15 عاما على رحيله... خيري شلبي حكّاء البسطاء وراوي المهمشين

إرثه الروائي يزداد حضورا بعد رحيله

Wikimedia Commons
Wikimedia Commons
خيري شلبي

15 عاما على رحيله... خيري شلبي حكّاء البسطاء وراوي المهمشين

على خلاف العديد من أدباء وكتاب جيله، جيل الستينات في مصر، لم يكن العمل الأول لخيري شلبي (1938-2011) رواية، بل قصة طويلة بعنوان "اللعب خارج الحلبة" (1971) وهي مجرد محاولة أولى له في الكتابة، لم يجمعها بكتاباته الأخرى، ولم يشأ أن يدرجها ضمن أعماله الكاملة بعد ذلك، وانتظر سبعة أعوام قبل أن ينشر نوفيلا "السنيورة" الذي تظهر فيه ملامح العالم الذي أخلص له وأحبه، عالم البسطاء والمهمشين في قرى مصر وحاراتها.

أحلام الشعر وتجارب الصحافة

ولد خيري شلبي في يناير/ كانون الأول 1938 بقرية شباس عمير التابعة لمحافظة كفر الشيخ، وتعلم في مدرسة عبد الله النديم على أيدي عدد من المشايخ والمعلمين الأزهريين الذين حرصوا على تعليم الأطفال القرآن واللغة وربطهم بعدد من كتب التراث. وكانت جلساته الطويلة بين حكايات الأجداد في القرى وبين عوالم وصفحات كتب التراث مثل "ألف ليلة وليلة" وغيرها، عتبته إلى عالم السحر والخيال.

وما إن انتقل للدراسة في معهد المعلمين بدمنهور حتى تعرف الى الشعر والزجل وأحب كتابات بيرم التونسي وفؤاد حداد، وبدأ بكتابة الشعر وكان يظن أنه سيكون شاعرا، ولكنه لما انتقل إلى القاهرة للعمل في الصحافة تعرف الى عدد كبير من الشعراء والكتاب والأدباء مثل عبد الرحمن الأبنودي ووحيد حامد وعبد الفتاح الجمل وغيرهم، وبدأ بالكتابة الصحافية في مجلة "الإذاعة والتلفزيون"، كما عمل في "البرنامج الثاني/الثقافي" في الإذاعة المصرية حيث حقق ونشر عددا من المسرحيات الإذاعية مثل مسرحية مصطفى كامل "فتح الأندلس" ومسرحية "الراهب" للشيخ أمين الخولي، وقدم مسلسل "الأيام" المقتبس من رواية طه حسين و"عودة الروح" لتوفيق الحكيم، كما كشف عن أوراق محاكمة طه حسين التي كتبها النائب العام محمد نور الذي حقق في قضية كتاب "في الشعر الجاهلي"، وقدم العديد من المخطوطات والنوادر وأعاد نشرها وتحقيقها في فترة عمله في السبعينات.

إلى جانب كتابته وتحقيقاته الصحافية والإذاعية، تعرف شلبي في ذلك الوقت أيضا الى يوسف إدريس وقرأ قصصه وأعجب بأسلوبه وشعر أن هذا النوع من الكتابة هو الذي سيبرع فيه، فبدأ بكتابة القصص القصيرة ثم النوفيلا.

في 1978 أصدر رواية "الأوباش" التي لفتت أنظار النقاد والقراء إليه، كصوت أدبي مهم قادم من الريف المصري ليعبر ببراعة عن ثراء ذلك العالم وتفاصيله

هكذا قرر أن تكون المجموعة القصصية "السنيورة" باكورة أعماله الأدبية، وقد جمع فيها عددا من قصصه القصيرة، ونشرها عام 1978 وفيها تشكلت ملامح أسلوبه الأدبي بوضوح، إذ جمع في قصصه بين الواقعي والغرائبي وحرص على وصف عمال التراحيل والأنفار في الريف المصري وما يواجهونه من تحديات الحياة ومشاقها، وأثر أصحاب السلطة على حياتهم، كما ضمت  المجموعة القصص التي كان نشرها قبل ذلك في بعض المجلات وفيها تظهر لغته الشعرية الشديدة الخصوصية والثراء كما نرى في قصة "أغنية للقمر الغائب".

