في حلول 2027، أي ما يعادل نحو خمسة أضعاف الاستهلاك السنوي للاتحاد الأوروبي. وفي الحالة الجزائرية، أثارت القيود على نفاذ الصلب إلى السوق الأوروبية انتقادات حادة، في ظل سعي شركات مثل "توسيالي الجزائر" إلى رفع صادراتها إلى مليار دولار في 2025، خصوصا نحو أسواق الاتحاد الأوروبي.
ويقول الأستاذ المتخصص في الاقتصاد والمالية بجامعة البويرة الدكتور بوبكر مصطفى، في حديث إلى "المجلة" إن "الاتحاد الأوروبي يطبق نظام التدابير الوقائية (Safeguard Measures) على واردات الصلب العالمية منذ عام 2018 وتم تمديده حتى 2026. تمنح هذه الآلية الدولة كوتا محددة معفاة من الرسوم بناء على أدائها التاريخي، وبمجرد استنفادها، تفرض ضريبة جمركية قاسية تبلع 25 في المائة على الشحنات الإضافية".
ويعزو مصطفى الخلفيات الاقتصادية الكامنة وراء هذا الإجراء الحمائي الصارم إلى "أزمة البقاء التي تعاني منها مصانع الصلب الأوروبية العملاقة، مثل "أرسيلور ميتال" و"تيسين كروب"، بسبب الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة عقب الأزمة الأوكرانية".
ويوضح الخبير الاقتصادي أن "تكلفة إنتاج طن الفولاذ في أوروبا باتت أعلى بكثير منها في الجزائر، حيث تستفيد الشركات الوطنية من أسعار غاز طبيعي تنافسية جداً تقدر بحوالى 1 إلى 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بأسعار مضاعفة عدة مرات في القارة العجوز، الأمر الذي يعني أن فتح أوروبا أسواقها بالكامل سيؤدي حتما إلى اكتساح الفولاذ الجزائري أسواقها، متسببا بإغلاق المصانع الأوروبية وتسريح عشرات الآلاف من العمال".
يصر الاتحاد الأوروبي على التمسك بنظام الحصص والقيود المقيدة لواردات الصلب بل وعمد إلى تشييد هذه التدابير في عام 2026 عبر خفض الكوتا المتاحة ورفع الرسوم الجمركية على الشحنات التي تتجاوزها، تكريسا لسياسة حمائية تعزل صناعته عن فائض الإنتاج العالمي
أستاذ العُلوم الاقتصادية بجامعة الجزائر والبرلماني السابق، الدكتور هواري تيغرسي
ولا تقف التبريرات الأوروبية عند حدود حماية العمالة والمصانع، بل تمتد لتصطدم بمفارقة بيئية صارخة تتعلق بملف "الصلب الأخضر" وضريبة الكربون (CBAM).
ففي الوقت الذي يعتمد فيه قطاع الصلب الجزائري، ولا سيما مجمع "توسيالي"، على تقنية الاختزال المباشر للحديد (DRI) المقترنة بأفران القوس الكهربائي (EAF)، وهي من المسارات الأقل انبعاثا مقارنة بتقنية الأفران العالية التقليدية المعتمدة على الفحم، تفرض القواعد البيئية الأوروبية تحديا جديدا أمام صادراته. وتضم منشآت "توسيالي الجزائر" وحدتي اختزال مباشر للحديد، دخلت الأولى الخدمة عام 2018 بطاقة 2.5 مليون طن سنويا، فيما بدأت الثانية الإنتاج في 2024 بطاقة 2.5 مليون طن، وصُممت للعمل بالغاز الطبيعي مع إمكان تشغيلها بالهيدروجين بنسبة 100 في المئة.
حقل حاسي الرمل للغاز التابع لشركة الطاقة الجزائرية الحكومية سوناطراك في الجزائر، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2018
وبلغة الأرقام، أكد مصطفى أن "المنظومة الإنتاجية المعتمدة جزائريا تصدر حوالى 0.6 إلى 1.2 طن فقط من ثاني أكسيد الكربون لكل طن صلب منتج، مقارنة بنحو 1.8 إلى 2.2 طن في الأفران التقليدية المعتمدة على الفحم الحجري"، وعلى الرغم من هذا التفوق البيئي الواضح، أشار مصطفى إلى أن "الاتحاد الأوروبي يصر على إقحام آلية تعديل حدود الكربون، متذرعا بأن الغاز الطبيعي يظل وقودا أحفوريا في نهاية المطاف، وذلك للضغط نحو الانتقال الكامل الى الهيدروجين الأخضر، في خطوة وصفها بأنها لا تعدو كونها حيلة حمائية جديدة ومقنعة لتقييد الصادرات الجزائرية".
حصاد عقدين في ميزان التبادل
يدرك المتأمل في واقع التبادل التجاري أن هذا التناقض لا يتعلق بقطاع الفولاذ والصلب حصرا بل يمس جوهر الشراكة الاقتصادية برمتها بين الجزائر والاتحاد الأوروبي مما يعيد طرح "المعاملة بالمثل" كحجر زاوية في التجارة الدولية.
وفي مرافعة اقتصادية كاشفة تعزز هذا الطرح، يرفع الدكتور هواري تيغرسي، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة الجزائر والبرلماني السابق، الغطاء عن الفجوة العميقة في تطبيق آليات فتح الأسواق وحمايتها بين الطرفين.
