اقتصاد إسرائيل يقاوم الانهيار لكنه يأكل من رأسماله

تل أبيب تدخل الانتخابات محمّلة تكلفة أمنية واقتصادية ستلاحق الحكومة المقبلة لسنوات

المجلة
المجلة

اقتصاد إسرائيل يقاوم الانهيار لكنه يأكل من رأسماله

ترى تقديرات مهنية إسرائيلية حديثة أن تكلفة الحرب منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بلغت نحو 420 مليار شيكل (140 مليار دولار)، وقد تقترب من 500 مليار شيكل (167 مليار دولار). وتواجه إسرائيل فاتورة أمنية ضخمة مستقبلا، إذ يُتوقع أن تنفق نحو 1.5 تريليون شيكل (500 مليار دولار) على الأمن خلال العقد المقبل، وسط احتمال تراجع المساعدات الأميركية بعد 2029.

ويرى التقرير الإسرائيلي أن طول الحرب، والاستخدام المكثف للذخائر والاحتياط، وغياب ضبط التكلفة، عوامل فاقمت العبء المالي، مما دفع الحكومة إلى زيادة الضرائب بنحو 35 مليار شيكل (نحو نحو 12 مليار دولار) في 2025، مع توقع مزيد من الزيادات بعد الانتخابات.

ومع كل هذه التوقعات، تترقب إسرائيل انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 وهي أمام مفارقة اقتصادية لافتة، إذ تبدو مؤشرات الاقتصاد الكلي أفضل بكثير من المزاج السياسي والمالي الذي يفترض أن تخلقه حرب طويلة. إنما ما الذي يجري في العمق حقا؟ وهل "الصمود" الذي يتميز فيه الاقتصاد الإسرائيلي حتى الآن أمر جيد؟

نمو اقتصادي على الرغم من الحرب... ولكن

بالأرقام والمؤشرات الكلية، يبدو الاقتصاد الإسرائيلي متماسكا ويحقق نموا. ويتوقع بنك إسرائيل نمو الناتج 4 في المئة في 2026، ثم 5.5 في المئة في 2027. لكن البنك يحذر في الوقت نفسه من أن الناتج سيظل في نهاية 2027 دون المسار الذي كان متوقعا قبل الحرب، بسبب انخفاض عرض العمالة، واستمرار خدمة الاحتياط، وبقاء بعض المتضررين من الحرب خارج سوق العمل، فضلا عن صافي الهجرة السلبي.

والنمو الاقتصادي المرتفع أثناء الحرب ليس مستحيلا، لكنه يخفي غالبا قصة مختلفة وراء الرقم. وهو ما يعرف بـ"الارتداد بعد الانهيار"، أو "النمو التعويضي"، مثل ارتفاع إنتاج سلعة تصديرية كالنفط، أو زيادة الإنفاق الحكومي والعسكري، وهذا ما حصل بالفعل، وما صرح به بنك إسرائيل بكل وضوح.

ويتوقع بنك إسرائيل نمو تكوين رأس المال الثابت بنحو 8 في المئة في 2026، مع استمرار الاستثمار في 2027. والسبب يعود إلى أن الاقتصاد يحاول تعويض النقص الذي تراكم خلال الحرب في رأس المال المادي، من المباني إلى الآلات والمعدات. كما أن عودة نشاط البناء واستعادة العمالة في القطاع، إلى جانب زيادة الاستثمار في الآلات لتعويض نقص العمال، تدعمان هذا المسار.

تشير صحيفة "غلوبس" الإسرائيلية إلى أن الاقتصاد تمكن من تحمل سنوات الحرب بفضل نقاط قوة تراكمت على مدى عقود، بداية من دين عام كان منخفضا نسبيا عند بداية الحرب

ويرى البنك أن نمو الاستهلاك الخاص سيبلغ 3 في المئة في 2026، ويحقق قفزة إلى 6.5 في المئة في 2027. فعودة جنود الاحتياط إلى وظائفهم، وتحسن القيود على عرض العمالة، وانخفاض بيئة أسعار الفائدة، تفترض أن تدعم دخول الأسر وإنفاقها.

أما على صعيد الصادرات، فيشير التوقع الحالي إلى نمو الصادرات، باستثناء الألماس والشركات الناشئة، بنحو 8 في المئة في 2026 و7 في المئة في 2027، مما يدل الى حفاظ القطاعات الإسرائيلية القابلة للتصدير على العمل على الرغم من الحرب، خصوصا التكنولوجيا والخدمات والقطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة. وهنا تكمن إحدى أهم خصائص الاقتصاد الإسرائيلي، إذ يمكن لجزء من الاقتصاد أن يبيع للعالم حتى عندما يتعرض الاقتصاد المحلي لصدمة عسكرية.

