أسرار نووي الأسد... ما علاقة إيران وكوريا الشمالية؟

قصة الغلاف لهذا الأسبوع

"بيت رينولدز"
"بيت رينولدز"

أسرار نووي الأسد... ما علاقة إيران وكوريا الشمالية؟

في 6 سبتمبر/أيلول 2007 قصفت إسرائيل موقع الكبر شمال شرقي سوريا. وفي 12 فبراير/شباط 2008 قُتل عماد مغنية، القيادي في "حزب الله"، في دمشق. وفي الأول من أغسطس/آب 2008 قتلت إسرائيل محمد سليمان بينما كان يجلس مع عائلته في منتجع "الرمال الذهبية" على الساحل السوري. وقبل ذلك بأربع سنوات، قُتل خبراء سوريون في "تفجير" وقع في كوريا الشمالية. وفي أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2026، تحدث خبراء وتقارير دولية عن أطنان من "المواد النووية".

هذه محطات رئيسة في قصة ما يمكن تسميته "البرنامج النووي" للنظام السوري السابق، وهي قصة أعيد تركيب تفاصيلها استناداً إلى معلومات خاصة ووثائق أميركية وتقارير لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" ووكالات أنباء ومراكز أبحاث وكتب لباحثين وخبراء وأكاديميين، إضافة إلى شهادات سورية وإسرائيلية ظهرت خلال السنوات الأخيرة.

هل كان النظام السوري يبني برنامجاً نووياً؟

بعد نحو تسعة عشر عاماً على الغارة الإسرائيلية التي دمرت منشأة الكبر قرب دير الزور، تغيرت الصورة المعروفة عن المشروع النووي السوري بصورة جوهرية، بعدما أظهرت تحقيقات "الوكالة الدولية" أن ما كان مخفياً لم يقتصر على مبنى المفاعل الذي قصفته إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2007، بل شمل منشأة لتصنيع الوقود وموقعاً لتخزينه ومواقع أخرى مرتبطة بدورة الوقود وعشرات الأطنان من معدن اليورانيوم الطبيعي.

وفي تقرير سري وزعته "الوكالة الدولية" على الدول الأعضاء في فيينا في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، كما نقلت "رويترز"، قالت الوكالة إن نظام الأسد أخفق في الإبلاغ عن مواد ومنشآت وأنشطة نووية كان يجب التصريح عنها بموجب اتفاق الضمانات، وبينها مفاعل نووي كان قيد الإنشاء في دير الزور ومنشأة لتصنيع الوقود وموقع استخدم لتخزين الوقود والمواد النووية المرتبطة به.

وتحققت من وجود نحو 73 طناً من معدن اليورانيوم الطبيعي في موقع مرتبط بالبرنامج، بينها نحو 55 طناً في صورة قضبان وقود، بينما كان الباقي في صورة خردة ونفايات من اليورانيوم. وأصبحت المواد كلها خاضعة لإجراءات الاحتواء والمراقبة التابعة لـ"الوكالة الدولية".

الحكومة الأميركية/أ.ف.ب
صورة نُشرت خلال إحاطة قدمها مسؤولون أميركيون في 24 أبريل 20028 في واشنطن، تُظهر ما قالت الاستخبارات الأميركية إنه مفاعل نووي سوري بُني بمساعدة كوريا الشمالية، ودُمّر في غارة إسرائيلية مطلع سبتمبر 2007

هذه الكمية ليست 73 طناً من اليورانيوم المخصب، ولا تعني أن سوريا امتلكت مادة جاهزة لصنع سلاح نووي، وإنما تكشف أن المشروع كان أوسع من مجرد تشييد مبنى مفاعل. ولا تقول "الوكالة الدولية" إن النظام السوري السابق شغّل مصنعاً لإعادة معالجة الوقود، ولا تقول إنه فصل البلوتونيوم، كما لا يوجد دليل معلن على أن مفاعل الكبر بدأ العمل قبل تدميره. لكن تقرير "الوكالة" لعام 2026 كشف أن نشاط إعادة المعالجة كان جزءاً من التخطيط المرتبط بالبرنامج.

لم يكن محمد سليمان وزيراً ولا رئيس جهاز أمني معروفاً، ولم يكن من الشخصيات التي تظهر في المناسبات الرسمية أو تتحدث إلى الإعلام

من هنا يصبح السؤال أوسع من ذلك الذي سيطر على الملف منذ عام 2007؟ في قلب هذه القصة يظهر اسم العميد محمد سليمان، أحد أكثر مساعدي بشار الأسد غموضاً، والذي تضعه الوثائق الأميركية والروايات الإسرائيلية المنشورة عند نقطة التقاء ملفات الأسلحة الاستراتيجية والعلاقة العسكرية مع كوريا الشمالية وإيران و"حزب الله".

من هو محمد سليمان؟

ولد محمد سليمان عام 1959 في منطقة الدريكيش بمحافظة طرطوس، ودرس الهندسة الميكانيكية في جامعة دمشق قبل أن يلتحق بالكلية الحربية ويتخرج نقيباً مهندساً. وعمل لاحقاً في الحرس الجمهوري واقترب من باسل الأسد، ثم انتقل بعد وفاته في 1994 إلى دائرة بشار. وكان يحمل رتبة عميد عند اغتياله عام 2008. وكان متزوجاً من سيدة من دير الزور  وهو عديل وزير الإعلام والمدير العام السابق لـ"وكالة الأنباء الرسمية" (سانا) والسفير السوري السابق في طهران عدنان محمود. وعرفت والدة زوجته بنفوذ واسع في دير الزور.

