بوتين إلى جزر الكوريل... صواريخ اليابان ونفوذ الصين

موسكو تتحرك بمواجهة صواريخ طوكيو وتحديث نظام "المحاور والأذرع"

(سبوتنيك-أ.ب)
(سبوتنيك-أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتذوق منتجات خلال زيارته لمجمّع "ياسني" لتجهيز الأسماك في قرية كيتوفويه على جزيرة إيتوروب، كبرى جزر الكوريل في أقصى شرق روسيا، في 13 أغسطس 2026

بوتين إلى جزر الكوريل... صواريخ اليابان ونفوذ الصين

كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرتاحا أكثر مما هو مفترض، وهو يتذوق الكافيار المنتج في أكبر مصنع لمعالجة الأسماك في جزيرة إيتوروب، المعروفة أيضا باسم إيتوروفو، أكبر جزر الكوريل الجنوبية المتنازع عليها مع اليابان.

وبسرعة لافتة، استجاب بوتين لطلب مسؤولين محليين استبدال سيارة إسعاف، خلال تفقده مستشفى في الجزيرة الواقعة في أقصى الشرق الروسي، في مشهد يعكس حرص موسكو على إظهار التزامها بتنمية تلك المنطقة الشاسعة قليلة السكان والاستجابة لاحتياجاتها اليومية.

كما تفقد بوتين طاقم الطراد الروسي "فارياغ" قبالة جزيرة ساخالين حيث تقوم البحرية الروسية بمناورات عسكرية قبل أسبوع من مناورات مشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

لم تكن زيارة بوتين إلى جزيرة إيتوروب الأولى لرئيس روسي إلى الجزر الأربع التي تسيطر عليها روسيا منذ 1945، والتي تطلق عليها اليابان اسم الأقاليم الشمالية، فقد سبقه ديمتري ميدفيديف الذي كسر "محظورا سوفياتيا" بزيارته في العام 2010 جزيرة كوناشير، لكن زيارة بوتين حملت رمزية خاصة. فمن إيتوروب تحديدا أبحرت، في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1941، القوة الضاربة اليابانية في طريقها سرا إلى هاواي لتنفيذ هجوم بيرل هاربور، الذي غيّر مسار الحرب العالمية الثانية وأعاد رسم موازين القوى الدولية لمصلحة الولايات المتحدة.

أما اليوم، فتبدو تلك الموازين نفسها في مرحلة إعادة تشكّل، مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتآكل قواعد النظام الذي ساد منذ نهاية الحرب، بما يفتح الباب أمام انتقال تدريجي إلى نظام دولي جديد.

(رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرأس اجتماعا على متن الطراد الصاروخي "فارياغ" خلال متابعته تدريبا عسكريا لأسطول المحيط الهادئ، في منطقة سخالين بأقصى شرق روسيا، 13 أغسطس 2026

من ناحية أخرى، من المستبعد أن توجّه إدارة ترمب أي انتقادات إلى بوتين بسبب الزيارة، ليس فقط لأن واشنطن نفسها وافقت في مؤتمر يالطا على منح الاتحاد السوفياتي جزر الكوريل مقابل دخوله الحرب ضد اليابان، بل أيضا لأن إدارة ترمب، التي طالبت بضم غرينلاند، واستعادة السيطرة على قناة بنما، وتغيير اسم خليج المكسيك، تبدو الأقل أهلية لانتقاد موسكو على تحركاتها الإقليمية.

أوكرانيا و"دونرو" وشبح العسكرة اليابانية

يمكن قراءة توقيت زيارة بوتين في ضوء أربعة عوامل أساسية. أولها الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس وسط مفارقة لافتة. فصحيح أن إدارة ترمب الثانية قلّصت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي لكييف، بما خفف بعض الضغوط عن موسكو، إلا أن تحقيق الأهداف الروسية بالقوة العسكرية لا يبدو قريبا، فيما تترافق الحرب مع كلفة متزايدة، خصوصا في ظل الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة والبنية اللوجستية الروسية. ومن هنا، حملت زيارة بوتين إلى الشرق الأقصى رسالة بأن انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا لا يعني انكفاءها عن مصالحها ومواقعها الاستراتيجية في مسارح أخرى، وأن موسكو لا تزال قادرة على التحرك وإظهار حضورها على أكثر من جبهة.