الأوباش والأمالي

في العام نفسه، أصدر شلبي رواية "الأوباش" التي لفتت أنظار النقاد والقراء إليه، كصوت أدبي مهم قادم من الريف المصري ليعبر ببراعة عن ثراء ذلك العالم وتفاصيله، وفيها نتعرف الى طلعت، الشاب القروي البسيط الذي يبحث عن والده الوافد الغريب على القرية الذي تزوج أمه بأمر من العمدة ثم اختفى فجأة. ومن خلال تلك الحكاية يكشف شلبي عن عالم القهر والتسلط الذي عاش فيه الفلاحون في القرى المصرية وما لاقوه من قسوة الأفندية وتجبرهم في فترة الخمسينات.

غلاف "ثلاثية الأمالي"

 بعد ذلك انطلق قلم خيري شلبي، فكتب عددا من رواياته الكبرى التي يعد النقاد بعضها بمثابة الملاحم الروائية مثل "ثلاثية الأمالي" التي صنفها كسيرة شعبية وتجاوزت صفحاتها الألف صفحة، وفيها اكتمل لخيري شلبي أسلوبه الخاص وطريقه المميز الذي يبدأ من حكايات الناس العادية وينسج من خلالها عالمه الخاص ويشيد بناءه الذي يشبه سراديب حكايات "ألف ليلة وليلة" بطريقة جديدة عصرية، فكل حكاية تقود الى أخرى وكل شخصية يتفرع منها عدد من الحكايات، والقارئ رغم كل ذلك لا يمل فهو مستمتع بطريقة السرد الشيقة والقفشات والسخرية والأغاني والمواويل التي ترد في ثنايا تلك الحكايات، بالإضافة إلى خصوصية لغته التي يجمع فيها بين الفصحى والعامية بطريقة ذكية.

تحكي الرواية سيرة صعود حسن أبو ضب إلى السلطة منذ رحيله من صعيد مصر إلى عمله في القاهرة كبائع متجول، وما يصادفه أثناء تلك الرحلة من شخصيات ومواقف واقعية أحيانا وغريبة أحيانا أخرى، ولكنها ترسم صورة واقعية لعالم هؤلاء العمال وتعقيدات حياتهم.

استمرت روايات خيري شلبي على هذا المنوال، فكتب "منامات عم أحمد السماك" و"رحلات الطرشجي والحلوجي" وغيرها من الروايات المتميزة التي يمزج فيها الحكي الشعبي بالسرد الروائي، ويواصل التقاط حياة المهمشين والبسطاء في حواري القاهرة وشوارعها وأزقتها وضواحيها.

 روايات وشخصيات بارزة

كتب خيري شلبي كذلك عددا من الروايات التي اعتمد على حكاية أو سيرة البطل، ولكنه كان حريصا على تقديم أبطال من عالمه الأثير الذي انطلق من المهمشين والكادحين وقاع المجتمع، فقدم شخصية صالح هيصة في رواية بهذا العنوان، ذلك الصعلوك الذي يبدو بسيطا ولكنه يحمل إرثا كبيرا وتاريخا نضاليا لا يتكشف إلا عند الاقتراب منه والتعرف إلى خفايا عالمه، كما نجد شخصية فنان موهوب مثل عبد البصير الصوافني في رواية "صهاريج اللؤلؤ" وننتبع رحلته الصعبة والقاسية في عزف الموسيقى وكيف استطاع أن يكافح ليصبح واحدا من أمهر العازفين في ما بعد، ويظهر انحياز خيري شلبي فيها للخبرة الحية والموهبة الأصيلة لدى هؤلاء البسطاء، وأنه لا سبيل لديهم إلا المقاومة حتى يصلوا إلى الاعتراف بهم في النهاية  (وقد أشار خيري شلبي في ما بعد إلى أن الرواية تحكي قصة الموسيقار المصري عبده داغر).