أ.ف.ب
مسيرة عسكرية من صناعة إسرائيلية خلال قمة التنقل الذكي في تل أبيب، 18 مارس/آذار 2026

تُظهر تجارب دول أخرى أن النمو أثناء الحرب لا يعني في الضرورة قوة الاقتصاد. ففي العراق نما الناتج الحقيقي 11 في المئة في 2016 بفضل قفزة إنتاج النفط 25 في المئة، على الرغم من انكماش الناتج غير النفطي 8 في المئة. وفي أوكرانيا، نما الاقتصاد 5.5 في المئة في 2023 بعد انهياره 28.8 في المئة في 2022، في انعكاس لنمو ارتدادي بعد صدمة الحرب.

وهنا تصبح إسرائيل حالة مثيرة للاهتمام، لأنها لا تشبه العراق تماما، ولا أوكرانيا تماما. فهي لا تحقق 4 في المئة بعد انهيار ناتج بـ30 في المئة، ولا تعتمد على قفزة نفطية لتعويض الانكماش. لذلك فإن 4 في المئة في إسرائيل قد يكون أكثر دلالة على مرونة الاقتصاد، لكنه في الوقت نفسه لا يعني أن الاقتصاد عاد إلى مساره الطبيعي.

ماذا سترث الحكومة المقبلة؟

الواضح الآن، هو أن الحكومة المقبلة لن ترث اقتصادا منهارا، لكنها سترث فاتورة حرب ضخمة. فالاقتصاد صامد على السطح، لكنه يتآكل من الداخل تحت تكلفة الحرب وتراجع هامش المناورة المالية.

تشير صحيفة "غلوبس" الإسرائيلية إلى أن الاقتصاد تمكن من تحمل سنوات الحرب بفضل نقاط قوة تراكمت على مدى عقود، بداية من دين عام كان منخفضا نسبيا عند بداية الحرب، بلغت نسبته نحو 60 في المئة إلى الناتج المحلي، مقارنة بنحو 71 في المئة خلال أزمة كوفيد-19. واعتبر بنك إسرائيل هذا المستوى المنخفض من الدين أحد أهم هوامش الأمان التي ساعدت الاقتصاد على تحمل تكلفة الحرب في 2024.

بالإضافة إلى ذلك، تمتعت إسرائيل بمستوى تشغيل مرتفع، واحتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية، تقارب 199 مليار دولار عام 2023، بما يعادل 38.1 في المئة من الناتج المحلي، وتضخم تحت السيطرة، بلغ 3.8 في المئة، لكنه تراجع إلى 3 في المئة نهاية 2023، قبل أن يرتفع مجددا إلى 3.2 في المئة في 2024. أي أن الحرب لم تُنتج موجة تضخمية فورية، فالصدمة الأولى كانت انكماشية بفعل تراجع الطلب، ثم تحولت لاحقا إلى ضغوط تضخمية مع استمرار قيود العرض.

دفع الاقتصاد ثمنا باهظا خلال السنوات الثلاث الماضية، والحرب مع إيران أعادت وضع علامات تحذير أمام مسار التعافي، والأهم إن إسرائيل قد تدخل عامها الرابع على التوالي من دون إصلاحات هيكلية داعمة للنمو

ميشال سترافتشينسكي، الرئيس السابق لقسم الأبحاث في بنك إسرائيل

وعلى الرغم من تباطؤ التضخم في تموز/ يوليو الماضي إلى 1.5 في المئة، استبعد محافظ بنك إسرائيل أمير يارون بقاءه عند هذا المستوى، وقال: "أتوقع أن يتسارع إلى 2 في المئة خلال الأشهر المقبلة"، وهو المستوى الواقع في منتصف نطاق هدف التضخم الذي حددته لجنة السياسة النقدية.

لكن نسبة الدين إلى الناتج ارتفعت إلى 69 في المئة، فيما واصل العجز الصعود، ومن المتوقع أن يبلغ 4.9 في المئة من الناتج الإسرائيلي في 2026، وهو أعلى بنسبة 1 في المئة مما كان مرصودا في توقعات يناير/كانون الثاني الماضي، حسب بنك إسرائيل.

