شيه ـ لي كاو ترسم خرائط الهشاشة

"وزن العظام" قصص تعبر الواقعي والغرائبي نحو مستقبل مقلق

وزن العظام

شيه ـ لي كاو ترسم خرائط الهشاشة

في مجموعتها القصصية "وزن العظام"، ترسم الكاتبة الماليزية شيه ـ لي كاو صورة لماليزيا المعاصرة والمستقبلية من خلال شخصيات تعيش غالبا عند الحواف، وتحاول الاحتفاظ بقدر من الكرامة في عالم تحكمه الفوارق الاجتماعية والمال والسلطة.

المجموعة صدرت ترجمتها الفرنسية حديثا في باريس عن دار "زولما"، وتتنقل كاو فيها بحرية لافتة بين واقعية اجتماعية حادة وخيال ينزلق أحيانا نحو الغرائبي والديستوبيا والخيال العلمي، محافظة على حس ساخر يخفف قتامة العالم من دون أن يلغيها.

منذ القصص الأولى، يتضح اهتمام صاحبة "مجموع كل الأشياء" بمن لا تستوقف حياتهم عادة عين السرد: مهاجرون، عاملات، فقراء، أفراد معزولون أو نساء يطاردن حبا مستحيلا.

ففي "كل مقعد"، يجلس رجل على مقعد في الشارع يراقب المارة والغيوم والحيوانات، ويكتب في دفتره. قد تراه العيون جسدا هامشيا أو متشردا، فيما يكشف السرد عن وعي شديد الحساسية بالعالم، قادر على تحويل أبسط التفاصيل إلى مادة شعرية.

في "أدخل كتابا"، تتخذ القراءة نفسها هيئة عالم حسي كامل بالنسبة إلى امرأة تفقد بصرها تدريجيا، فتتحول الكلمات إلى أماكن وأشكال تكاد الأصابع تلمسها، كأن الأدب بات وسيلتها الأخيرة لمقاومة الظلام الزاحف.

حدود

هذه القدرة على التقاط حياة تبدو صغيرة، وإضاءة اتساعها الداخلي، إحدى أهم فضائل المجموعة. فشخصيات كاو تعيش في عالم تصنع فيه المكانة الاجتماعية والجنسية والأصل الإثني والوضع القانوني والعمل والمال حدودا غير مرئية. حدود أشد قسوة أحيانا من الجدران المادية، لأن من يوجد في الجانب المريح منها يستطيع أن ينسى وجودها.

تظهر هذه الفكرة بقوة في "النافورة"، إحدى أكثر قصص المجموعة إيلاما. عاملة مهاجرة فقيرة تنهي يومها في مطعم، ثم تلجأ ليلا إلى حديقة عامة اتخذت من المساحة الواقعة قرب نافورة فيها بيتا مؤقتا.

وسط هشاشة حياتها، تمنح هذه النافورة المرأة لحظات نادرة من الحرية: تستحم في مائها خلسة، تغني أغنية من طفولتها، وتستعيد للحظات ملكية جسدها وحياتها.

لكن حين يباغتها شرطي لدى استحمامها يوما، تتحول هشاشتها القانونية إلى سلاح ضدها، فتكتشف، هي التي لا تملك جواز سفر أو تصريح عمل، أن غياب الأوراق يعني أيضا غياب الحماية.

تلتقط المجموعة حيوات تبدو صغيرة، وتضيء اتساعها الداخلي

كي تكتب العنف، لا تحتاج كاو إلى شخصيات شريرة استثنائية. يكفي اختلال صغير في ميزان القوة: موظف أمام مهاجر، غني أمام فقير، مواطن أمام شخص بلا أوراق، صاحب نفوذ أمام عامل. عندئذ يصبح القانون الذي يفترض أن يحمي الإنسان وسيلة لزيادة ضعفه.