أما العامل الثاني، فيتصل بما بات يعرف بـ"دونرو"، أي القراءة "الترمبية" الجديدة لـ "عقيدة مونرو"، القائمة على إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، واستخدام أدوات الضغط، بما فيها القوة العسكرية، لمنع القوى المنافسة من توسيع نفوذها فيما تعتبره واشنطن مجالها الحيوي.

وفي هذا السياق، قد ترى موسكو أن عودة منطق "المجالات الحيوية" إلى خطاب القوة الأميركية تمنحها، بدورها، مساحة أوسع لتأكيد مصالحها الأمنية في الشرق الأقصى وإظهار نفسها قوة فاعلة ومستقلة في آسيا والمحيط الهادئ.

زيارة بوتين إلى سخالين ثم إيتوروب تأتي في وقت تركز فيه موسكو على التحولات الأمنية في آسيا والمحيط الهادئ، مع تصاعد ما وصفه بوتين بخطر نشوب صراع جديد وتوسع حضور "الناتو" وظهور تكتلات وترتيبات عسكرية جديدة في المنطقة

أما العامل الثالث، فيرتبط بصعود النزعة القومية لدى رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكائيتشي. وقد دخلت اليابان والصين في أزمة عميقة، بعد تصريحات تاكائيتشي حول احتمال تدخل اليابان عسكريا في حال قررت بكين السيطرة على تايوان بالقوة. ومع تصاعد الحديث الصيني عن عودة النزعة العسكرية اليابانية، ومراقبة روسيا وكوريا الشمالية للتحولات في العقيدة الدفاعية اليابانية، يمكن قراءة زيارة بوتين أيضاً باعتبارها رداً روسياً على الكتاب الأبيض الدفاعي الياباني الأخير، الذي صنّف روسيا تهديدا أمنيا لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وأخيراً يتمثل العامل الرابع في تصاعد الحضور الصيني في الشرق الأقصى الروسي. وقد تعزز هذا الحضور بفعل تطورين مفصليين: الأول تسوية الخلافات الحدودية التاريخية بين روسيا والصين، التي اكتملت في 2008، والثاني حرب أوكرانيا، التي دفعت موسكو إلى زيادة اعتمادها الاقتصادي على بكين، وفتحت أمام الصين مساحة أوسع لتعزيز حضورها التجاري والاستثماري واللوجستي في الشرق الأقصى الروسي.

تطور نظام "المحاور والأذرع"

ويربط أليكسي كوزينيتس، الخبير في مركز الدراسات الآسيوية بجامعة الشرق الأقصى الفيدرالية الروسية والأستاذ المشارك في قسم العلاقات الدولية بالجامعة، زيارة بوتين إلى سخالين ثم إيتوروب بتدريبات أسطول المحيط الهادئ. فقد جاءت الزيارة في وقت تركز فيه موسكو بصورة متزايدة على التحولات الأمنية في آسيا والمحيط الهادئ، ولا سيما مع تصاعد ما وصفه بوتين بأنه خطر نشوب صراع جديد وتوسع حضور "الناتو" وظهور تكتلات وترتيبات عسكرية جديدة في المنطقة.

ويستشهد كوزينيتس بحديث قيادة أسطول المحيط الهادئ الروسي تحديداً عن تحالف أوكوس الذي يضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا، وعن الصيغ الثلاثية التي تجمع اليابان والولايات المتحدة والفلبين من جهة، واليابان والولايات المتحدة وأستراليا من جهة أخرى.