والأهم أن الحكومة تدرس زيادة إضافية في موازنة الدفاع تصل إلى 25 مليار شيكل (8.35 مليار دولار). وإذا حدث ذلك، فقد يرتفع العجز إلى نحو 5.5 في المئة من الناتج.

وتتساءل الصحيفة الإسرائيلية حول "موازنة بلا بشائر نمو"، في تعبير لافت في تغطيتها لموازنة 2026، إذ تحدثت عن عجز متضخم، وأموال ائتلافية، ونفقات دفاعية ضخمة، لكن من دون بشرى واضحة للنمو. وتضع الصحيفة ذلك في مواجهة محاولة بنك إسرائيل الحفاظ على الاستقرار النقدي.

وحذر مقال نشر في صحيفة "هآرتس" في مارس/آذار الماضي من أن موازنة إسرائيل لعام 2026 تحولت إلى "متجر حلوى" سياسي في سنة انتخابية، يجمع بين زيادة ضخمة في الإنفاق الدفاعي، وخفوضات ضريبية بنحو 5 مليارات شيكل (نحو 1.7 مليار دولار)، ونحو 6 مليارات شيكل (نحو 2 مليار دولار) من الأموال الائتلافية، من دون إصلاحات هيكلية أو إجراءات جدية لكبح العجز.

وترى كاتبة المقال، المحللة الاقتصادية الإسرائيلية المعروفة، ميراف أرلوزوروف، أن استمرار الحرب والإنفاق العسكري والإغراءات الانتخابية قد ترفع الدين العام إلى نحو 70 في المئة من الناتج، وتلفت إلى تحذير بنك إسرائيل من استنزاف "الهامش المالي للطوارئ" الذي مكّن إسرائيل من تحمل سنوات الحرب، داعيا إلى خفض الأموال الائتلافية، وضبط الإنفاق الدفاعي، وزيادة الإيرادات والعودة إلى مسار خفض الدين. لكن الحكومة، بحسب المقال، تفعل العكس تماما، مراهنة على تأجيل تكلفة السياسة المالية إلى ما بعد الانتخابات، مما يزيد خطر أزمة مالية مستقبلية.

وفي حديثه إلى "كالكاليست" الإسرائيلية، حذر ميشال سترافتشينسكي، الرئيس السابق لقسم الأبحاث في بنك إسرائيل، من أن الاقتصاد دفع ثمنا باهظا خلال السنوات الثلاث الماضية، وأن الحرب مع إيران أعادت وضع علامات تحذير أمام مسار التعافي. والأهم قوله إن إسرائيل قد تدخل عامها الرابع على التوالي من دون إصلاحات هيكلية داعمة للنمو. ويقول إنه على الرغم من استمرار التكنولوجيا والصناعات الدفاعية في قيادة الاقتصاد، فإن قطاعات مثل السياحة والبناء لا تزال تعاني بشدة. بالتالي، فإن إسرائيل لا تخسر المال فقط في الحرب، فهي تخسر جزءا من قدرتها على اختيار أين تستثمر المال. وقد وصفت "جيروزاليم بوست" التحول بأنه إعادة هيكلة أساسية للموازنة.

الجيش ينافس التعليم والبنية التحتية على أموال الدولة

شكّل الإنفاق العسكري والدفاعي في 2025 و2026 نقطة التحول الأهم في المالية الإسرائيلية، إذ لم يعد إنفاقا استثنائيا لتمويل الحرب فقط، إنما أصبح بندا هيكليا يعيد تشكيل أولويات الاقتصاد. ففي 2025، بلغ الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي نحو 116 مليار شيكل، وفق بنك إسرائيل، بينما قدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) الإنفاق العسكري الإسرائيلي بنحو 48.3 مليار دولار، بزيادة هائلة بلغت 97 في المئة مقارنة بـ2022، على الرغم من تراجعه 4.9 في المئة عن 2024 مع انخفاض حدة القتال في غزة.

أ.ف.ب
دبابات تابعة للقوات الإسرائيلية تنتشر بالقرب مع الحدود اللبنانية، 12 مارس/آذار 2026

وقفز الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي إلى نحو 175 مليار شيكل (58.3 مليار دولار) في 2026، مستحوذا على قرابة ربع الموازنة، مقابل 16 في المئة قبل الحرب، بينما فُرض خفض بنحو 3 في المئة على موازنات الوزارات المدنية، بينها الصحة والتعليم.