ويقول في حديثه الى "المجلة" إن "الجزائر فتحت سوقها أمام آلاف المنتجات الأوروبية، مُكتفية في بعض الحالات باتخاذ إجراءات وقائية مؤقتة ومشروعة تتماشى مع قواعد منظمة التجارة العالمية مثل: "الرسم الإضافي الوقائي المؤقت لحماية نسيجها الصناعي من طفرات الواردات المفاجئة دون اللجوء للحظر أو نظام الحصص. وفي المقابل، يصر الاتحاد الأوروبي على التمسك بنظام الحصص والقيود المقيدة لواردات الصلب بل وعمد إلى تشييد هذه التدابير في عام 2026 عبر خفض الكوتا المتاحة ورفع الرسوم الجمركية على الشحنات التي تتجاوزها، تكريسا لسياسة حمائية تعزل صناعته عن فائض الإنتاج العالمي".
وفي قراءته التحليلية لأبعاد هذا الانسداد، يرى أن "هذه التقييدات الجمركية صارت تلقي بظلالها على معركة تنويع الموارد، بل تمتد لتضرب عمق الاستراتيجيا الوطنية خارج قطاع المحروقات وتكبح نمو الصادرات مما يقلص فرص الاستفادة العادلة من الاستثمارات الضخمة التي ضختها الدولة الجزائرية في صناعة الحديد والصلب خلال السنوات الأخيرة، وهي الاستثمارات الاستراتيجية التي تهدف إلى جعل الجزائر مركزا إقليميا ودوليا للإنتاج والتصدير نحو أوروبا وأفريقيا".
تدرك الجزائر أن انتزاع حقوقها التجارية يمر حتما عبر تفعيل أوراق ثقلها الاستراتيجي، وهو ما يفسر الجرأة الديبلوماسية الأخيرة في انتقاد الجمود الأوروبي
وتظهر ملامح هذا التباين بوضوح عند رصد حجم التبادل التجاري التراكمي، الذي سجل مستويات قياسية بلغت نحو تريليون دولار خلال الفترة من 2005 إلى 2023 . وأكد الوزير عطاف أن الاستثمارات الأوروبية في الجزائر لم تتجاوز 13 مليار دولار خلال الفترة نفسها، عاد منها نحو 12 مليار دولار إلى أوروبا في صورة أرباح وتحويلات توزيعات، ولم يبق للجزائر سوى نحو مليار دولار. وفي السياق ذاته، بلغت الخسائر في الإيرادات من الرسوم الجمركية الناجمة عن التفكيك الجمركي خلال الفترة نفسها 700 مليار دينار (5.26 مليار دولار). وخلال هذه الفترة، شهدت الصناعة الجزائرية تراجعا كبيرا، فيما بلغت الواردات ذروتها عند 60 مليار دولار سنويا.
أوراق رابحة
في نهاية المطاف، تدرك الجزائر أن انتزاع حقوقها التجارية يمر حتما عبر تفعيل أوراق ثقلها الاستراتيجي، وهو ما يفسر الجرأة الديبلوماسية الأخيرة في انتقاد الجمود الأوروبي. فالبلاد تفرض نفسها اليوم كلاعب محوري يضمن الأمن الطاقوي للقارة العجوز، ويقي أسواقها خطر الهزات المفاجئة.
ويتجسد هذا الثقل الجيوسياسي في واقع طاقوي جديد أفرزته التحولات المتسارعة في خريطة الإمدادات الأوروبية، إذ أصبحت الجزائر ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي بعد النروج، متقدمة على روسيا. وفي عام 2025، استحوذت الجزائر على نحو 18 في المئة من واردات الاتحاد من الغاز عبر الأنابيب، مقابل 54 في المئة للنروج و11 في المئة لروسيا، لترتفع حصتها إلى نحو 20 في المئة في الربع الأول من 2026. كما يؤكد المجلس الأوروبي أن واردات الاتحاد من الغاز الروسي عبر الأنابيب تراجعت إلى نحو 6 في المئة في 2025، مقابل ارتفاع أهمية الجزائر كمورد، فيما بلغت واردات الغاز النروجي 89.3 مليار متر مكعب.
منشأة صناعية تابعة لشركة توسيالي في وهران، الجزائر
وتتعزز هذه المكانة بورقة استراتيجية تضع الجزائر في قلب معادلة إمدادات الغاز بين أفريقيا وأوروبا، عبر مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (نيجيريا–النيجر–الجزائر)، الذي دخل في 2026 مرحلة التنفيذ بعد اعتماد دراسة الجدوى النهائية وإطلاق أشغال المقطع الجزائري منه، على أن يتيح نقل الغاز النيجيري إلى الجزائر ومنها إلى الأسواق الأوروبية والدولية.
ومن شأن هذا الخط، الذي بلغت نسبة إنجاز مساره نحو 60 في المئة، أي قرابة 2,400 كيلومتر من أصل 4,128 كيلومترا، أن يربط الغاز النيجيري بشبكة النقل الجزائرية وصولا إلى حاسي الرمل، ومنها إلى مرافق التصدير على ساحل المتوسط، بما يعزز موقع الجزائر كمحور لنقل الغاز الأفريقي إلى أوروبا ويمنحها هامشا أوسع للمناورة في أسواق الطاقة الدولية.
فالجزائر لا تكتفي بضمان أمن إمدادات الغاز الطبيعي والمسال والهيدروجين الأخضر المتجه نحو أسواق إيطاليا وألمانيا، لكنها تبني شبكة أمان ومظلة طاقوية متكاملة لدول النيجر وتشاد ومالي، مما يحولها إلى مهندس رئيس للانتقال الطاقوي الأفرو-أوروبي.