لم يكن محمد سليمان وزيراً ولا رئيس جهاز أمني معروفاً، ولم يكن من الشخصيات التي تظهر في المناسبات الرسمية أو تتحدث إلى الإعلام. وفي 4 يناير/كانون الثاني 2006، أرسلت السفارة الأميركية في دمشق برقية سرية بعنوان "تطبيق عقوبات محددة الهدف على سوريا"، وعرّفت فيها سليمان بأنه "المستشار الرئاسي المسؤول عن المشتريات"، قبل أن تنشر البرقية لاحقاً ضمن وثائق الخارجية الأميركية التي كشفها موقع "ويكيليكس".

وفي 15 مارس/آذار 2007، أرسلت السفارة الأميركية في دمشق برقية سرية أخرى بعنوان "مشاورات فريق وزارة الخزانة في دمشق بشأن العقوبات المالية"، ووصفت سليمان بأنه "المستشار الرئاسي السوري الخاص لمشتريات الأسلحة والأسلحة الاستراتيجية". وقالت السفارة إن أنشطة سليمان "ليست معروفة على نطاق واسع"، وإن نقص المعلومات العلنية عنه يجعل إعداد ملف غير مصنف لتبرير فرض العقوبات عليه أمراً صعباً.

الحكومة الأميركية/أ.ف.ب
صورة غير مؤرّخة نُشرت خلال إحاطة لمسؤولين أميركيين في 24 أبريل 2008 بواشنطن، تُظهر ما قالت الاستخبارات الأميركية إنه مفاعل نووي سوري بُني بمساعدة كوريا الشمالية، ودُمّر في غارة إسرائيلية مطلع سبتمبر 2007

وهذا يعني أن سرية موقع الرجل كانت مشكلة واجهتها الحكومة الأميركية نفسها وهي تحاول استهدافه مالياً.

وبعد اغتياله في أغسطس/آب 2008، أصبحت الصورة الأميركية أكثر وضوحاً، إذ أرسلت السفارة في دمشق في 3 أغسطس/آب، بعد يومين من اغتياله، برقية بعنوان "اغتيال مساعد أمني بارز للأسد"، وقالت فيها إن سليمان كان يتمتع "بوضع خاص وكان مقربا من بشار"، وإنه كان يدير "مشاريع خاصة" للرئيس ربما لم تكن معروفة حتى للقيادة العسكرية السورية الأوسع.

"جيش الظل للجنرال"

قدم الصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان واحدة من أكثر الصور تفصيلاً لمحمد سليمان في كتابه "انهض واقتل أولاً: التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية"، الذي صدرت طبعته الأميركية عن "راندوم هاوس" في نيويورك في 30 يناير/كانون الثاني 2018. ويروي، أن بشار كلف سليمان بإنشاء جهاز منفصل عن بقية المؤسسة الدفاعية السورية للتعامل مع الملفات شديدة السرية، وأن مسؤولين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أطلقوا على هذا الهيكل بعد اكتشافه اسم "جيش الظل للجنرال سليمان".

ظهرت منذ عام 2008 معلومات عن ضلع ثالث محتمل هو إيران. وتعددت الروايات حول ما إذا كان دور طهران اقتصر على التمويل أم كان جزءاً من تصور أوسع لتقاسم فوائد المشروع

وكان سليمان مقتنعاً بأن الاتصالات الإلكترونية السورية عرضة لاعتراض إسرائيل، ولذلك أمر بأن تمر الرسائل والخطط المهمة على الورق داخل مظاريف مختومة بالشمع، وأن تنقل بواسطة شبكة من الرسل على دراجات نارية. وقال بيرغمان إن وجود الجهاز بقي مخفياً حتى عن كبار المسؤولين العسكريين السوريين.

ويروي بيرغمان أن أكبر أسرار سليمان كان المفاعل الذي كان يبنى منذ مطلع العقد الأول من القرن الحالي في منطقة دير الزور، وأن سوريا اشترت المفاعل من كوريا الشمالية وأن المشروع حصل على تمويل إيراني. لكن بيرغمان أضاف أن مسؤولين استخباراتيين إسرائيليين وأميركيين اختلفوا حول ما إذا كانت إيران تعرف فعلاً أن الأموال التي قدمتها إلى سوريا تستخدم في بناء المفاعل النووي.

سوريا وكوريا الشمالية... من الصواريخ إلى المفاعل

لم تبدأ العلاقة الاستراتيجية بين دمشق وبيونغ يانغ بالمفاعل، إذ سبقتها لسنوات طويلة علاقات عسكرية في مجال الصواريخ الباليستية ونقل التكنولوجيا والخبراء.

وفي تقارير قدمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) إلى الكونغرس خلال العقد الأول من القرن الحالي، قالت الوكالة إن برنامج الصواريخ السورية العاملة بالوقود السائل اعتمد على معدات ومساعدة أجنبية أساسية، وخصوصاً من كيانات كورية شمالية، وإن دمشق طورت قدرات محلية على إنتاج أنواع من صواريخ "سكود" اعتماداً على هذه المساعدة.

وتكتسب هذه البنية القديمة من العلاقات أهمية في فهم كيفية انتقال التعاون إلى المجال النووي، لأن السوريين والكوريين الشماليين لم يكونوا يبدأون من الصفر عندما شرعوا في مشروع دير الزور.