أظهر تقرير الاستقرار المالي لبنك إسرائيل أن النظام المصرفي دخل الحرب مع نسب كفاية رأس مال وسيولة مرتفعة وهوامش امتصاص كافية

وهذا يعني أن الاستثمار المدني هو الخاسر الأكبر على المدى الطويل. فالمعهد الإسرائيلي للديمقراطية يحذر من أن استمرار الإنفاق الدفاعي المرتفع سيؤدي إما إلى تآكل الإنفاق على الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية، أو إلى ارتفاع الدين، أو الاثنين معا. ويتناغم توجه محافظ بنك إسرائيل مع هذا الفكر، إذ دعا الحكومة المقبلة إلى كبح الإنفاق الذي تقوده وزارة الدفاع وتوجيه موارد أكبر إلى التعليم والبنية التحتية ومحركات النمو.

من هنا، نفهم بلاغة السؤال الاقتصادي في الانتخابات الذي يتمحور حول ما الذي لن تستطيع إسرائيل إنفاقه على الاقتصاد المدني بسب الحرب؟

قطاع البنوك مرن، إنما هل يصطدم أداؤه بتكلفة الحرب؟

دخل القطاع المصرفي الإسرائيلي الحرب وهو يتمتع برأس مال وسيولة وربحية قوية، فتمكن من مواصلة الإقراض والحفاظ على استقرار أنظمة الدفع رغم الصدمة. وارتفعت نسبة رأس المال الأساس إلى 11.4 في المئة في نهاية 2024، مقابل 11.3 في المئة في 2023، وظلت فوق المتطلبات التنظيمية، بما يعكس قدرة البنوك على امتصاص الخسائر ومواصلة تمويل الاقتصاد.

وأظهر تقرير الاستقرار المالي لبنك إسرائيل أن النظام المصرفي دخل الحرب مع نسب كفاية رأس مال وسيولة مرتفعة وهوامش امتصاص كافية. كما ساعد انخفاض الدين العام قبل الحرب وارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي لدى بنك إسرائيل في تعزيز الاستقرار المالي. وفي النصف الأول من 2025، بقيت نسب رأس المال والسيولة مرتفعة، واستفادت البنوك من ارتفاع صافي دخل الفوائد والعمولات.

وقد ساعدت الربحية المرتفعة في تعزيز الرسملة، على الرغم من أن ارتفاع مخصصات خسائر الائتمان بدأ يأكل جزءا من هذه المكاسب. كما أن الإئتمان لم يتوقف، بل ارتفع الائتمان الممنوح للجمهور في النصف الأول من 2025 بمعدل سنوي يقارب 9.3 في المئة، مقابل 8.8 في المئة في 2024. وكان ائتمان الشركات، وخصوصا قطاع البناء، من أبرز محركات النمو. واصلت البنية التحتية المالية العمل حتى تحت ضغط الحرب والهجمات السيبرانية. ويقول بنك إسرائيل إن أنظمة المدفوعات والمقاصة حافظت على استقرارها على الرغم من تحديات الأمن السيبراني، وإن الاستعداد المبكر حدّ من الأضرار الفعلية.

رويترز
تراجع حاد في الشيكل الإسرائيلي، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2021

لكن الانتخابات المقبلة ستختبر شيئا مختلفا: وهو إمكان حفاظ القطاع على هذه المتانة إذا تحولت تكلفة الحرب من صدمة مؤقتة إلى واقع مالي طويل الأمد. فارتفاع الدين، وتزايد مخاطر الائتمان في بعض شرائح الأسر والشركات، والتعرض للعقار، وضيق الهامش المالي للدولة، قد تجعل البنوك خط الدفاع المالي الأخير للاقتصاد الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه إحدى أكثر نقاطه حساسية.

ماذا عن قوة الشيكل؟

لا يمكننا الحديث عن حفاظ الشيكل على قوته على الرغم من الحرب فحسب. فالعملة الإسرائيلية أصبحت من أقوى العملات مقابل الدولار خلال 2026. ويعود السبب الرئيس الى تراجع علاوة المخاطر. فمع تحسن الوضع الأمني وخصوصا اتفاقات وقف إطلاق النار والتطورات الإقليمية، بدأ المستثمرون يرون أن احتمال السيناريوهات الأسوأ للاقتصاد الإسرائيلي يتراجع. وعبر بنك إسرائيل صراحة أن انخفاض علاوة المخاطر كان عاملا رئيسا في ارتفاع الشيكل خلال 2025.