في قصة "في انتظار غني"، نتعرف إلى سوسي، وهي إندونيسية تعيش في ماليزيا منذ خمسة عشر عاما بطريقة غير قانونية. في أحد الأيام، تقرر زيارة الرجل الماليزي الذي تربطها به علاقة طويلة ملتبسة، حاملة إليه الرز والسكر والزيت والسجائر التي اعتاد أن يأتي بها كلما زارها.

تأمل سوسي أن تتحول علاقتها بهذا الرجل إلى زواج يمنحها الحب والأمان وحق البقاء. لكن دخولها المكتبة التي يعمل فيها يكشف لها المسافة الفاصلة بين العالم الذي تتمنى الانتماء إليه وموقعها الحقيقي داخله.

فملابسها الأنيقة ولهجتها المحلية وخمسة عشر عاما من الإقامة في ماليزيا لا تكفي لمحو العلامة الاجتماعية الملتصقة بها. وحتى الحارس المهاجر الجديد يتعرف إليها فورا بوصفها "كاكاك"، التسمية المرتبطة في المخيال المحلي بالخادمات الإندونيسيات.

REUTERS/Hasnoor Hussain
أشخاص يتوجهون إلى أماكن عملهم خلال ساعة الذروة الصباحية وسط كوالالمبور.

تفاوت

يتخذ التفاوت وجها أكثر وحشية في القصة التي تمنح المجموعة عنوانها. فـ "وزن العظام" تستعير معتقدا صينيا قديما كان والد الراوية يستخدمه في التنبؤ بالمصائر: لعظام كل إنسان "وزن" فلكي تحدده ظروف ولادته، والعظام الثقيلة تبشر بحياة أوفر حظا من العظام الخفيفة.

هذه الخرافة تنقلها كاو من مجال القدر إلى مجال السياسة والطبقة، فلا يعود السؤال الحقيقي مَن وُلد بعظام ثقيلة، وإنما من يملك المال والعلاقات والنفوذ التي تجعل عظامه أثقل من القانون نفسه.

تتمحور القصة حول لاكشمي، أرملة عامل تنظيف الشوارع الهندي ثاغاراج الذي يلقى حتفه بعد صدام مع رجل نافذ. تأتي الراوية للتفاوض معها وعرض المال عليها مقابل تسوية القضية. ويتضح تدريجيا أن الحقيقة قابلة لإعادة التصنيع: يمكن التأثير في الشرطة والمستشفى، العثور على قاض متعاون، تغيير تفسير أسباب الوفاة، تشويه سمعة الميت وإقناع الآخرين برواية جديدة. وتقول القصة بصورة شديدة المرارة إن العظام تثقل بالمال والوزن السياسي حتى تصبح أثقل من القانون.

هنا يبلغ فن كاو القصصي درجة عالية من النضج. إذ تتجنب الخطابة الأخلاقية، وتدع المفارقة تقوم بالمهمة. فالراوية نفسها جزء من منظومة الفساد، ومع ذلك ليست وحشا كاريكاتوريا. إنها تعرف قواعد اللعبة، وتعلم أن الانحناء في الوقت المناسب يفتح أبواب الوظائف والمكافآت والعلاقات النافذة، فيما دفع ثاغاراج حياته ثمنا لرفضه الخضوع.

وتتسع خريطة المجموعة لتشمل الحب والهوية الجنسية والندم. ففي "جنحة الفرار"، تستعيد امرأة قصة علاقتها القديمة بنائين، المرأة التي أحبتها في شبابها ثم تخلت عنها لتختار حياة أكثر قبولًا اجتماعيًا. وحين تقرر زيارتها بعد سنوات، تراها من داخل سيارتها وقد أصبحت كائنا محطما يصفه الآخرون بالجنون. تراقبها طويلا، مثقلة بالذنب والعار، ثم ترحل من دون أن تواجهها.

هنا يصبح "الفرار" أكثر من حادث طريق: إنه استعارة أخلاقية لحياة كاملة، للهرب من حب قديم ومن المسؤولية عن الألم الذي تركه وراءه.

