بوتين يسعى الى تقويض أوروبا من الداخل... هل ينجح؟

بعد فشل الكرملين في أوكرانيا، تتجه خطة بوتين الجديدة غربا

(رويترز)
(رويترز)
تُزوَّد مقاتلة "رافال" تابعة للبحرية الفرنسية بالوقود من طائرة "إيرباص إيه 400 إم" العسكرية التابعة للقوات الجوية الفرنسية خلال مناورة تدريبية في 10 فبراير 2026

بوتين يسعى الى تقويض أوروبا من الداخل... هل ينجح؟

الأوروبيون مضطربون. فقد هاجمت طائرة مسيرة مفخخة طائرة شحن أوكرانية في مدينة لايبزيغ شرقي ألمانيا، لكن القنبلة لم تنفجر. وفي حادثة أخرى، كشفت السلطات الألمانية أنها أحبطت مخططا لاغتيال الرئيس التنفيذي لإحدى أبرز شركات تصنيع الطائرات المسيرة في البلاد. وخارج روما، دمر انفجار هائل مصنعا للذخيرة تستخدم القوات الأوكرانية منتجاته، بعد أيام قليلة من انفجار آخر ضرب مصنعا في بلغاريا، أفادت تقارير سابقة بأن أجهزة الأمن الروسية استهدفت مالكه. وأسقطت مقاتلة إسبانية، كانت تشارك في مهمة لـ"الناتو" لمراقبة الأجواء. وطائرة مسيرة اخترقت المجال الجوي الروماني، فيما قال متحدث باسم "الناتو" إن الطائرة المسيرة روسية المنشأ على الأرجح.

كل ذلك حدث في النصف الأول من أغسطس/آب وحده.

ولم يكن أي من ذلك غير مسبوق تماما. فمنذ أشهر، تعرض الأوروبيون لسلسلة من الأعمال العدائية، ثبت بوضوح أن روسيا تقف وراء بعضها، وتهدف إلى تقويض جهود أوروبا لدعم أوكرانيا، فقد قطعت روسيا كابلات تحت البحر، وشوشت على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، ونفذت أعمال تخريب مستعينة بسكان محليين ساخطين جندتهم عبر الإنترنت، وبات بعض المراقبين يصفون هذه الحملة بأنها "حرب المنطقة الرمادية"، أي إجراءات عدوانية لا تبلغ حد الحرب الصريحة.

لكن وصف "المنطقة الرمادية" يبدو اليوم تلطيفا لغويا يزداد تقادما، ولا سيما مع تزايد جرأة التهديدات الروسية، ففي 12 أغسطس، توعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أي دولة تجرؤ على التعرض لما يسمى "أسطول الظل" الروسي من ناقلات النفط برد لم يحدد طبيعته، في إشارة واضحة إلى قرار حديث للاتحاد الأوروبي يتيح مصادرة النفط الروسي من السفن الخاضعة للعقوبات.

وبعد يومين، وسع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نطاق التهديد ليشمل أي دولة تجرؤ على دعم أوكرانيا في حربها ضد الغزاة الروس. وقال: "سنعتمد أساليب أشد قسوة بكثير لتدمير كل ما يتيح للغرب تغذية آلة الحرب في كييف. ونحن نفعل ذلك بالفعل، والأوروبيون يتذمرون بالفعل".

(أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وهو يلتقي بقيادة وزارة الدفاع الروسية في موسكو في 5 أغسطس 2026

لكن أوروبا لا تزال تتردد، ويبدو أن المسؤولين الألمان ينتظرون دليلا يثبت أن روسيا تقف وراء هجوم لايبزيغ قبل أن يردوا، وهذا مثال جيد على سبب حرص موسكو الدائم على إخفاء دورها بما يتيح لها إنكار تورطها، وإذا كان الأوروبيون يظنون أن مراعاة الشكليات الدبلوماسية ستنقذهم، فسيتبين لهم أنهم مخطئون.

يتعرض الأوروبيون منذ أشهر لسلسلة أعمال عدائية تقف روسيا وراء بعضها، من قطع الكابلات البحرية إلى التشويش على نظام تحديد المواقع والتخريب، وهي أعمال وصفها مراقبون بـ"حرب المنطقة الرمادية"

ولدى بوتين وأعوانه كل الأسباب لرفع سقف التصعيد، فمنذ ما يزيد بكثير على أربعة أعوام، يحاول رجال الكرملين هزيمة الأوكرانيين في القتال المباشر، لكنهم، بدلا من النجاح، باتوا مضطرين إلى مشاهدة طائرات كييف المسيرة وصواريخها تقصف مصافي النفط والأهداف العسكرية في عمق روسيا، وتلاشى أيضا ثاني أفضل خيار أمام بوتين، وهو حمل صديقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إرغام أوكرانيا، عبر مفاوضات تقودها الولايات المتحدة، على قبول أهداف روسيا في الحرب.

