بعد تقدم الحوثيين إلى باب المندب... ما خيارات الحكومة اليمنية؟

الحاجة إلى إعادة تموضع عسكري

رويترز/المجلة
رويترز/المجلة

بعد تقدم الحوثيين إلى باب المندب... ما خيارات الحكومة اليمنية؟

خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 11 سبتمبر/أيلول، سيطر المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران على حيس والخوخة والمخا وذوباب، قبل أن يتقدموا إلى جزيرتي زقر وحنيش ويصلوا إلى جزيرة ميون في قلب باب المندب. وفي غضون أيام، وسع الحوثيون نطاق سيطرتهم من شريط ساحلي في شمال البحر الأحمر إلى معظم الساحل الجنوبي الغربي لليمن، ليصل نفوذهم إلى أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، في خضم الحرب الأميركية-الإيرانية. وكانت حملتهم على هذه الجبهة قد بدأت في 9 أغسطس/آب، فيما انطلقت العمليات البرية في 3 سبتمبر/أيلول.

لم يكن سقوط مدينة المخا وتراجع القوات التي يقودها طارق صالح نتيجة هزيمة في أرض المعركة، بل كان انعكاسا لفشل قيادي تضافرت فيه عوامل عدة، من بينها الاختراق الاستخباراتي الحوثي، وضعف التنسيق بين التشكيلات الموالية للحكومة، وعدم التحقق من صحة أوامر الانسحاب، وقصور في الدعم الجوي، فضلا عن استغلال الحوثيين انهيار منظومة القيادة والسيطرة في جبل النار، الواقع على بعد 18 كيلومترا من خطوط المواجهة النشطة.

ونتيجة لذلك، سقطت المخا في نهاية المطاف وسط حالة من الذعر والفوضى، فيما تقدم الحوثيون مسافة إجمالية بلغت 120 كيلومترا خلال يومين. وتعزز هذه المكاسب الأخيرة قدرة الحوثيين على الحشد وترفع معنوياتهم العسكرية، كما تزيد الضغط على دفاعات الحكومة، وتثير تساؤلات حول مدى تماسك القوات المسلحة اليمنية وقدرتها على شن هجوم فعال، رغم امتلاكها المقومات اللازمة لذلك.

وهكذا، بات "الحرس الثوري" الإيراني يفرض سيطرة واضحة على مضيق باب المندب، محققا بذلك هدفا استراتيجيا سعى إليه على مدى عقود، ومضيفا إلى طهران ورقة ضغط جديدة إلى جانب نفوذها القائم حول مضيق هرمز. ومن شأن ممارسة الضغط البحري عند مدخلي شبه الجزيرة العربية أن تزيد من هشاشة تدفقات الطاقة العالمية وصادرات الخليج أمام أي تصعيد. كما تكشف تصريحات المسؤولين الإيرانيين المرحبة بهذه المكاسب عن مدى ارتباط معركة الحوثيين في باب المندب بالأهداف الإيرانية.

فقد أعلن مستشار "المرشد" الإيراني محمد مخبر، مثلا، أن المكاسب الأخيرة تمثل "انتصارا" وأن الأمن لا يمكن شراؤه عبر ضمانات خارجية، فيما وصفها المتحدث باسم "الحرس الثوري" حسين محبي بأنها "نصر إلهي".

ومنذ منتصف يونيو/حزيران، اتجه "الحرس الثوري" إلى توسيع بؤر الضغط، بالتوازي مع إرسال مزيد من الأسلحة ومعدات الحرب الإلكترونية والخبراء، ولا سيما عبر رحلات شركة "ماهان إير" الخاضعة للعقوبات الأميركية إلى اليمن في 3 و13 يوليو/تموز، رغم اعتراض الحكومة اليمنية. كما واصل خبراء من "الحرس الثوري" و"حزب الله" دعم العمليات العسكرية الحوثية، بما في ذلك على جبهات البحر الأحمر ومأرب والجوف. وفي ضوء ذلك، تمضي الحملة بتوجيه إيراني وإشراف من "الحرس الثوري"، بما يخدم أهداف طهران الاستراتيجية في وقت تتراجع فيه أوراق الضغط التي تملكها في هرمز. ومع تعثر المسار الدبلوماسي، تراهن إيران على أكثر وكلائها صمودا لتعزيز موقعها التفاوضي وتوسيع هامش الضغط المتاح لها، بينما يسعى الحوثيون إلى ترسيخ مكاسبهم والتوسع، بالتزامن مع تكثيف هجماتهم داخل السعودية، في محاولة لإعادة رسم قواعد اللعبة.