بلغت احتياطيات بنك إسرائيل 229.5 مليار دولار في نهاية 2025، ثم ارتفعت إلى 238.7 مليار دولار في مايو/أيار 2026

بالإضافة إلى ذلك، بلغت احتياطيات بنك إسرائيل 229.5 مليار دولار في نهاية 2025، ثم ارتفعت إلى 238.7 مليار دولار في مايو/أيار 2026. هذه الاحتياطيات لا تعني أن البنك المركزي يتدخل باستمرار لدعم الشيكل، لكنها تمنح السوق ثقة بأن إسرائيل تملك وسادة مالية ضخمة لمواجهة اضطرابات سوق الصرف.

ومما زاد الطين بلة، أن الدولار نفسه ضعف عالميا، نما جعل جزءا من ارتفاع الشيكل ليس إسرائيليا بالكامل. وبالتالي فإن جزءا من الحركة هو إعادة تسعير للدولار، وليس فقط تحسنا في الاقتصاد الإسرائيلي.

ناهيك عن ذلك، يولد قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي تدفقات كبيرة من العملات الأجنبية من صادرات الخدمات والاستثمارات والصفقات والاستحواذات. لذلك حتى أثناء الحرب ظل الاقتصاد قادرا على جذب دولارات إلى الداخل. وهذا أحد الأسباب التي تجعل الشيكل مختلفا عن عملات اقتصادات أخرى تدخل حربا طويلة، إذ لإسرائيل قطاع تصديري عالي القيمة ومندمج في الأسواق العالمية.

أ.ف.ب
ناخب إسرائيلي يدلي بصوته خلال خامس انتخابات تشهدها إسرائيل، في مركز اقتراع في مدينة تل أبيب، في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2022

ففي الربع الثاني من 2026 ارتفع الشيكل 5.9 في المئة أمام الدولار و6.6 في المئة أمام اليورو، وارتفع 6.1 في المئة على أساس سعر الصرف الفعلي الاسمي مقابل عملات الشركاء التجاريين. 

وفي مايو/أيار 2026، وصل الدولار إلى نحو 2.9 شيكل، وهو أقوى مستوى للشيكل منذ 1993، أي منذ نحو 33 عاما. وقدّر محافظ بنك إسرائيل أن الشيكل ارتفع بنحو 20 في المئة أمام الدولار خلال عام واحد.

ولا بد من الإشارة إلى أنه في بداية حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرض الشيكل لضغوط شديدة واضطر بنك إسرائيل إلى إعلان برنامج لبيع ما يصل إلى 30 مليار دولار من الاحتياطيات لدعم سوق الصرف. لكن قوة الشيكل أصبحت الآن مشكلة بحد ذاتها. فعند مستوى الصرف الحالي، يتضرر المصدرون وشركات التكنولوجيا لأن إيراداتهم بالدولار تتحول إلى عدد أقل من الشواكل، فيما تصبح الواردات أرخص. وقد حذر المصنعون والمصدرون بالفعل من أن قوة العملة تهدد القدرة التنافسية والنمو.

التكنولوجيا… وسادة الحماية

صمد قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي خلال الحرب، وغدا بمثابة "وسادة" له، لكن الصمود لا يعني أنه لم يتضرر، إذ بدأت تظهر مؤشرات الى أن استمرار الحرب طويلا قد يستنزف هذه الوسادة. إنما ما العوامل الذي جعلت هذا القطاع يصمد؟

أولا، جزء كبير من شركات التكنولوجيا الإسرائيلية يبيع خدماته ومنتجاته في الأسواق الخارجية، وبالتالي لا يعتمد في الدرجة نفسها على الطلب الإسرائيلي. وفي 2024، بلغت صادرات التكنولوجيا الفائقة 78 مليار دولار، وارتفعت حصتها إلى نحو 57 في المئة من إجمالي صادرات إسرائيل في النصف الأول من 2025. كما أن 72 في المئة من صادرات التكنولوجيا كانت خدمات برمجية.

قفزت صادرات الأسلحة الإسرائيلية من 13.1 مليار دولار في 2023 إلى 15 مليارا في 2024، ثم إلى مستوى قياسي تجاوز 19 مليار دولار العام الماضي

ثانيا، طبيعة منتجات التكنولوجيا تسمح باستمرار العمل عن بُعد. فالشركات البرمجية والأمن السيبراني والخدمات الرقمية تستطيع في كثير من الحالات مواصلة التطوير والمبيعات حتى عندما تتعطل قطاعات مثل السياحة أو التجارة أو البناء. وهذا ساعد القطاع في تجاوز الصدمة الأولية أفضل من قطاعات تعتمد على الحركة داخل إسرائيل.