ولم يبق إذن سوى الخطة "ج": تكثيف الجهود لتقويض الدعم الأوروبي لأوكرانيا، سواء بالعمل الهدام أو الترهيب أو عمليات التأثير الرامية إلى تعزيز مكانة الأحزاب والسياسيين الموالين لموسكو. وقد أدى أكثر أعوان بوتين فاعلية، رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، هذا الدور لسنوات، ويراهن الرئيس الروسي الآن على أن حلفاءه في ألمانيا أو فرنسا قد يستطيعون قريبا فعل المزيد.

(رويترز)
دبابات "ليوبارد" يونانية تشارك مع قوات أخرى من حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مناورات للاستجابة السريعة. وتعمد الدول الأوروبية فجأة إلى زيادة إنفاقها الدفاعي

ويمثل استهداف أوروبا، بالنسبة إلى بوتين، الخيار الأوضح ضمن قائمة محدودة من خيارات التصعيد، ويبدو أن روسيا تزج بالفعل بكل ما لديها ضد أوكرانيا، باستثناء الأسلحة النووية، فيما توجد أسباب وافرة للاستنتاج أن الكرملين لن يذهب إلى هذا الحد، وحتى لو كسر بوتين هذا المحظور واستخدم سلاحا نوويا تكتيكيا، فمن غير المرجح أن يدفع ذلك الأوكرانيين إلى وقف القتال، أما أوروبا، فهي معرضة للخطر ومنقسمة.

والسؤال الوحيد الآن هو إلى أي مدى سيبتكر بوتين وسائل جديدة. فعلى خلاف نظرائه الأوروبيين، يمتلك الرئيس الروسي خبرة مهنية في فن الألاعيب ، وكان جهاز كي جي بي السوفياتي، الذي خدم فيه بوتين 16 عاما، يولي العمليات السرية أهمية خاصة، بما فيها التخريب والعمل الهدام والاغتيالات.

 وبرع زملاء بوتين خصوصا في دعم طيف من الجماعات، من "منظمة التحرير الفلسطينية" إلى "جيش التحرير الأيرلندي الرسمي"، وتلقى الطرفان تدريبات وشحنات أسلحة من السوفيات. وقام عملاء "كيه جي بي" بتزويد "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وهي جماعة راديكالية، مباشرة بقذائف صاروخية ورشاشات ومسدسات مزودة بكواتم للصوت. وهي الجماعة نفسها التي قتلت ثلاثة أشخاص واحتجزت أكثر من 60 رهينة في قمة "أوبك" عام 1975، في عملية قادها المرتزق الإرهابي "كارلوس ابن آوى"، كما دعمت الشرطة السرية في ألمانيا الشرقية المتحالفة مع السوفيات، المعروفة باسم "شتازي"، الهجمات الإرهابية التي نفذها "فصيل الجيش الأحمر" في ألمانيا الغربية، وكان بوتين يعمل ضابط ارتباط بين "كيه جي بي" و"شتازي" خلال خدمته في ألمانيا الشرقية في ثمانينات القرن الماضي. وقد زعزعت حملات العنف التي شنتها هذه الجماعات الوكيلة الديمقراطيات الأوروبية بشدة على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة من الحرب الباردة.

في ذلك الوقت، كانت جماعات كثيرة دعمها الكرملين يسارية التوجه، أما روسيا بوتين، فهي أقل تقيدا بالأيديولوجيا، وربما يجعلها ذلك شريكا أكثر مرونة، لكن بعض الجماعات مستبعدة بوضوح، مثل فرع "تنظيم الدولة الإسلامية" في أفغانستان، الذي قتل 149 شخصا في هجوم على قاعة للحفلات الموسيقية في موسكو عام 2024. ومع ذلك، يرتبط الكرملين بتحالف وثيق مع إيران، وقد اعترف رسميا بحركة "طالبان"، ويحافظ على علاقات دبلوماسية جيدة مع "حماس"، وفي عام 2020، خلصت أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى أن روسيا عرضت مكافآت على مقاتلين من "طالبان" لقاء قتل جنود أميركيين وجنود من قوات حليفة كانوا يقاتلون هناك.