وفي 22 أبريل/نيسان 2004 وقع انفجار ضخم في محطة قطارات ريونغتشون في كوريا الشمالية قرب الحدود مع الصين، وقالت السلطات الكورية الشمالية إنه نتج عن حادث أثناء التعامل مع عربات تحمل مواد خطرة. لكن تقارير إعلامية ظهرت بعد الحادث تحدثت عن مقتل نحو اثني عشر فنياً سورياً وربطت وجودهم بشحنة عسكرية أو صاروخية كانت معدة للنقل إلى سوريا.

الحكومة الأميركية/أ.ف.ب
صورة غير مؤرّخة نُشرت خلال إحاطة لمسؤولين أميركيين في 24 أبريل 2008 بواشنطن، تُظهر ما قالت الاستخبارات الأميركية إنه مفاعل نووي سوري بُني بمساعدة كوريا الشمالية، ودُمّر في غارة إسرائيلية مطلع سبتمبر 2007

وقالت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش في واشنطن في 24 أبريل/نيسان 2008، إن لديها مؤشرات على تعاون نووي بين سوريا وكوريا الشمالية تعود إلى سنوات، لكنها لم تصل إلى تقييم حاسم لطبيعة المبنى في دير الزور إلا بعد تطور المعلومات خلال عام 2007.

وقالت الإحاطة الأميركية الرسمية، إن المنشأة السورية كانت مفاعلاً مبرداً بالغاز ومهدأ بالغرافيت يشبه في تصميمه مفاعل يونغبيون الكوري الشمالي، وإن المفاعل كان يقترب من القدرة التشغيلية قبل أن تدمره إسرائيل، لكنه لم يكن قد حُمّل بالوقود ولم يبدأ العمل.

وفي 25 أبريل/نيسان 2008 أرسلت وزارة الخارجية الأميركية من واشنطن برقية إلى بعثاتها الدبلوماسية، قالت فيها إن الولايات المتحدة تمتلك "أدلة قوية" على أن كوريا الشمالية ساعدت سوريا في بناء المفاعل.

إيران... الضلع الثالث؟

لم تتوقف القصة عند كوريا الشمالية، إذ ظهرت منذ عام 2008 معلومات عن ضلع ثالث محتمل هو إيران. وتعددت الروايات حول ما إذا كان دور طهران اقتصر على التمويل أم كان جزءاً من تصور أوسع لتقاسم فوائد المشروع.

وفي 24 يونيو/حزيران 2008 نقلت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن مستشار لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي قوله إن "الإيرانيين كانوا منخرطين في البرنامج السوري"، وإن الفكرة، كانت أن تنتج سوريا البلوتونيوم وأن تحصل إيران على حصة منه. وقالت إن سوريا لم تكن تملك، وفق المعلومات الإسرائيلية آنذاك، منشأة لإعادة معالجة الوقود المستهلك، وهو ما جعل الإسرائيليين يتساءلون عن المكان الذي كان يفترض أن تجري فيه عملية فصل البلوتونيوم.

عملاء الموساد دخلوا في الأيام الأولى من مارس 2007 منزل إبراهيم عثمان، رئيس "هيئة الطاقة الذرية" السورية، في فيينا وتمكنوا من استخراج معلومات شديدة السرية من حاسوب عثمان قبل مغادرة المنزل من دون أن يتركوا أثراً

ولم تتبنَّ إدارة جورج دبليو بوش هذا الادعاء الإسرائيلي في إحاطتها الرسمية عن الكبر، إذ ركز العرض الأميركي في أبريل/نيسان 2008 على كوريا الشمالية ولم يقدم إيران بوصفها شريكاً مثبتاً في بناء المفاعل. لكن رونين بيرغمان كتب في "انهض واقتل أولاً"، أن سوريا اشترت المفاعل من كوريا الشمالية بـ"تمويل إيراني".

شهادة سورية جديدة... تقسيم للأدوار

بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، ظهرت للمرة الأولى شهادات سورية من داخل المؤسسات التي كانت تتعامل مع المشروع، وهي شهادات لا تثبت كل ما جاء في الروايات الإسرائيلية، لكنها تتقاطع معها.

وفي تحقيق نشرته الزميلة قناة "الشرق" في 26 أغسطس/آب 2026، من إعداد علاء إبراهيم بمشاركة قاسم الخطيب وحسام بيرم، قال مدير سابق في "مركز الدراسات والبحوث العلمية" السوري إن العاملين كانوا يذهبون إلى المنشأة في إطار مهمات تقنية محددة من دون أن يحصلوا على معلومات تتجاوز مجال اختصاصهم، وإن المهمات كانت توزع بحيث لا يستطيع العامل ربط ما يقوم به بالصورة الكاملة للمشروع.

وقال مدير سابق في "مركز الدراسات والبحوث العلمية" المشرف على المشروع، إن كوريا الشمالية وفرت "الجزء الأهم من الخبرة والتصميم والمساعدة الفنية"، بينما وفرت سوريا الموقع والغطاء والبنية المحلية، وأن المعلومات المتداولة داخل الدوائر العلمية السورية آنذاك تحدثت عن "قنوات دعم وتمويل مرتبطة بإيران".

ماكسار تكنولوجيز / أ.ف.ب
صورة بالقمر الاصطناعي وزّعتها شركة "ماكسار تكنولوجيز" تُظهر منظراً عاما لمنشأة معالجة في مجمّع "يونغبيون" للأبحاث النووية في يونغبيون، كوريا الشمالية، في 14 سبتمبر 2021

ولا توجد حتى الآن وثيقة رسمية لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" أو للحكومة الأميركية تثبت وجود اتفاق ثلاثي متكامل بين سوريا وكوريا الشمالية وإيران. كما لا تسمح المعلومات الحالية بالقول إن دمشق "انتقلت" من كوريا الشمالية إلى إيران، لأن الصلة الكورية الشمالية ظلت قائمة حتى بعد غارة 2007.