رويترز
سائق إسرائيلي تطبيق يستخدم تطبيق "وايز" الإسرائيلي للملاحة عبر الأقمار الصناعية على الهواتف المحمولة، ويظهر موقعه بالقرب من بيروت في لبنان، وذلك عقب مقتل قادة إيرانيين في دمشق، تل أبيب في 4 أبريل/نيسان 2024

ثالثا، الحرب نفسها عززت بعض مجالات التكنولوجيا. فالأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الدفاع والمراقبة أصبحت أكثر أهمية، كما استفادت الصناعات الدفاعية من ارتفاع الطلب. وفي 2025، تركز ثلاثة من كل خمسة دولارات جرى جمعها للشركات الناشئة الإسرائيلية في الأمن السيبراني وبرمجيات الشركات. كما يؤكد تقرير كالكاليست نقلا عن التقرير السنوي لسلطة الابتكار الإسرائيلية لعام 2025 أن الأمن السيبراني وبرمجيات المؤسسات والتكنولوجيا المالية استحوذت مجتمعة على أكثر من 60 في المئة من إجمالي رأس المال الذي جمعه قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي في 2025.

رابعا، لدى إسرائيل قاعدة تقنية متراكمة يصعب تفكيكها سريعا. فهناك نحو 400 ألف موظف في قطاع التكنولوجيا الفائقة، ووصلت إسهاماته إلى 18.3 في المئة من الناتج المحلي في 2025، كما أسهم بنحو نصف نمو الاقتصاد في ذلك العام.

وأخيرا، لم يتخل المستثمرون العالميون عن المنظومة الإسرائيلية، بل بلغ تمويل الشركات الناشئة الإسرائيلية 10.6 مليار دولار في 2024، مما جعل إسرائيل خامس أكبر مركز عالمي لجمع تمويل الشركات الناشئة، بعد سان فرانسيسكو ونيويورك ولندن وبوسطن، فيما عادت مستويات التمويل إلى مستويات 2019–2020.

الصناعة العسكرية تزدهر… ماذا عن الصناعة المدنية؟

تحولت الصناعات الدفاعية إلى أحد أبرز الرابحين من اقتصاد الحرب، فصادرات الأسلحة الإسرائيلية قفزت من 13.1 مليار دولار في 2023 إلى 15 مليارا في 2024، ثم إلى مستوى قياسي تجاوز 19 مليار دولار العام الماضي، بزيادة قدرها 30 في المئة مقارنة بعام 2024، وفق ما أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية. كما ارتفعت إيرادات شركات السلاح الإسرائيلية الكبرى، مدفوعة بالطلب المحلي المتزايد والطلب العالمي على الأنظمة التي اكتسبت سمعة ميدانية خلال الحرب.

لكن الصورة لم تكن زهرية بالنسبة لقطاعات الصناعة الأخرى. فعلى الرغم من قوة الشيكل، حذرت جمعية المصنعين الإسرائيلية من أن ارتفاع العملة يضغط بشدة على أرباح المصدرين ويضر بالصناعة وقطاع التكنولوجيا، وقد يؤدي، في غياب إجراءات حكومية طارئة، إلى موجة تسريح للعمال وتراجع الاستثمار وحتى ركود عميق. فيما تشكل الصادرات ما يصل إلى 40 في المئة من النشاط الاقتصادي الإسرائيلي، مما يجعل قوة الشيكل مشكلة تنافسية كبيرة للمصدرين الذين يحصلون على إيراداتهم بالدولار، بينما يدفعون الأجور والتكاليف والضرائب بالشيكل.

تضررت سوق العمل الإسرائيلي بشدة جراء الحرب، لكن أساس المشكلة كان انكماش عرض العمالة أكثر من ارتفاع البطالة. فقد تراجع معدل المشاركة من 63.9 في المئة في الأرباع الثلاثة الأولى من 2023 إلى 62.7 في المئة في 2024

وفي عام 2024، كان الاقتصاد الإسرائيلي قريبا من طاقته الإنتاجية القصوى على الرغم من ضعف النمو، لكن القطاع التجاري انكمش 0.8 في المئة، ونمو الناتج ككل لم يتجاوز 0.9 في المئة. ويقول بنك إسرائيل إن السبب الرئيس كان تراجع قدرة الإنتاج نتيجة نقص العمالة. كما انخفضت الصادرات، حتى باستثناء السياحة، بسبب قيود الإنتاج وصعوبة إبرام صفقات التصدير في ظل الحرب.