قد يفعل بوتين الخطة "ج": تكثيف الجهود لتقويض الدعم الأوروبي... سواء بالعمل الهدام أو الترهيب أو عمليات التأثير لتعزيز الأحزاب الموالية لموسكو، مثل "البديل من أجل ألمانيا" و"التجمع الوطني الفرنسي"

ويمكن لروسيا بسهولة استغلال هذه الصلات للعثور على منفذين محتملين لهجمات ضد أهداف أوروبية، وربما يزود جهاز الأمن الفيدرالي الروسي هؤلاء المنفذين بوثائق وهويات مزورة شديدة الإتقان. ولا يحتاج المهاجمون المحتملون أصلا إلى اختراق حدود الاتحاد الأوروبي، فقد يحقق هجوم دموي على سياح أوروبيين في وجهة سياحية خارجية ضعيفة الحماية الأثر نفسه، ولن يحتاج الروس إلى إعلان تورطهم، تماما كما لم يفعلوا خلال الحرب الباردة، ثم يمكنهم تضخيم أثر الهجوم عبر جهازهم الضخم للتضليل الإعلامي، ربما بتأجيج المخاوف من المهاجرين وإبراز عجز الحكومات الحالية.

وإلى جانب بث الخوف في نفوس الناخبين الأوروبيين، قد يؤدي مثل هذا الهجوم إلى زيادة شعبية الأحزاب المناهضة للمؤسسة السياسية، مثل "حزب البديل من أجل ألمانيا" (AfD) و"التجمع الوطني الفرنسي" (RN) بزعامة مارين لوبان.

(أ.ف.ب)
عناصر إنقاذ أوكرانيون يعملون في موقع ضربة روسية في كييف. وقالت السلطات إن الضربات قتلت شخصا وأصابت سبعة على الأقل، فيما أفادت موسكو بإسقاط أكثر من 100 طائرة مسيّرة متجهة نحو العاصمة، أوكرانيا، 16 أغسطس 2026

ويبدو أن الهجوم الأخير على مسيرة الفخر في برلين، الذي أسفر عن مقتل شخص وإصابة 29 آخرين، منح "حزب البديل من أجل ألمانيا"، الذي كان يسجل صعودا بالفعل، دفعة في استطلاعات الرأي قبل أسابيع قليلة من انتخابات حاسمة على مستوى الولايات تجرى الشهر المقبل، وقد تفضي إلى وصوله فعليا إلى السلطة للمرة الأولى.

لكلا الحزبين تاريخ من تلقي الدعم الروسي، كما يبدي كلاهما تشككا شديدا إزاء تقديم المساعدات لأوكرانيا، وسيسعد بوتين بإثارة القلاقل التي تساعدهما على كسب مزيد من الأصوات، خصوصا الآن، إذ يبدو أنه يزداد جرأة.

خدم بوتين 16 عاما في جهاز "كيه جي بي" الذي أولى العمليات السرية من التخريب والاغتيالات أهمية خاصة، وحذر أرفع قائد عسكري ألماني من أن موسكو تستخدم اختراقات الطائرات المسيرة لاختبار دفاعات "الناتو" الجوية

ويمكن لاستخدام الهجرة كسلاح أن يحقق مكاسب مماثلة، ففي عامي 2015 و2016، دبرت روسيا حملة لدفع مهاجرين عبر حدودها إلى النرويج وفنلندا، وبالنظر إلى ما حدث لاحقا، تبدو تلك الحملة أشبه بتجربة تمهيدية لـ"تحرك تال" عام 2021، حين أشعلت بيلاروسيا المتحالفة مع موسكو، ويرجح أنها كانت تتعاون مع روسيا، أزمة قصيرة لكنها حادة داخل الاتحاد الأوروبي بعدما بدأت تدفع بأعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين عبر حدودها مع بولندا وليتوانيا.

صحيح أن حماية تلك الحدود تعززت منذ ذلك الحين، لكن ذلك لا يبرر الاطمئنان، كما يبين الاكتشاف الأخير لأنفاق تحت الحدود بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي، وقد تكون ليبيا ساحة مواتية أخرى لمثل هذه العملية، إذ بنت روسيا فيها وجودا عسكريا قويا في إطار جهودها لدعم خليفة حفتر، الطامح إلى أن يصبح ديكتاتورا، كما تعد ليبيا طريق عبور رئيسا للمهاجرين إلى أوروبا.

 وإذا اختار الكرملين الضغط على أوروبا بهذه الطريقة، فلن يتطلب الأمر منه جهدا كبيرا على الأرجح لافتعال أزمة واسعة النطاق جراء تدفق مهاجرين بالقوارب.