ترسيخ المكاسب الجديدة

تمثل المكاسب الأخيرة التي حققها الحوثيون على ساحل البحر الأحمر، من حيس والمخا والخوخة وصولا إلى مشارف مضيق باب المندب، تقدما استراتيجيا لم ينجحوا بعد في ترسيخه. ويتطلب تثبيت هذه المكاسب الاحتفاظ بالمناطق التي سيطروا عليها في مواجهة الضربات الجوية المتزايدة، إلى جانب إقامة التحصينات، وحفر الخنادق، وتوزيع القوات، وزرع الألغام، وتكثيف المراقبة، وتأمين خطوط الإمداد.

وإذا نجح الحوثيون في ترسيخ سيطرتهم وعسكرة هذه المناطق، فإن قربهم من السفن سيتيح لهم تقليص مسافات الاشتباك مع حركة الملاحة، والحد من الوقت المتاح للإنذار والاستجابة للهجمات. كما سيمنحهم مرونة أكبر في استخدام أسلحة الرمي المباشر، بما فيها قاذفات آر بي جي، والرشاشات الثقيلة، والصواريخ الموجهة المضادة للدروع، إلى جانب الزوارق المفخخة والألغام البحرية والطائرات المسيرة قصيرة المدى، فضلا عن الصواريخ الباليستية المضادة للسفن عند الحاجة.

ورغم فقدان القوات المتحالفة مع الحكومة مساحة بلغت 5,400 كيلومتر مربع خلال 48 ساعة، تمكنت منذ أسبوع من وقف تقدم الحوثيين شرقا في محيط العرضي وجبل كهبوب الاستراتيجي المطل على خليج عدن، الذي من شأن توسيع السيطرة عليه أن يعزز قدرة الجماعة على مراقبة حركة السفن وتعقبها واستهدافها.

وتكتسب المرتفعات الداخلية أهمية خاصة لما توفره من حماية للساحل. وفي هذا السياق، يستخدم الحوثيون الممرات الجبلية المحيطة بكهبوب، ومنها جبل العمري، لتعزيز دفاعاتهم على ساحل البحر الأحمر، وتقليل تعرض قواتهم لنيران المدفعية والمراقبة الجوية، فضلا عن تعقيد أي محاولة لقطع ذوباب والمخا عن التعزيزات القادمة من الداخل. كما تشير المعارك الدائرة على نطاق أوسع قرب ساحل تعز ومشارف لحج، للسيطرة على جبال استراتيجية، إلى مسعى للالتفاف على القوات الحكومية وقطع خطوط إمدادها وعزل المدن تدريجيا.

تكتسب المرتفعات الداخلية أهمية خاصة لما توفره من حماية للساحل. وفي هذا السياق، يستخدم الحوثيون الممرات الجبلية المحيطة بكهبوب، ومنها جبل العمري، لتعزيز دفاعاتهم على ساحل البحر الأحمر، وتقليل تعرض قواتهم لنيران المدفعية والمراقبة الجوية

العزل وتشتيت القوات

يرجح أن تتركز الجهود في المرحلة التالية على طرق الإمداد المؤدية إلى تعز. ومن المرجح بدرجة كبيرة أن يواصل المتمردون الحوثيون تقدمهم شرقا من الوازعية نحو الشمايتين، وغربا من مشارف حيفان باتجاه بني غازي والتربة، فيما تظل جبهة الكدحة إلى الغرب نشطة، حيث واصلت القوات الحكومية استهداف مواقع الحوثيين حتى 16 سبتمبر/أيلول.

ومن شأن هذه التحركات أن تزيد الضغط على طريق هيجة العبد، الذي يمثل المنفذ الجنوبي لتعز والبوابة التي تربطها بعدن. أما شن هجوم مباشر على المدينة، فسيواجه مقاومة شديدة ويكبد المهاجمين كلفة مرتفعة، ما يجعل هذا الخيار أقل ترجيحا في المرحلة الراهنة.

أ.ف.ب
مقاتلون مؤيدون للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا يتجمعون على ساحل البحر الأحمر في مدينة الخوخة بمحافظة الحديدة غربي اليمن، في 20 يوليو 2026

فالسيطرة على مدينة تعز ليست ضرورية بقدر تضييق طرق إمدادها وعزلها تدريجيا، بعدما فقدت منفذها إلى البحر الأحمر عبر المخا. ومن شأن خنق خطوط الإمداد الخارجية أن يحقق أثرا أكبر بكلفة أقل، فضلا عن إجبار الحكومة اليمنية على توزيع قواتها بين جنوب تعز والطريق المؤدي إلى عدن وشمال لحج، في وقت تحتاج فيه إلى إعادة بناء جبهة البحر الأحمر. وإذا واصل الحوثيون توسعهم في جنوب تعز، فقد يتيح لهم ذلك تكثيف الضغط على منطقة المضاربة في شمال لحج، وعلى قوات العمالقة ودرع الوطن، فضلا عن المقاومة القبلية.