وقال مسؤولون أميركيون في واشنطن في أبريل/نيسان 2008 إن لديهم معلومات عن استمرار مساعدة كورية شمالية للسوريين بعد تدمير المنشأة.

وقد تكون الصورة الأكثر دقة أن كوريا الشمالية كانت شريك التكنولوجيا والمفاعل، بينما كان الدور الإيراني، إذا صحت الروايات، مالياً أو استراتيجياً، وربما كان مرشحاً لأن يصبح أكثر أهمية في مراحل لاحقة من المشروع.

وتصبح هذه الفرضية أكثر أهمية بعد كشف الوكالة عام 2026 أن سوريا كانت تصنع الوقود داخل أراضيها وأن أحد المواقع كان مرتبطاً بأنشطة إعادة معالجة مخطط لها، لأن ذلك يعني أن المشروع السوري كان يتجه نحو امتلاك جزء أكبر من دورة الوقود بنفسه مما كانت أجهزة الاستخبارات الغربية قادرة على إثباته عام 2008.

كيف اختُرقت السرية؟

ظلت حقيقة المشروع مخفية. وفي نهاية عام 2006 بدأت إسرائيل تجمع معلومات عن نشاط نووي سوري محتمل، لكن الاختراق الذي نقل الملف إلى مستوى آخر جاء من الحلقة البشرية.

وفي تحقيق بعنوان "الضربة الصامتة" نشره ديفيد ماكوفسكي في مجلة "نيويوركر" في نيويورك في 10 سبتمبر/أيلول 2012، كتب أن عملاء الموساد دخلوا في الأيام الأولى من مارس/آذار 2007 منزل إبراهيم عثمان، رئيس "هيئة الطاقة الذرية" السورية، في فيينا أثناء مشاركته في اجتماع لمجلس محافظي "الوكالة الدولية". وقال إنهم أمضوا أقل من ساعة في المكان وتمكنوا من استخراج معلومات شديدة السرية من حاسوب عثمان قبل مغادرة المنزل من دون أن يتركوا أثراً. وقال ماكوفسكي في التحقيق نفسه إن المواد التي حصلوا عليها تضمنت صوراً من داخل المنشأة السورية ساعدت على إثبات التشابه بينها وبين مفاعل يونغبيون.

وتتحدث تقارير إسرائيلية عن عمليات استهدفت مسؤولين سوريين في أوروبا، من بينها ما أورده مايكل بار-زوهار ونيسيم ميشال في كتابهما "الموساد: أعظم عمليات جهاز الاستخبارات الإسرائيلي"، الصادر في نيويورك عن دار "إيكو" في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2012. ويقول إن "الموساد" تعقب في يوليو/تموز 2007 مسؤولاً سورياً رفيعاً، يعتقد أنه محمد سليمان، نزل في فندق في لندن. وبعد مغادرته غرفته متوجهاً إلى اجتماع، دخلها عميلان بواسطة جهاز إلكتروني خاص، وشغّلا حاسوبه المحمول وزرعا فيه برنامجاً متطوراً من نوع "حصان طروادة"، أتاح مراقبة ملفاته ونسخها عن بُعد.

ويقول المؤلفان إن تحليل محتويات الحاسوب كشف مخططات ووثائق وصوراً لمنشأة نووية سرية قرب دير الزور، إلى جانب مراسلات بين الحكومة السورية ومسؤولين كوريين شماليين، وصورة جمعت إبراهيم عثمان بمسؤول بارز في البرنامج النووي الكوري الشمالي. وأسهمت هذه المعلومات في تأكيد الشبهات الإسرائيلية بشأن طبيعة المنشأة، قبل أن تقصفها إسرائيل في 6 سبتمبر/أيلول 2007.

في ثمانينات القرن الماضي، ساعدت "الوكالة الدولية" سوريا على إنشاء معمل تجريبي قرب حمص لاستخلاص مركزات اليورانيوم، المعروفة باسم "الكعكة الصفراء"

وفي 26 أغسطس/آب 2026 قدم عاموس يدلين، الذي كان رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وقت اكتشاف المشروع، شهادة في مقابلة أجرتها معه "الشرق" في إسرائيل. وقال إن المعلومات التي كانت لدى إسرائيل عام 2006 عن النشاط النووي والتعاون السوري-الكوري الشمالي كانت محدودة جداً، وقدرها بـ"5 أو 6 من أصل مئة". وأضاف يدلين في المقابلة نفسها أن إسرائيل نفذت "عملية مع عالم سوري" حصلت بعدها على معلومات وصور جيدة جداً من داخل المفاعل ظهر فيها عدد من الشخصيات الكورية الشمالية.

من هو إبراهيم عثمان؟

ظهر اسم الدكتور إبراهيم صدقي عثمان مجدداً بعد كشف "الوكالة الدولية"، في سبتمبر/أيلول 2026، تفاصيل غير مسبوقة عن البرنامج النووي. لكن اسمه كان حاضراً في هذا الملف منذ الغارة الإسرائيلية في 2007، سواء بصفته المدير العام لـ"هيئة الطاقة الذرية"، أو بوصفه صاحب الحاسوب الذي تقول روايات غربية وإسرائيلية إن "الموساد" استخرج منه الصور التي كشفت طبيعة المنشأة.