ويقول الخبير الروسي لـ"المجلة" إن هذه الترتيبات تمثل تطورا لنظام "المحاور والأذرع" الذي أقامته الولايات المتحدة منذ أوائل خمسينات القرن الماضي. فبعد عقود كان فيها هذا النظام يقوم أساساً على تحالفات ثنائية تربط واشنطن بشركائها الآسيويين، بدأت تظهر صيغ ثلاثية أكثر تعقيداً. وفي هذا السياق، تبرز اليابان بوصفها شريكا أميركيا محوريا، إذ تشارك في الصيغتين الثلاثيتين مع أستراليا والفلبين، وهو تحول يقول كوزينيتس إن موسكو تأخذه في حساباتها الأمنية.

(أ.ف.ب)
منظومة صواريخ يابانية من طراز "تايب 88" أرض-سفينة تُطلق خلال مناورة الضربة البحرية ضمن تدريبات "باليكاتان" في باواي بمقاطعة إيلوكوس نورتي، اليابان، 6 مايو 2026

ويمتد القلق الروسي، بحسب كوزينيتس، إلى التطور العسكري الياباني نفسه. فطوكيو تطور صواريخ فرط صوتية وأنظمة صاروخية جديدة وبدأت إدخالها إلى قواتها المسلحة، فيما تعتزم نشر صواريخ يصل مداها إلى ألف كيلومتر في هوكايدو. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى موسكو، نظرا إلى أن المسافة بين هوكايدو وسخالين تقل عن 100 كيلومتر، فيما لا تتجاوز المسافة إلى مقاطعة بريموريه نحو 800 إلى 850 كيلومترا.

وفي خلفية هذا التوتر الأمني، يرى كوزينيتس أن العلاقات الروسية-اليابانية نفسها شهدت تحولا كبيرا. فموسكو مستاءة من انضمام طوكيو إلى العقوبات الغربية على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، خصوصا أن الكرملين يعتبر أن النزاع لا يخص اليابان مباشرة. ويشير إلى أن بوتين حافظ لسنوات على مقاربة أكثر انفتاحاً تجاه طوكيو وسعى إلى مراعاة حساسياتها، لكن التحول في السياسة اليابانية أدى تدريجياً إلى تصاعد الاستياء الروسي.

ويأتي الكتاب الأبيض الدفاعي الياباني الأخير ليضيف عاملا آخر إلى هذا المسار. فتصنيف روسيا باعتبارها تهديدا أمنيا لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ أثار، وفق كوزينيتس، استياءً في موسكو، وعزز القناعة الروسية بأن البيئة الأمنية المحيطة بالشرق الأقصى تتغير بطريقة لا يمكن تجاهلها.

استعمار صيني؟ 

من ناحية أخرى، قد تُقرأ زيارة بوتين باعتبارها تذكيرا غير مباشر للصين بأن هناك حدودا لنفوذها المتنامي في الشرق الأقصى الروسي، خصوصا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وما رافقها من تعمق الاعتماد الاقتصادي الروسي على بكين.

يمتد القلق الروسي إلى التطور العسكري الياباني نفسه، فطوكيو تطور صواريخ فرط صوتية وأنظمة صاروخية جديدة وبدأت إدخالها إلى قواتها المسلحة، فيما تعتزم نشر صواريخ يصل مداها إلى ألف كيلومتر في هوكايدو

ويذهب الخبير البولندي ياكوب جاندا، مدير مركز القيم الأوروبية لسياسات الأمن، إلى أبعد القراءات في هذا الاتجاه. ففي مقابلة تلفزيونية بثت أخيرا، قال إن الصين تسعى إلى تحويل روسيا إلى "كوريا الشمالية 2.0"، في إشارة إلى مستوى النفوذ الذي تتمتع به بكين على نظام بيونغ يانغ. 