حضر في أعماله بقوة العالم السفلي كما يتجلى في أوساط المخدرات وسكان المقابر في القاهرة وضواحيها، وهو ما عبر عنه في روايته "نسف الأدمغة" ثم في "وكالة عطية"

وفي رواية "اسطاسية" تحضر المرأة أرملة المقدس جرجس غطاس ومأساتها حينما يقتل ابنها في ظروف غامضة، وتدور الرواية حول عالم القرية المتأثر بمفاهيم الثأر والعنف وتفاصيل شخصياتها وما بينهم من علاقات وصراعات.

بالإضافة إلى ذلك، حضر في أعماله بقوة العالم السفلي كما يتجلى في أوساط المخدرات وسكان المقابر في القاهرة وضواحيها، وهو ما عبر عنه في روايته "نسف الأدمغة" ثم في "وكالة عطية"، وكذلك الفساد وعلاقته بالسلطة والعائلات الثرية في رواية "زهرة الخشخاش" من خلال رحلة صعود وتحولات بطل الرواية بهاء قاسم الذي يسعى للحصول على مكانة كبيرة في القاهرة ولكنه يفاجأ بما يدور داخل عوالم السلطة والنفوذ من عمليات فساد مختلفة يسعى للكشف عنها وفضحها.

AFP
الكاتب المصري يحيى حقي في صورة التقطت قبيل وفاته عام 1992

سيرة حياته من خلال الآخرين

على غزارة إنتاجه وتنوع كتاباته، لم يشأ  خيري شلبي أن يكتب سيرته الذاتية، بل أحب أن يظهر بعض منها من خلال حكاياته عن "الحبايب" الذين لا يزال مع مرور السنوات وتغير الأحوال يدين لهم بالكثير من الفضل، لذلك يكتب في عام وفاته كتابه المهم والجميل "أنس الحبايب" الذي يعود فيه بالذاكرة إلى أيامه الأولى، فيحكي عن معلميه في المدرسة والمشايخ وقراء القرآن الذين أثروا في تكوينه ذاكرا أفضال عدد منهم عليه، كما يتحدث عن  عدد من أصدقاء طفولته مثل صادق ابن عه الذي عمل شاعرا على الربابة يروي أطرافا من السير الشعبية، وكان ذلك مؤثرا في تكوينه الفني والأدبي في وقت مبكر. الجميل أنه يحكي عنهم بعد كل هذا الزمن وكأنه كان قريب عهد بهم، وعلى أسلوبه وطريقته الشيقة في الحكي يذكر عددا من المواقف والطرائف التي مرت به في ذلك الزمن القديم الجميل.

 AFP
المغني والملحن المصري سيد درويش في صورة تعود إلى أوائل عشرينات القرن الماضي

 كما أصدر كتاب "صحبة العشاق" يحكي فيه عن عدد من الفنانين ممن سماهم رواد الكلمة والنغم من سيد درويش إلى زكريا أحمد وأم كلثوم وبيرم التونسي وغيرهم. كل هذا بالإضافة إلى "فن البورتريه الأدبي" الذي برع فيه، وكتب عن عدد من "أعيان مصر" بأسلوبه المميز الذي يجمع فيه بين الملامح الشكلية للشخصيات التي يتناولها وما برعت فيه من فنون الكتابة أو الرسم أو التمثيل.

في "صحبة العشاق" يحكي عن عدد من الفنانين ممن سماهم رواد الكلمة والنغم من سيد درويش إلى زكريا أحمد وأم كلثوم وبيرم التونسي

حصل خيري شلبي على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام  1980، كما حصلت روايته "وكالة عطية" على جائزة أفضل رواية عربية عام 1993، وحصل عنها على جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأميركية عام 2003، كما حصلت روايته "صهاريج اللؤلؤ" على جائزة أفضل رواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2002 . وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2005.