الجيش الإسرائيلي/أ.ف.ب
صورة وزّعها الجيش الإسرائيلي في 20 مارس 2018 يُقال إنها تُظهر منظرين جويين قبل وبعد تدمير مفاعل نووي سوري مشتبه به في غارة جوية عام 2007 وأقرّ الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى بمسؤوليته عن الغارة

إبراهيم صدقي عثمان عالم فيزياء نووية سوري، تذكر سيرة متداولة عنه أنه وُلد عام 1947 في قرية تل سنان الشركسية، الواقعة في منطقة السلمية.

يحمل عثمان درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الفيزياء، وحصل على زمالة معهد الفيزياء البريطاني، وهي مرتبة مهنية علمية رفيعة. له نحو 50 بحثاً منشوراً، تناولت موضوعات بينها النشاط الإشعاعي البيئي، واليورانيوم والفوسفات، والنفايات المشعة الناتجة من استخراج النفط والغاز، وانتقال النظائر المشعة إلى التربة والمحاصيل، واستخدام الإشعاع في التطبيقات الطبية.

وتولى عثمان إدارة "هيئة الطاقة الذرية" السورية عقوداً، ليصبح أبرز مسؤول علمي ومدني عن القطاع النووي في البلاد. وتثبت وثائق "الوكالة الدولية" أنه كان لا يزال مديراً عاماً لـ"الهيئة" في سبتمبر/أيلول 2019، عندما وقّع معها إطار التعاون الفني بين سوريا والوكالة للفترة 2020–2025.

أشرف عثمان على "الهيئة" في مرحلة امتلكت فيها سوريا بنية نووية بحثية متنوعة. شملت هذه البنية مفاعل أبحاث مصغراً اشترته دمشق من الصين في مطلع التسعينات، بقدرة حرارية تبلغ 30 كيلوواط، واستخدم للتدريب وإنتاج النظائر والبحوث. كما أنشأت شركة بلجيكية عام 1997 منشأة "سيكلوترون" سورية لإنتاج النظائر المشعة القصيرة العمر المستخدمة في التشخيص والعلاج الطبي.

وأدارت "الهيئة" برامج للوقاية الإشعاعية ومعالجة النفايات المشعة ومراقبة التلوث، إلى جانب أبحاث تتعلق بالفوسفات واليورانيوم الطبيعي.

وفي ثمانينات القرن الماضي، ساعدت "الوكالة الدولية" سوريا على إنشاء معمل تجريبي قرب حمص لاستخلاص مركزات اليورانيوم، المعروفة باسم "الكعكة الصفراء"، من حمض الفوسفوريك الناتج من معالجة الفوسفات. وكان الهدف المعلن اختبار إمكان تطوير مصدر محلي لليورانيوم.

لكن خلف هذه الأنشطة المعلنة كان هناك مشروع آخر بقي سرياً. وتنسب الروايات الإسرائيلية إدارة الجانب الأمني والسياسي من المشروع إلى محمد سليمان. لكن ليست هناك معلومات دقيقة عن دور عثمان الشخصي.

ضرب الكبر في 6 سبتمبر 2007

تقول روايات إسرائيلية ان رئيس "الموساد" آنذاك مائير داغان قدم المعلومات التي حصل العملاء عليها في مارس/آذار 2007 إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في 8 مارس/آذار 2007. وكانت الصور الدليل الذي احتاجته إسرائيل لإقناع الولايات المتحدة بأن المبنى الغامض في الصحراء السورية لم يكن مستودعاً عادياً، بل كان مفاعلاً نووياً قيد الإنشاء.

وقال عاموس يدلين إن القيادة السياسية الإسرائيلية واجهت ثلاثة أسئلة رئيسة بعد اكتمال الصورة الاستخباراتية، هي ما إذا كانت المنشأة مفاعلاً نووياً عسكرياً بالفعل، ومتى ستصبح جاهزة للتشغيل، وكيف سيرد بشار الأسد إذا دمرتها إسرائيل. إن تقدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية كان أن المفاعل من تصميم كوري شمالي وإن أمام إسرائيل نحو شهرين قبل دخوله مرحلة التشغيل الساخن، وهو ما جعله يعتبر ذلك الوقت النافذة المناسبة لتدميره.

وفي كتابه "نقاط القرار"، الصادر في نيويورك في نوفمبر/تشرين الثاني 2010، روى الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت عرض عليه الأدلة الخاصة بالمنشأة وطلب أن تتعامل الولايات المتحدة معها عسكرياً، لكن بوش قرر عدم تنفيذ ضربة أميركية وفضّل مساراً دبلوماسياً.

ويؤكد ديفيد ماكوفسكي في تحقيق "الضربة الصامتة" المنشور في "نيويوركر" في سبتمبر/أيلول 2012 أن الخلاف بين أولمرت وإدارة بوش لم يكن حول خطورة المشروع بقدر ما كان حول الطريقة التي يجب التعامل بها معه، إذ فضلت واشنطن كشفه والضغط دبلوماسياً بينما رأى أولمرت أن ذلك لا يكفي.

لا توجد وثيقة منشورة تسمح بالقول إن قاسم سليماني شارك في إدارة مفاعل الكبر أو دورة الوقود السورية. لكن وجود محمد سليمان في الحلقة نفسها مع قائد "فيلق القدس" وعماد مغنية يوضح أن الرجل كان أيضاً لاعباً في العلاقة العملياتية مع إيران و"حزب الله"

وفي ليلة الخامس إلى السادس من سبتمبر/أيلول 2007 دخلت الطائرات الإسرائيلية الأجواء السورية ودمرت المنشأة قرب دير الزور في العملية التي عرفت لاحقاً باسم "خارج الصندوق".