أما مأرب، فتفرض معادلة مختلفة. فمنذ تعثر محاولتهم الأخيرة للسيطرة على المحافظة الغنية بالموارد خلال عامي 2020 و2021، لم يتخل الحوثيون عن هذا الهدف. وتستدعي مستويات التعبئة القبلية والتعزيزات العسكرية الحالية اهتماما خاصا، ولا سيما حول جبهتي حريب والجوبة، وعلى خطوط المواجهة الواقعة شمالهما في البلق ورغوان، بالتزامن مع استمرار استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة.

وعلى المدى القريب، يرجح أن تهدف هذه التحركات إلى اختبار الدفاعات وتشتيت القوات، مع إبقاء الخيارات مفتوحة. إلا أن محور حريب والجوبة يستحق اهتماما خاصا، إذ قد يمتد الضغط العسكري المتواصل عبر الصحراء إلى مشارف مجمع صافر للنفط والغاز، الذي يشكل ركيزة أساسية لقطاع الهيدروكربونات في مأرب ومصدرا لجزء من الإيرادات العامة.

وقد يشير أي حشد متواصل أو تحرك باتجاه صافر إلى مسعى حوثي لتطويق المدينة وتجنب خوض معركة مكلفة للسيطرة عليها مباشرة، بالتوازي مع محاولة السيطرة على الشريان الاقتصادي الحيوي الذي تعتمد عليه المحافظة.

السيطرة على مدينة تعز ليست ضرورية بقدر تضييق طرق إمدادها وعزلها تدريجيا، بعدما فقدت منفذها إلى البحر الأحمر عبر المخا

المعضلة المعاكسة

تحاول القوات المسلحة اليمنية بدورها تطبيق المنطق نفسه في الاتجاه المعاكس. فقد حققت تقدما ميدانيا محدودا في اليتمة واللبنات الأسفل، في محاولة للتقدم نحو الحزم وبير المرازيق وقطع خطوط إمداد الحوثيين، بالتوازي مع استثمار السخط الشعبي ضد المتمردين وتعزيز أمن مأرب من الشمال.

وقد تخدم العمليات الموازية في البيضاء وحجة والضالع، رغم محدوديتها، أهدافا تكتيكية مماثلة. ومع وجود استراتيجية واضحة وإسناد جوي كاف، يمكن للضغط المتزامن على جبهات متعددة أن يدفع الحوثيين إلى مراجعة خططهم العسكرية وإعادة توزيع قواتهم. وفي المقابل، يحتاج الحوثيون إلى خلق ما يكفي من بؤر الضغط لمنع الحكومة والقوات المتحالفة معها من حشد قواتها في مواجهة المكسب الأهم بالنسبة إليهم، وذلك من خلال استهداف منظومات القيادة والسيطرة، وخطوط الإمداد، والبنية التحتية المدنية، والقواعد العسكرية، والأهداف ذات القيمة العالية.

أ.ب
مسلح من ميليشيات الحوثيين في اليمن يحمل قاذفة صواريخ محمولة على الكتف خلال مسيرة في حملة تعبئة في صنعاء، اليمن، في 10 سبتمبر 2026

ويشير سلوك الحوثيين في الآونة الأخيرة إلى نهج يفصل ظاهريا بين مسارات التصعيد، مع إبقائها مترابطة على المستوى العسكري. ففي الداخل، يواصل الحوثيون توسيع نطاق سيطرتهم، بالتزامن مع تقديم تطمينات تكتيكية لواشنطن بعدم تعطيل الملاحة التجارية. وفي الوقت نفسه، يستمر الضغط على منشآت سعودية حيوية في قطاعات الطاقة والطيران والملاحة البحرية، وأحيانا بالتنسيق مع فصائل عراقية. وتهدف هذه المقاربة إلى تحييد بعض الخصوم الأيديولوجيين دبلوماسيا، مقابل ربط ساحات المواجهة الثلاث عسكريا، وهي البحر الأحمر تحت شعار الحصار السعودي، والعمق السعودي، والجبهات الداخلية في اليمن.

كما تسعى إلى عزل الرياض، وتوسيع أوراق الضغط التي تملكها طهران، وإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية في اليمن، مع حرمان المجتمع الدولي في الوقت الراهن من تهديد مشترك يمكن أن يدفعه إلى التكتل في مواجهته.

