كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرتاحا أكثر مما هو مفترض، وهو يتذوق الكافيار المنتج في أكبر مصنع لمعالجة الأسماك في جزيرة إيتوروب، المعروفة أيضا باسم إيتوروفو، أكبر جزر الكوريل الجنوبية المتنازع عليها مع اليابان.
وبسرعة لافتة، استجاب بوتين لطلب مسؤولين محليين استبدال سيارة إسعاف، خلال تفقده مستشفى في الجزيرة الواقعة في أقصى الشرق الروسي، في مشهد يعكس حرص موسكو على إظهار التزامها بتنمية تلك المنطقة الشاسعة قليلة السكان والاستجابة لاحتياجاتها اليومية.
كما تفقد بوتين طاقم الطراد الروسي "فارياغ" قبالة جزيرة ساخالين حيث تقوم البحرية الروسية بمناورات عسكرية قبل أسبوع من مناورات مشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
لم تكن زيارة بوتين إلى جزيرة إيتوروب الأولى لرئيس روسي إلى الجزر الأربع التي تسيطر عليها روسيا منذ 1945، والتي تطلق عليها اليابان اسم الأقاليم الشمالية، فقد سبقه ديمتري ميدفيديف الذي كسر "محظورا سوفياتيا" بزيارته في العام 2010 جزيرة كوناشير، لكن زيارة بوتين حملت رمزية خاصة. فمن إيتوروب تحديدا أبحرت، في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1941، القوة الضاربة اليابانية في طريقها سرا إلى هاواي لتنفيذ هجوم بيرل هاربور، الذي غيّر مسار الحرب العالمية الثانية وأعاد رسم موازين القوى الدولية لمصلحة الولايات المتحدة.
أما اليوم، فتبدو تلك الموازين نفسها في مرحلة إعادة تشكّل، مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتآكل قواعد النظام الذي ساد منذ نهاية الحرب، بما يفتح الباب أمام انتقال تدريجي إلى نظام دولي جديد.

من ناحية أخرى، من المستبعد أن توجّه إدارة ترمب أي انتقادات إلى بوتين بسبب الزيارة، ليس فقط لأن واشنطن نفسها وافقت في مؤتمر يالطا على منح الاتحاد السوفياتي جزر الكوريل مقابل دخوله الحرب ضد اليابان، بل أيضا لأن إدارة ترمب، التي طالبت بضم غرينلاند، واستعادة السيطرة على قناة بنما، وتغيير اسم خليج المكسيك، تبدو الأقل أهلية لانتقاد موسكو على تحركاتها الإقليمية.
أوكرانيا و"دونرو" وشبح العسكرة اليابانية
يمكن قراءة توقيت زيارة بوتين في ضوء أربعة عوامل أساسية. أولها الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس وسط مفارقة لافتة. فصحيح أن إدارة ترمب الثانية قلّصت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي لكييف، بما خفف بعض الضغوط عن موسكو، إلا أن تحقيق الأهداف الروسية بالقوة العسكرية لا يبدو قريبا، فيما تترافق الحرب مع كلفة متزايدة، خصوصا في ظل الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة والبنية اللوجستية الروسية. ومن هنا، حملت زيارة بوتين إلى الشرق الأقصى رسالة بأن انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا لا يعني انكفاءها عن مصالحها ومواقعها الاستراتيجية في مسارح أخرى، وأن موسكو لا تزال قادرة على التحرك وإظهار حضورها على أكثر من جبهة.
أما العامل الثاني، فيتصل بما بات يعرف بـ"دونرو"، أي القراءة "الترمبية" الجديدة لـ "عقيدة مونرو"، القائمة على إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، واستخدام أدوات الضغط، بما فيها القوة العسكرية، لمنع القوى المنافسة من توسيع نفوذها فيما تعتبره واشنطن مجالها الحيوي.
وفي هذا السياق، قد ترى موسكو أن عودة منطق "المجالات الحيوية" إلى خطاب القوة الأميركية تمنحها، بدورها، مساحة أوسع لتأكيد مصالحها الأمنية في الشرق الأقصى وإظهار نفسها قوة فاعلة ومستقلة في آسيا والمحيط الهادئ.