الحكومة الأميركية/أ.ف.ب
صورة غير مؤرّخة نُشرت خلال إحاطة لمسؤولين أميركيين في 24 أبريل 2008 بواشنطن، تُظهر ما قالت الاستخبارات الأميركية إنه مفاعل نووي سوري بُني بمساعدة كوريا الشمالية، ودُمّر في غارة إسرائيلية مطلع سبتمبر 2007

والتزمت إسرائيل الصمت الرسمي سنوات، بينما نفت دمشق أن الموقع كان مفاعلاً نووياً، قبل أن تكشف الولايات المتحدة في أبريل/نيسان 2008 تقييمها بأن سوريا كانت تبني مفاعلاً سرياً بمساعدة كورية الشمالية.

وفي مارس/آذار 2018 رفعت إسرائيل السرية عن العملية واعترفت رسمياً بأنها نفذت الغارة. وقال عاموس يدلين إن قرار العملية ركز على تدمير المبنى الرئيس للمفاعل، وإن التقدير الإسرائيلي كان أن اليورانيوم الموجود في مواقع أخرى، إذا كان موجوداً، سيفقد قيمته الاستراتيجية بعد تدمير المفاعل الأساسي.

بعد الغارة، تولى عثمان الدفاع الفني والدبلوماسي عن الرواية الرسمية السورية. وأكد أن الموقع الذي استهدفته إسرائيل لم يكن منشأة نووية، ورفض نتائج العينات التي أخذها مفتشو "الوكالة الدولية" من الموقع عام 2008.

وفي فبراير/شباط 2009، رفض عثمان استنتاج "الوكالة" بأن التركيب الكيميائي لجسيمات اليورانيوم المكتشفة لا يتفق مع الرواية السورية القائلة إنها جاءت من الذخائر الإسرائيلية المستخدمة في الغارة. كما نفى العثور على الغرافيت في الموقع، ودافع عن التزام دمشق بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ظل إبراهيم عثمان لسنوات الوجه العلني لبرنامج نووي له وجهان: أحدهما بحثي وطبي معلن، والآخر سري أقامه النظام بالتعاون مع كوريا الشمالية.

وبحسب حساب مهني يحمل اسمه، تقاعد من "الهيئة" في يوليو/تموز 2025. وغادر سوريا بعد سقوط النظام نهاية 2024.

اغتيال عماد مغنية ومحمد سليمان وقاسم سليماني

بعد خمسة أشهر فقط من تدمير المفاعل وقع اختراق أمني آخر داخل الدائرة السورية-الإيرانية-اللبنانية، وهذه المرة في قلب دمشق، حيث قُتل في 12 فبراير/شباط 2008 عماد مغنية، المسؤول البارز في "حزب الله"، بانفجار عبوة في منطقة كفرسوسة.

وفي 30 يناير/كانون الثاني 2015 نشر آدم غولدمان وإيلين ناكاشيما في صحيفة "واشنطن بوست" من واشنطن تحقيقاً استند إلى خمسة مسؤولين أميركيين سابقين، وقال إن اغتيال مغنية كان نتيجة عملية مشتركة بين وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) والموساد الإسرائيلي. وقالت "واشنطن بوست" إن العبوة كانت مخبأة في الإطار الاحتياطي لسيارة رباعية الدفع متوقفة في دمشق، وإن "الموساد" فجّرها عن بُعد من تل أبيب، بينما كان فريق تابع لوكالة الاستخبارات المركزية يراقب تحركات مغنية في العاصمة السورية.

ولم تعترف الحكومة الأميركية رسمياً بالمشاركة في العملية، ولذلك تبقى هذه المعلومات منسوبة إلى تحقيق "واشنطن بوست" ومسؤوليه الأميركيين السابقين.

وفي 3 فبراير/شباط 2020 نشر آدم إنتوس وإيفان أوسنوس في مجلة "نيويوركر" من نيويورك تحقيقاً بعنوان: "قاسم سليماني وكيف تقرر الدول أن تقتل"، كشف جانباً جديداً من عملية اغتيال مغنية. وقال إن محمد سليمان وقاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني، كانا مع عماد مغنية في المكان نفسه خلال الليلة التي قتل فيها مغنية. وقالت "نيويوركر" إن التفويض الأميركي للعملية كان يخص مغنية وحده، ولذلك لم يكن فريق التنفيذ مخولاً قتل محمد سليمان أو قاسم سليماني وانتظر حتى أصبح مغنية وحده قبل تفجير العبوة.

وتكتسب هذه المعلومة أهمية في فهم موقع محمد سليمان داخل شبكة السلطة، لكنها لا تثبت أن الاجتماع الثلاثي في تلك الليلة كان متعلقاً بالمشروع النووي. ولا توجد وثيقة منشورة تسمح بالقول إن قاسم سليماني شارك في إدارة مفاعل الكبر أو دورة الوقود السورية. لكن وجود محمد سليمان في الحلقة نفسها مع قائد "فيلق القدس" وعماد مغنية يوضح أن الرجل الذي كان يدير ملفات الأسلحة الاستراتيجية السورية والعلاقة مع كوريا الشمالية كان أيضاً لاعباً في العلاقة العملياتية مع إيران و"حزب الله".