وبرأيه، تحتاج موسكو بشدة إلى الاستثمارات الصينية في الشرق الأقصى، الذي يعاني نقصا مزمنا في الاستثمارات لكن هذا الاعتماد بحسب جاندا يفتح الباب امام استراتيجية "استعمار فعلي" تهدف الصين من خلالها إلى السيطرة على النخب السياسية والأمنية والاقتصادية المحلية بدلا من السيطرة الرسمية على الأرض.

(أ.ف.ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قاعة الشعب الكبرى، عقب عرض عسكري إحياءً للذكرى الثمانين للانتصار على اليابان ونهاية الحرب العالمية الثانية، بكين، 3 سبتمبر 2025

وفي دليل محتمل على المأزق الذي تعيشه روسيا في هذا الإطار، يأتي تعثر مشروع ممر فلاديفوستوك ـ تشيناي، الذي أطلقته روسيا والهند في 2019، وكان ينظر البعض إلى نتائجه المحتملة كوسيلة لتوسيع الحضور الهندي في الشرق الأقصى وفتح نافذة روسية إضافية على المحيط الهندي في مواجهة الثقل الصيني المتزايد. 

في المقابل، اتخذت موسكو منذ 2023 خطوة أكثر مباشرة في اتجاه الصين، بالسماح للشحن المحلي الصيني بالمرور عبر ميناء فلاديفوستوك، ما وفر للمقاطعات الصينية الشمالية الشرقية، التي تفتقر إلى منافذ بحرية، طريقا أقصر إلى البحر.

لكن هذه القراءة تبدو أكثر سلبية بكثير من تقدير كوزينيتس. فالخبير الروسي لا يرى مؤشرات فعلية على أن الصين تسعى إلى تحدي السيادة الروسية على الشرق الأقصى أو فرض هيمنة اقتصادية عليه.

وبالنسبة إلى كوزينيتس، فإن تنامي التعاون مع الصين لا يعني أن روسيا تتنازل عن زمام المبادرة. ويؤكد أن موسكو لا تقبل المقترحات الصينية من دون تفاوض وتنسيق، وأن المشاريع التي لا تراها مجدية أو تحظى بالتوافق تؤجل أو لا تطلق أصلا.

(أ.ف.ب)
عناصر إنقاذ أوكرانيون يعملون في موقع ضربة روسية في كييف. وقالت السلطات إن الضربات قتلت شخصا وأصابت سبعة على الأقل، فيما أفادت موسكو بإسقاط أكثر من 100 طائرة مسيّرة متجهة نحو العاصمة، أوكرانيا، 16 أغسطس 2026

وفي مشهد يعكس اتساع دائرة التوترات الأمنية الاقليمية، أثارت زيارة بوتين إلى إيتوروب غضب طوكيو، وبعد أيام أثارت زيارة وزير الدفاع الياباني إلى ضريح ياسوكوني غضب الصين وكوريا الجنوبية. 

وفي هذه الظروف، تبدو مصلحة الصين وروسيا في الحفاظ على تعاونهما في مواجهة المخاطر الإقليمية واضحة، وربما أكثر من أي وقت مضى. لكن المفارقة أن الشراكة التي تمنح البلدين ثقلا في مواجهة الغرب وحلفائه الإقليميين، قد تزيد في الوقت نفسه من اعتماد روسيا على الصين، وتضيّق هامش قدرتها على موازنة نفوذ بكين المتنامي داخل حدودها. 

وقد يكون من السهل القول إن الشراكة الروسية-الصينية، في مواجهة الضغوط الخارجية والمساهمة في رسم ملامح النظام العالمي الجديد، بالغة الأهمية إلى درجة تدفع الطرفين إلى تقديم تنازلات متبادلة، وإن كانت في معظم الأحيان غير متكافئة. لكن السؤال الأهم يبقى: إلى متى ستبقى هذه التنازلات المتبادلة أقل كلفة من الانقسام؟

font change