غلاف "وكالة عطية"

خيري شلبي في الدراما والسينما

 لا شك أن الكثير من المشاهدين والقراء يتذكرون جيدا شخصية فاطمة تعلبة التي قدمتها هدى سلطان في مسلسل "الوتد" المأخوذ عن رواية قصيرة بالعنوان نفسه لخيري شلبي وأخرجها أحمد النحاس للتلفزيون عام 1996. وأخرج له محمد راضي مسلسل "الكومي" المأخوذ عن "ثلاثية الأمالي" عام 2001 وهو من بطولة ممدوح عبد العليم وإلهام شاهين، كذلك حولت "وكالة عطية" إلى مسلسل عام 2009 بطولة حسين فهمي، كتب له السيناريو وأخرجه رأفت الميهي.

وعلى شاشة السينما كتب بشير الديك سيناريو  فيلم "الشطار" عن رواية خيري شلبي، وأخرجه نادر جلال وكان من بطولة نادية الجندي عام 1993، وكتب داود عبد السيد سيناريو "سارق الفرح" من قصة خيري شلبي بالعنوان نفسه وأخرجها للسينما عام 1995 بطولة ماجد المصري ولوسي. ولا شك أن التفاصيل التي كتبها في كل تلك الأعمال تبقى أكثر جمالا وثراء من الأعمال المنقولة على الشاشة مهما كانت محاولات المخرجين لاستلهام روح النص وحالته.

يبقى الأثر

ولا تزال كتابات خيري شلبي حاضرة، وكتبه تعاد طباعتها والإقبال عليها حتى اليوم، وقد ظهر ذلك أخيرا مع عدد من دور النشر الجديدة التي حرصت على إعادة طباعة أعماله، فوجدنا "بورتريهات خيري شلبي" في طبعة فاخرة من سبعة مجلدات كبيرة، أصدرتها دار  "بيت الحكمة" منذ عامين، وكذلك أعادت "دار غايا" إصدار عدد من أعماله مثل "في وداع الأحباب" في ثلاثة أجزاء، و"منازل العاشقين" التي يتحدث فيها عن طائفة من المتصوفة وأهل الله الذين عاشوا في مصر وتأثر بهم المصريون، وأيضا كتابه "أساتذتي" الذي يتحدث فيه بشكل شيق عن أدباء مصر الكبار الذين أثروا في وعيه وتكوينه من يحيى حقي إلى طه حسين وتوفيق الحكيم وصولا إلى نجيب محفوظ، كما جمعت دار "نهضة مصر" أخيرا مقالات خيري شلبي في مجلد كبير بعنوان "أوراق البنفسج" الذي احتوى على عدد كبير من مقالاته المهمة التي نشرها في دوريات مصرية عديدة طوال حياته.

اقتبس عدد من أعماله إلى السينما والتلفزيون ومنها "الوتد" و"الكومي" و"الأمالي" "وسارق الفرح"

ولعل أجمل ما فعله أبناء الأديب الكبير خيري شلبي هو تلك الجائزة الأدبية التي حملت اسمه، والتي تسكتشف المواهب الأدبية الشابة، والتي قدمت لنا بالفعل على مدار سنوات عددا من الأقلام الروائية الواعدة، تأسست الجائزة عام 2020 بالتعاون مع "دار الشروق"، وفازت بها  في الدورة الأولى الكاتبة رانيا اللبودي بروايتها "الساعة بعد الصفر"، وفي الدورة الثانية فازت رحمة ضياء عن روايتها "النقشبندي"، وفي الدورة الثالثة فاز الكاتب حسن الحديد بروايته "أيام الرخص" وفي الدورة الرابعة فازت الكاتبة رحاب لؤي بروايتها "قرية المائة"، كما فازت فاطمة الشرنوبي بروايتها "شباك المنور" في الدورة الخامسة، وكان آخر الفائزين بها في العام الماضي أحمد رشاد عن روايته "في قبري ثلاث بيضات".

font change