أ.ف.ب
متظاهر شيعي لبناني يرفع صورة القيادي العسكري السابق في "حزب الله" عماد مغنية، خلال تجمع في بيروت في 11 ديسمبر 2017 احتجاجا على اعتراف الرئيس الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل

وبدأ الإسرائيليون بعد اغتيال مغنية إعداد عملية منفصلة ضد محمد سليمان. وقالت "نيويوركر" إن الاستخبارات الإسرائيلية راقبت منزل سليمان الصيفي على الساحل السوري واستخدمت كاميرات سرية لمتابعة المكان قبل التنفيذ.

بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، بدأ مستوى جديد من التعاون بين دمشق و"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" التي لم تصل إلى المواقع المرتبطة بالكبر قبل ذلك

قُتل محمد سليمان مساء الأول من أغسطس/آب 2008 قرب طرطوس على الساحل السوري، وظهرت فوراً روايات عن إطلاق النار من البحر وعن قناصين أو قوة بحرية، لكن لم يكن هناك في الأيام الأولى دليل علني يحسم الجهة التي نفذت العملية. ولم تعترف إسرائيل رسميا مدة 18 سنة. وفي 2 سبتمبر/أيلول 2026، تحدثت كيف قضت وحدة "كوماندوز" بحرية على سليمان. وبحسب صحيفة "يسرائيل هيوم" اعترفت إسرائيل لأول مرة بضلوعها في اغتيال سليمان في مدينة طرطوس عام 2008، مشيرة إلى أن سليمان كان مسؤولا عن مشروع المفاعل النووي مع كوريا الشمالية، وعمل حلقة وصل لنقل أسلحة من طهران إلى "حزب الله".

بالعودة إلى يوم الاغتيال، أرسلت السفارة الأميركية في دمشق في 3 أغسطس/آب 2008 برقية سرية قالت فيها إن "المشتبه بهم الأكثر وضوحاً هم الإسرائيليون". وطرحت السفارة احتمال أن دمشق لم تكن تعرف بصورة مؤكدة من قتل سليمان، كما طرحت احتمال أن النظام أراد تجنب اتهام إسرائيل في ظل المفاوضات غير المباشرة التي كانت تجري وقتها بوساطة تركية، وبعد اختراقين أمنيين كبيرين تمثلا في غارة الكبر واغتيال عماد مغنية.

وكان الصمت أكثر إثارة لأن الحوادث الثلاثة وقعت خلال أقل من أحد عشر شهراً في ملفات يفترض أنها من أكثر ملفات النظام حماية وسرية.

وفي 14 أغسطس/آب 2008 أرسلت السفارة الأميركية في دمشق برقية سرية أفرج عنها موقع "ويكيليكس" أن اغتيال محمد سليمان أصبح "مصدر خلاف متكررا" داخل مداولات القيادة السورية.

صفحة الرئاسة السورية على تليغرام / أ.ف.ب
صورة وزعتها قناة الرئاسة السورية على "تليغرام" تُظهر الرئيس السوري السابق بشار الأسد مستقبِلا المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة رافاييل غروسي، دمشق، في 19 مارس 2024

ونقلت البرقية الأميركية المؤرخة في 14 أغسطس/آب 2008 أن مسؤولين سوريين ناقشوا في اجتماع رفيع عقد في 12 أغسطس/آب السؤال عن سبب استمرار الحوار غير المباشر مع إسرائيل إذا كانت تل أبيب هي التي قتلت سليمان. ونشرت "الغارديان" في لندن في 20 ديسمبر/كانون الأول 2010 تقريراً عن مضمون البرقية وعن الارتباك الذي أصاب الأجهزة السورية بعد الاغتيال الذي وقع قبل ساعات من سفر بشار الأسد إلى إيران.

وفي يوليو/تموز 2018، اغتيل عزيز إسبر، أبرز الشخصيات ذات العلاقة بالملف الكيميائي السوري، ومدير "مركز البحوث العلمية" في منطقة مصياف الذي تعرّض مرات للقصف الإسرائيلي. وقال "المرصد السوري لحقوق الإنسان": "عزيز إسبر عمل في مجال تطوير الأسلحة الصاروخية، وهو عالم في وقود الصواريخ، ويحمل كفاءة علمية وخبرة عاليتين في مجال تطوير الأسلحة الصاروخية، كما أنه من المقربين من بشار الأسد ومن (حزب الله) اللبناني والقيادة الإيرانية".

وفي بداية عام 2020 أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب باغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني في بغداد.

السلطات الجديدة تفتح الملف... 73 طناً، ماذا وجدت "الوكالة الدولية"؟

منذ عام 2008 طلبت "الوكالة الدولية" الوصول إلى ثلاثة مواقع أخرى قالت المعلومات المتوافرة لديها إنها "مرتبطة وظيفياً" بموقع دير الزور، وظلت وظيفة هذه المواقع واحدة من أكبر الثغرات في التحقيق لأن سوريا لم تقدم للوكالة في السنوات التالية التعاون الذي يسمح بتحديد طبيعتها بصورة كاملة. وفي تقريرها الصادر في فيينا في 24 مايو/أيار 2011، قالت الوكالة إنها لا تستطيع تقييم طبيعة المواقع الثلاثة أو وضعها التشغيلي بسبب نقص المعلومات والتعاون.

بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدأ مستوى جديد من التعاون بين دمشق و"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" التي لم تصل إلى المواقع المرتبطة بالكبر قبل ذلك، لأن المفتشين تمكنوا في عام 2024، قبل سقوطه، من أخذ عينات من ثلاثة مواقع مرتبطة بالتحقيق. وفي تقرير للوكالة نشر في فيينا في سبتمبر/أيلول 2025، قالت إن تحليل العينات التي أخذت من المواقع الثلاثة عام 2024 أظهر في أحدها عدداً كبيراً من جسيمات اليورانيوم الطبيعي ذات المنشأ البشري، وإن بعض هذه الجسيمات يتوافق مع عملية تحويل مركز خام اليورانيوم إلى أكسيد اليورانيوم. وقالت الوكالة في سبتمبر/أيلول 2025 إن السلطات السورية الجديدة أبلغتها، بعد سقوط النظام، بأنها لا تملك معلومات تفسر وجود هذه الجسيمات، لكنها وافقت على منح المفتشين وصولاً إضافياً إلى الموقع.

حجم البنية التي تكشفت بعد نحو عقدين أكبر بكثير مما كان معروفاً علناً عندما دمرت إسرائيل مفاعل الكبر في سبتمبر/أيلول 2007

وفي 17 يوليو/تموز 2026 أبلغت السلطات السورية "الوكالة" بوجود موقع لم يكن معلناً في السابق، ودعتها إلى التعاون في تفتيشه والتحقق من أي مواد نووية قد توجد فيه، وفق التقرير السري لـ"الوكالة". وفي 29 أغسطس/آب عاد مفتشو "الوكالة" إلى موقع دير الزور لمتابعة عمليات الحفر، وشاهدوا للمرة الأولى بنية تبريد كانت مدفونة تحت الموقع. وقالت الوكالة، وفق تقرير "أسوشييتد برس" من فيينا في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، إن البنية التي ظهرت "تتفق مع بنية تبريد خاصة بمفاعل نووي".

ويضاف ذلك إلى الأدلة القديمة المستمدة من الصور الداخلية وصور الأقمار الصناعية والعينات البيئية، ويجعل توصيف الموقع بوصفه مفاعلاً قيد الإنشاء أكثر رسوخاً مما كان عليه عندما قالت "الوكالة"  عام 2011 إنه "على الأرجح بدرجة كبيرة" مفاعل.

وزار المدير العام لـ"الوكالة" رافائيل غروسي سوريا في أغسطس/آب 2026 مع فريق من كبار المفتشين، ثم جاءت عمليات التحقق التي كشفت الحجم الحقيقي لمخزون المواد. وتحققت "الوكالة"  من وجود نحو 73 طناً من معدن اليورانيوم الطبيعي في الموقع الجديد، بينها نحو 55 طناً في صورة قضبان وقود مكسوة، بينما تتكون الكمية المتبقية من خردة ونفايات يورانيوم.

سانا/ أ.ف.ب
صورة وزعتها وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) تُظهر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي في مؤتمر صحفي بدمشق، في 18 أغسطس 2026، بعد إعلان الوكالة عثور مفتشيها على عدة أطنان من المواد النووية في موقع سوري

وقالت "رويترز" من فيينا في الأول من سبتمبر/أيلول 2026 إن تقرير الوكالة يثبت أيضاً أن وقود المفاعل كان يصنع في منشأة داخل سوريا، وإن النظام السابق لم يصرح بالمنشأة ولا بالمواد كما كان مطلوباً بموجب اتفاق الضمانات.

وهذا الاكتشاف يحل إحدى المشكلات الكبرى التي واجهت أجهزة الاستخبارات عام 2008، إذ كان المفاعل معروفاً بعد الغارة، لكن مكان تصنيع الوقود وحجم مخزونه لم يكونا معروفين علناً. ويعني وجود مصنع للوقود أن سوريا لم تكن تعتمد على مجرد استيراد مفاعل جاهز من كوريا الشمالية، وإنما كانت تعمل على إنشاء قدرة داخلية لتجهيز الوقود اللازم لتشغيله.

وقال تقرير الوكالة في فيينا في الأول من سبتمبر/أيلول 2026 إن أحد المواقع الثلاثة المرتبطة وظيفياً بدير الزور كان مخصصاً أيضاً لـ"أنشطة إعادة معالجة كان مخططاً لها"، وفق ما نقلته "أسوشييتد برس" في اليوم نفسه.

لم يحسم التقرير الذي ظهرت تفاصيله في الأول من سبتمبر/أيلول 2026 السؤال عن توقيت تصنيع الـ55 طناً من قضبان الوقود. ولا توجد حتى الآن معلومات تسمح بتحديد تاريخ تصنيع كل دفعة. ولا يذكر تقرير الوكالة لعام 2026 اسم محمد سليمان. ولا يزال مجهولاً من تولى الإشراف عليها بعده، ومن احتفظ بالسجلات التقنية، ومن كان مسؤولاً عن حماية المواد خلال سنوات الحرب السورية، وما إذا كانت نقلت بين مواقع مختلفة، وما إذا كان أي جزء من تصنيع الوقود قد استمر بعد غارة 2007.

حجم البنية التي تكشفت بعد نحو عقدين أكبر بكثير مما كان معروفاً علناً عندما دمرت إسرائيل مفاعل الكبر في سبتمبر/أيلول 2007.

ويحل تقرير "الوكالة الدولية" لعام 2026 جزءاً من مشكلة الضمانات المتعلقة بما وجدته وما صرحت به السلطات الجديدة، لكنه لا يقدم التاريخ الأمني والسياسي الكامل للبرنامج منذ اغتيال سليمان حتى سقوط النظام.

font change