"الطابق السابع عشر" تبدأ بحادث يكاد يكون تافها خلال فترة الإغلاق الصحي: قط يهرب إلى شقة الجارة. ومن هذا التفصيل تولد لدى هذه الشابة الوحيدة رغبة عاطفية تجاه صاحب القط الذي يكبرها سنا.

تثقل العظام بالمال والوزن السياسي حتى تصبح أثقل من القانون

تنمو العلاقة أساسا داخل مخيلتها، عبر كلمات قليلة، ووجبة يرسلها هذا الرجل إليها، ومفتاح يأتمنها عليه لإطعام قطه. وحين تعلم لاحقا أنه مات وأن ثمة امرأة تقدم نفسها بوصفها زوجته، تجد نفسها أمام حزن لا تعرف حتى إن كان يحق لها امتلاكه. إنها قصة تصور برهافة شديدة العزلة المعاصرة، وكيف يصبح الاحتمال العاطفي أكثر واقعية من العلاقة نفسها.

خيال علمي

لكن كاو لا تحصر نفسها في الواقعية. ففي عدد من القصص تدفع العالم خطوة واحدة إلى الأمام، وإذا بالواقع نفسه يتحول إلى خيال علمي ساخر ومقلق.

في "تأمين على الحياة"، يصبح التناسخ خدمة تأمينية تُشترى وتُمدد عقودها وتضاف إليها خيارات تجارية. وحتى الحياة بعد الموت تقع تحت سلطة الأقساط والشروط المكتوبة بحروف صغيرة.

في "وصلة"، تستطيع شركة تأمين إصلاح أخطاء الماضي عبر قص مقاطع من الزمن وتركيب أخرى مكانها. هكذا تحاول أم إنقاذ طفلتها من الغرق، لكن كل إصلاح يخلق خللا جديدا، حتى تتحول الرغبة الإنسانية المفهومة في محو الخطأ إلى كابوس عن الذاكرة والمسؤولية واستحالة التحكم الكامل بالمصير.

في "غبار الأسبستوس، سماء السيليكا"، تذهب الكاتبة أبعد في المستقبل، فنرى كوالالمبور مدينة تختنق بالغبار والحرارة ونقص المياه، بينما يعيش الأثرياء داخل مستعمرات محمية بقباب توفر لهم الهواء النظيف والماء.

بطلة القصة، سُريا، تعمل في هدم المباني المهجورة وإعادة تدوير موادها، فتحيا من تفكيك جسد مدينة تحتضر. المفارقة القاسية هي أن كل مبنى تهدمه يزيد الغبار الذي يفتك برئتيها، لكنها تحتاج إلى مواصلة الهدم كي تجمع ما يكفي من المال للانتقال إلى فضاء يمكن التنفس فيه.  هكذا تتحول البيئة في هذه القصة إلى قضية طبقية، والهواء النظيف إلى امتياز اقتصادي.

عدسة مكبرة

يمثل هذا التداخل بين الواقعي والمتخيل أحد أسرار فرادة المجموعة. لكن الخيال العلمي عند كاو ليس هروبا من الواقع الماليزي. إنه ينطلق من هذا الواقع ويعمل كعدسة تكبر تناقضاته الحالية.

شركات التأمين، الهوس بالتكنولوجيا، الكوارث المناخية، التفاوت الاجتماعي، مراقبة الأجساد، الاستهلاك: عناصر تلتقطها الكاتبة من الحاضر وتمد خطوطها قليلا إلى الأمام، فتبدو أكثر عبثية ورعبا، وربما أكثر وضوحا.

مع ذلك، تحتفظ الكتابة بخفة مدهشة. فالسخرية حاضرة في أكثر اللحظات قتامة، والحوار سريع، والتفاصيل اليومية شديدة الحيوية: أطعمة، لهجات، كلمات صينية وماليزية وتاميلية وإنكليزية، مراكز تجارية، مطاعم، مساكن شعبية، طقوس دينية وخرافات محلية.  هذا التنوع يجعل من ماليزيا كائنا متعدد اللغات والأعراق والطبقات، بعيدا عن الصورة السياحية المسطحة لبلد استوائي مزدهر.