استشراف المرحلة المقبلة

وقد يتيح التحرك المبكر لعكس المكاسب الساحلية التي حققها الحوثيون فرصة لاستعادتها قبل أن يستكملوا تحصين مواقعهم، وزرع حقول الألغام، وترسيخ هياكل القيادة. غير أن نجاح هذا التحرك يتطلب قيادة وسيطرة موحدتين، واتصالات آمنة، وبروتوكولات فعالة للأمن السيبراني، وإسنادا جويا مستمرا، وقدرات على إزالة الألغام ومواجهة الطائرات المسيرة، فضلا عن إعادة تنظيم القوات المحلية بسرعة، ولا سيما المقاومة التهامية وألوية العمالقة.

أما تنفيذ هذه المهمة بالترتيبات والآليات نفسها التي أسهمت في الانهيار السابق، فقد يؤدي إلى مزيد من الخسائر. وفي المقابل، يمكن أن يقوم خيار الاحتواء وتهيئة ميدان المعركة على إعطاء الأولوية لمحور تعز ولحج وعدن، ووقف تقدم الحوثيين عبر كهبوب والمضاربة، وقطع خطوط الإمداد والتعزيزات خارج منطقة التدمير. غير أن هذا الخيار، وإن كان يتجنب مخاطر شن حملة مبكرة لاستعادة المناطق، يمنح الحوثيين مزيدا من الوقت لترسيخ مكاسبهم ومواصلة التوسع.

أما خيار الضغط على الحوثيين عبر جبهات متعددة، فيعتمد على توسيع العمليات بالتزامن في الجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز، بما يدفع جزءا من قواتهم إلى التشتت والتحول إلى الدفاع

أما خيار الضغط على الحوثيين عبر جبهات متعددة، فيعتمد على توسيع العمليات بالتزامن في الجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز، بما يدفع جزءا من قواتهم إلى التشتت والتحول إلى الدفاع، ويكشف في الوقت نفسه المناطق التي يولونها أولوية ولا يبدون استعدادا للتخلي عنها. غير أن هذا الخيار ينطوي على خطر أن تشتت الحكومة اليمنية قواتها بوتيرة أسرع من الحوثيين، رغم التحسن الذي طرأ على منظومة القيادة لديها.

ومن هنا، يمكن قياس جدوى كل جبهة بمدى قدرتها على دفع الحوثيين إلى تحريك احتياطياتهم بسرعة، بدلا من أن تتحول إلى ساحة تستنزف القوات الحكومية المنتشرة فيها.

كذلك، قد يسهم احتواء بحري بمشاركة دولية، تدعمه عمليات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وقدرات مكافحة الطائرات المسيرة وإزالة الألغام، إلى جانب مواصلة اعتراض إمدادات الأسلحة الإيرانية غير المشروعة، في تخفيف الضغط الحوثي. إلا أن سيطرة الحوثيين على جزر رئيسة تتيح لهم إدارة عمليات قتالية عن بعد لتأمين وصول شحنات الأسلحة غير المشروعة، فيما تواصل القوات الحكومية اليمنية إعادة بناء قدراتها.

وتشترك هذه الخيارات جميعها في شرط أساسي يتمثل في توحيد القيادة والسيطرة قبل توسيع العمليات الميدانية أو تكثيف الإسناد الجوي، إذ إن تعدد الجبهات لا يمكن أن يعوض غياب التنسيق والانسجام بين القوات. كما يتطلب حسن توظيف القوة العسكرية التمييز بوضوح بين المحاور التي ينبغي الحفاظ عليها، وتلك التي يمكن فيها ممارسة ضغط محدود الكلفة يفرض على الخصم خسائر أكبر، وبين محور رئيس تتركز فيه الموارد والقدرات.

أ.ف.ب
يتصاعد الدخان في الأفق بينما تُسيّر القوات اليمنية الموالية للحكومة دوريات خلال اشتباكات ضد الحوثيين في مديرية ذوباب غربي اليمن شمالي مضيق باب المندب ، في 9 يناير2017

ويمكن للقوة الجوية أن تعرقل جهود الحوثيين لترسيخ مكاسبهم، وأن تستهدف المواقع المكشوفة وخطوط الإمداد، لكنها لا تستطيع وحدها استعادة السيطرة على الأرض من دون عمليات برية متماسكة. ويبقى أن يتضح متى وكيف ستتمكن الحكومة اليمنية من استعادة زمام المبادرة، بحيث تصبح قادرة على اختيار توقيت المعركة ومكانها، بدلا من الاستمرار في التحرك استجابة للميدان الذي يرسم الحوثيون مساراته وفقا لأولوياتهم.

font change

مقالات ذات صلة