أما في 2025، فحدث تحسن، فنما الناتج 2.9 في المئة، وارتفع الناتج التجاري 3.2 في المئة، لكن النشاط ظل دون اتجاهه السابق للحرب. وبقيت الاستثمارات في نهاية 2025 أقل بـ1.7 في المئة من مستواها قبل الحرب، فيما جاء جزء كبير من الزيادة في الاستثمار في الآلات والمعدات من الاستثمار الدفاعي، وبالتالي لم يضف بالقدر نفسه إلى الطاقة الإنتاجية المدنية.

إلا أن تعثر القطاع الصناعي الإسرائيلي خلال الحرب حدث بفعل نقص العمالة، وتراجع القدرة على التصدير، وتعطل سلاسل الإنتاج والاستثمار المدني.

تراجع العمالة والتوظيف

تضررت سوق العمل الإسرائيلي بشدة جراء الحرب، لكن أساس المشكلة كان انكماش عرض العمالة أكثر من ارتفاع البطالة. فقد تراجع معدل المشاركة من 63.9 في المئة في الأرباع الثلاثة الأولى من 2023 إلى 62.7 في المئة في 2024. وقدّر بنك إسرائيل أن عدد العاملين كان أقل بنحو 239 ألف شخص، أو 5 في المئة من قوة العمل عما كان يمكن أن يكون عليه لولا الحرب، بينهم 111 ألفا بسبب انخفاض العمال غير الإسرائيليين، و59 ألفا بسبب خدمة الاحتياط، و58 ألفا بسبب تراجع المشاركة.

أ.ف.ب
قوات الأمن الإسرائيلية بدورية في أحد الشوارع خلال مداهمة عسكرية في مخيم قلنديا للاجئين، جنوب رام الله في الضفة الغربية التي تخضع للاحتلال إسرائيلي، 5 أغسطس/آب 2026

في 2025 ظل أثر الحرب على سوق العمل كبيرا، إذ قدر بنك إسرائيل أن عدد العاملين كان أقل بنحو 171 ألفا، أو 3.6 في المئة من قوة العمل، مقارنة بما كان سيحدث لولا الحرب. وكان انخفاض عدد العمال غير الإسرائيليين العامل الأكبر، إذ تسبب في فقدان نحو 59 ألف وظيفة، إلى جانب 33 ألفا بسبب خدمة الاحتياط و58 ألفا بسبب تراجع المشاركة في سوق العمل. وفي المقابل، بقيت البطالة عند 3 في المئة، بينما بلغت الوظائف الشاغرة 4.5 في المئة، مما يعكس أزمة نقص عمالة لا نقص وظائف. ويشير ذلك إلى أن غياب العمال غير الإسرائيليين، وخصوصا العمال الفلسطينيين الذين تراجعت أعدادهم بشدة بعد الحرب، حرم قطاعات مثل البناء والزراعة والصناعة من جزء مهم من قوتها العاملة، وأصبح أحد أبرز القيود التي حالت دون نمو الاقتصاد بوتيرة أسرع في 2025.

أما في عام 2026، فلم تتحول سوق العمل إلى أزمة بطالة، بل لا تزال تعاني أزمة نقص في العمالة. فالوظائف الشاغرة لا تزال مرتفعة والأجور تنمو بسرعة، فيما بقيت المشاركة في قوة العمل أدنى من مستويات ما قبل الحرب. لذلك فإن المشكلة التي تواجه الاقتصاد ليست نقص الوظائف بقدر ما هي نقص الأشخاص القادرين على شغلها.

إلا أن صحيفة "يديعوت أحرونوت" نقلت عن المعارضة الإسرائيلية أرقاما صادمة تحدثت عن إغلاق 100 ألف مؤسسة تجارية أبوابها فيما غادر 200 ألف شخص البلاد، بسبب الحرب مع إيران.

السياحة تعول على الإسرائيليين

كانت السياحة من أكثر القطاعات تعرضا للضربة المباشرة للحرب، على الرغم من أن وزنها الاقتصادي أقل من التكنولوجيا والصناعة. ففي 2022 أسهمت بنحو 29.8 مليار شيكل (نحو 10 مليارات دولار)، أي 1.9 في المئة من القيمة المضافة للاقتصاد، ووظفت 135.5 ألف شخص، أي 3.2 في المئة من العمالة، فيما شكلت صادرات السفر 6.3 في المئة من صادرات الخدمات.