REUTERS/Hasnoor Hussain
تجار يفرغون بضائع في سوق للمنتجات الطازجة في كوالالمبور.

اللافت أيضا في هذه المجموعة موهبة كاو الخاصة في تغيير النبرة والشكل من قصة إلى أخرى. فبعد قصة واقعية اجتماعية خشنة، نقرأ حكاية غرائبية عن امرأة تنبت النباتات من جسدها، ثم نصا مستقبليا عن غرسة دماغية موروثة من أم ميتة، فديستوبيا بيئية. ومع هذا التعدد يبقى شيء واحد ثابتا: اهتمام الكاتبة بما يحدث للإنسان عندما يصبح وجوده نفسه عرضة للتسعير أو التصنيف أو الإقصاء.

في قصة "في أوج الإزهار"، مثلا، تتحول امرأة تدريجيا إلى شجرة، فيما يصر المحيطون بها على تفسير ما يحدث باعتباره مرضا أو جنونا، فتغدو الاستحالة الجسدية طريقة شعرية للكلام عن امرأة ظلت طويلا غير مرئية في نظر الآخرين.

أما خاتمة المجموعة، "يأتي النهار"، فتدفع القلق البيئي إلى حدوده القصوى بتصويرها عالما ينتظر نهايته وفق مؤسسات تتنافس على تحديد موعد الكارثة. وفيها تعيش الراوية وزوجها سيخار أيامهما الأخيرة داخل محمية للسلاحف. لكن حين تأتي اللحظة، تتراجع التنبؤات والأرقام أمام أشياء أبسط: الكلاب، السلاحف، البحر، الطعام، الشمبانيا، والأشخاص الذين أحباهما.

وفي الصفحات الأخيرة، تخرج مئات السلاحف من البحر، يتوهج الماء والسماء، ثم تحمل المياه الراوية بعيدا. لكن بدلا من أن تصرخ في وجه الفناء، تستقبله بسلام غريب. كأن نهاية العالم تعيد الإنسان أخيرا إلى حجمه الحقيقي داخل الطبيعة.

 Mohd RASFAN / AFP
سلحفاة بحرية خضراء تستريح بعد وضع بيضها على شاطئ محمية تشاغار هوتانغ للسلاحف في جزيرة ريدانغ.

استعارة

وهذا ما يعيدنا إلى عنوان المجموعة، وتحديدا إلى العظام فيه التي تصلح، في النهاية، استعارة لكل هذا العالم. إذ إنها ما يبقى تحت اختلافات اللون والعرق والجنس والطبقة، لكنها أيضا ما يحمل الجسد ويمنحه القدرة على الوقوف أو الانكسار.

وقصة إثر أخرى، تتساءل كاو في العمق عمّا يجعل عظام بعض البشر ثقيلة وعظام آخرين خفيفة في ميزان المجتمع: الحظ؟ المال؟ الجواز؟ الحب؟ السلطة؟ القدرة على النجاة؟

الخيال العلمي عند كاو عدسة تكبّر تناقضات الواقع الماليزي

في المحصلة، "وزن العظام" مجموعة عن الهشاشة، لكن شخصياتها لا تُختزل في هشاشتها. فحتى في أكثر أوضاعها قسوة، تحتفظ برغبة ما: مكان تنام فيه، جسد تحبه، هواء تستطيع تنفسه، كتاب تقرأه، عدالة لميت، فرصة ثانية، أو مجرد نافورة صغيرة تستطيع أن تسميها بيتا.

ومن هذه الرغبات المتواضعة تصنع شيه ـ لي كاو أدبا شديد الإنسانية، ساخرا ومؤلما في آن، يزن البشر بميزان مختلف تماما عن ذلك الذي يزنهم به العالم.

font change

مقالات ذات صلة