وبحسب الأوروبيين أنفسهم، لا تزال البنية التحتية الحيوية في أنحاء القارة معرضة للخطر، ففي عام 2022، هزت هجمات إلكترونية على مصافي نفط في بلجيكا وهولندا وألمانيا قطاع الطاقة الأوروبي.

(رويترز)
تحلّق مروحية "بيل أو إتش-58 كيوا" بجانب طائرة مسيرة عسكرية خلال مناورات عسكرية أميركية مع دول أوروبية في 4 يونيو 2025

ولنتخيل ما قد تحققه اليوم أدوات قرصنة مدعومة بالذكاء الاصطناعي إذا وقعت في أيدي جهات عازمة على استخدامها، ويعكف الاتحاد الأوروبي على تنفيذ برنامج واسع النطاق لتعزيز الأمن السيبراني، لكن المرء يميل إلى التساؤل عما إذا كان بيروقراطيو بروكسل يواكبون أحدث الابتكارات.

وقبل أيام فقط، نجح قراصنة في مهاجمة شركة سيفا (CEVA)، إحدى أكبر شركات الخدمات اللوجستية والشحن في أوروبا، ما تسبب في تأخر عمليات التسليم في أنحاء القارة، وربما كانت مجرد مصادفة أن يتزامن الهجوم مع شن أوكرانيا غارات بعيدة المدى على منشآت لوجستية تديرها "وايلدبريز"، النظير الروسي لـ"أمازون".

حتى الآن، أعاق اعتماد موسكو على منفذين مستقلين تجندهم عبر الإنترنت محاولات روسيا تنفيذ أعمال تخريب على الأرض، وإذا أراد بوتين المضي بجدية أكبر في هذا المسار، سواء باستخدام مخربين مدربين أو طائرات مسيرة تخضع لسيطرة أكثر إحكاما، فستكون أمامه أهداف كثيرة.

ولا تزال البنية التحتية الأوروبية تعاني نقاط ضعف عديدة، من الكابلات وخطوط الأنابيب الحيوية الممتدة تحت البحر إلى محطات الغاز الطبيعي المسال، وقد أعلنت بولندا ودول البلطيق أنها تعزز الإجراءات الأمنية حول محطات الطاقة والسدود والمنشآت الحساسة الأخرى، وأشارت تحديدا إلى استفزازات "تحت راية زائفة" قد تنفذها روسيا ثم تحاول تحميل أوكرانيا مسؤوليتها.

وحذر أرفع قائد عسكري في ألمانيا من أن موسكو تستخدم اختراقات الطائرات المسيرة لاختبار دفاعات "الناتو" الجوية، وجاء تحذيره في "وول ستريت جورنال" بعد أيام قليلة من تقرير للصحيفة نفسها أفاد بأن أجهزة الاستخبارات الأميركية قلقة من احتمال استعداد الكرملين لتنفيذ استفزاز يزعزع توازن التحالف الغربي، وقد يتخذ ذلك شكل توغل عسكري روسي في بقعة من أراضي "الناتو" يصعب الدفاع عنها، مثل أرخبيل سفالبارد النرويجي في المحيط المتجمد الشمالي، حيث تحتفظ موسكو بوجود يعود إلى قرابة قرن.

وسيكون الهدف تعميق الانقسامات داخل الحلف وزرع الشكوك في صدقية الضمان الأمني الذي يقدمه لأي دولة عضو تتعرض لهجوم.

(أ.ف.ب)
طائرة مقاتلة من طراز "إف-35" تابعة للقوات الجوية الملكية النرويجية تسير على المدرج متجهة إلى حظيرتها بعد هبوطها في قاعدة إيفينيس الجوية قرب نارفيك خلال مناورات "الاستجابة الباردة" التابعة لحلف "الناتو"، 11 مارس 2026

لكن أي هجوم على أراضي "الناتو" سينطوي على مخاطر كبيرة، فقد يرد الحلف بتفعيل المادة الخامسة، وهي بند الأمن الجماعي فيه، وقد تجد روسيا نفسها عندئذ تخوض حربا لا تكون أوكرانيا فيها خصمها الوحيد.

والمشكلة أن "الناتو" لم يفعل حتى الآن إلا القليل مما يوحي بأنه قادر على حشد مثل هذا العزم، وينشغل ترمب بحربه الكارثية التي اختار خوضها في إيران، فيما لا تزال الخلافات بشأن أوكرانيا وأفضل السبل لمساعدتها تشق صفوف الأوروبيين أنفسهم، ومع تضاؤل فرص بوتين في الانتصار في ساحة المعركة، قد يقرر أن ما قد يخسره من تكثيف خطته "ج" الموجهة إلى أوروبا أصبح أقل من ذي قبل.

font change

مقالات ذات صلة