في 2025 ظلت تمثل نحو 86 في المئة من ليالي الفنادق، قبل أن تتراجع في 2026 مع تجدد الحرب والقيود على الحركة

وبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، توقفت السياحة الوافدة تقريبا في الأشهر الأولى، وانخفض عدد السياح في 2023 بنحو 33.9 في المئة، قبل أن ينهار في 2024 إلى 974 ألفا مقابل 3.2 ملايين في 2023، أي بنحو 70 في المئة. لكن إيرادات الفنادق البالغة 13.5 مليار شيكل (4.5 مليارات دولار) لم تعكس تعافي السياحة، إذ أمضى النازحون نحو 7.5 ملايين ليلة فندقية بتمويل حكومي.

وفي 2026 ظهرت بوادر تعافٍ في السياحة الوافدة، إذ ارتفع عدد السياح في يوليو/تموز إلى نحو 109 آلاف، بزيادة 28 في المئة على أساس سنوي، لكن التعافي لا يزال هشا. ففي النصف الأول من العام لم تتجاوز ليالي السياح الأجانب في الفنادق 1.29 مليون ليلة، بانخفاض 5 في المئة عن الفترة نفسها من 2025 ونحو 75 في المئة عن مستويات ما قبل الحرب في 2023.

وتحولت السياحة الداخلية إلى صمام أمان للقطاع الإسرائيلي خلال الحرب، لكنها لم تتحول إلى محرك نمو مستدام. ففي 2025 ظلت تمثل نحو 86 في المئة من ليالي الفنادق، قبل أن تتراجع في 2026 مع تجدد الحرب والقيود على الحركة. والأهم أن جزءا من الطلب المحلي في السنوات السابقة كان مدفوعا بإيواء النازحين، لا بالسفر الترفيهي. لذلك فإن استمرار السياحة الداخلية وحده لا يستطيع تعويض انهيار السياحة الأجنبية.

رويترز
لوحة تشير إلى إعداء إسرائيل من ضمنهم الرئيس التركي رجب أردوغان، وعمدة نيويورك زهران ممداني، في أحد شوارع تل أبيب، 17 أغسطس/آب 2026

وتظل السياحة مهمة للعملة الأجنبية والوظائف، وبلغ إنفاق السياح الأجانب في إسرائيل 21.1 مليار شيكل (نحو 7 مليار دولار) في 2023، بينما بلغت إيرادات السياحة الأجنبية نحو 5 مليارات دولار، بما يعادل 0.98 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن تهبط إلى 2.2 مليار دولار في 2024 بفعل الحرب وإلغاء الرحلات الجوية. وتكشف أزمتها هشاشة لا تواجهها قطاعات مثل التكنولوجيا، إذ يمكن إسرائيل بيع البرمجيات أثناء الحرب، لكنها لا تستطيع جعل السائح يسافر إليها عن بُعد.

ماذا بعد؟

في المحصلة، تدخل إسرائيل الانتخابات المقبلة باقتصاد صامد لكنه مثقل بتكلفة الحرب، مما يجعل التحدي أمام القيادة الجديدة إعادة الدين والعجز إلى مسار هبوطي، وضبط الإنفاق الدفاعي، واستعادة الاستثمار المدني وسوق العمل، مع تجنب إضعاف النمو عبر ضرائب وإجراءات تقشفية مفرطة.

وبينما يتوقع بنك إسرائيل مواصلة خط النمو في 2026 و2027، يبقى الاقتصاد معرضا لضغوط الدين والإنفاق الأمني ونقص العمالة. ويجب على الحكومة أيضا العمل لاستعادة الثقة بالمؤسسات والسياسة الاقتصادية، وقد تكون هذه النقطة المسألة الأعمق. فالاقتصاد الإسرائيلي أظهر قدرة على الصمود، لكن استمرار عدم اليقين السياسي والأمني يرفع تكلفة التمويل ويؤثر في الاستثمار.

وقد حذرت وكالة "موديز" في يوليو/تموز الماضي من أن ضعف القوة المؤسسية في السنوات الأخيرة أصبح عاملا يؤثر في التصنيف الائتماني. لكن المعضلة الأكبر سياسية وتتجلى في جرأة الحكومة الجديدة على اتخاذ القرارات المالية المؤلمة وإعادة بناء الهامش المالي الذي استنزفته الحرب، أو تؤجلها تحت ضغط الانتخابات وتواصل ترحيل تكلفتها إلى المستقبل.

font change

مقالات ذات صلة