يصعب القول إن ليبيا اليوم تعيش أفضل أحوالها، مثلما يصعب القول إنها تمر بأسوئها. فالصورة تتبدل بحسب الجهة التي تنظر منها إليها، وبحسب من تسأله.
في 30 أغسطس/آب، وُقع اتفاق وضع حدا لخلافات مزمنة عرقلت المسار الانتخابي في ليبيا على مدى نحو خمس سنوات. ويرى مسؤولو الأمم المتحدة والدبلوماسيون الذين أشرفوا عليه أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام ربيع ديمقراطي في البلاد. لكن الصورة تبدو مختلفة تماما لدى النشطاء الليبيين والسياسيين بمختلف توجهاتهم، إذ يتحدث كثير منهم بقلق عن احتمال أن تكون ليبيا مقبلة، على العكس، على شتاء من الحكم السلطوي.
تكمن المفارقة في الفجوة بين العناوين البراقة وما تكشفه التفاصيل. فمن جهة، تمكن ممثلو القوى الحاكمة في ليبيا أخيرا من التوصل إلى اتفاق، وهو بحد ذاته إنجاز نادر في المشهد الليبي. لكن بنود الاتفاق تثير في المقابل مخاوف جدية، إذ تقلص صلاحيات البرلمان المقبل، وتمنح الرئاسة سلطات واسعة، كما تتيح للعسكريين خوض الانتخابات إلى جانب المرشحين المدنيين. ولهذا يخشى منتقدو الاتفاق أن يكون المسار قد صيغ لتهيئة الطريق أمام وصول حفتر إلى الرئاسة، بدلا من أن يشكل خطوة نحو نظام سياسي تمثيلي طالما تطلع إليه الليبيون. ويزداد هذا القلق بالنظر إلى أن الاتفاق جاء بعد أشهر من مساع أميركية للتوصل إلى صفقة يتولى بموجبها صدام، نجل حفتر ووريثه المفترض، الرئاسة بصورة مؤقتة.
وفي 14 سبتمبر/أيلول، عاد مجلس النواب الليبي إلى الانعقاد بعد توقف دام أكثر من ثمانية أشهر. وحضر الجلسة ما يزيد قليلا على 30 نائبا من أصل 200، وصادقوا، بحسب تقارير، بالإجماع على الاتفاق خلال جلسة مغلقة. ورحبت الأمم المتحدة بالخطوة، واعتبرتها دليلا على التوافق والتقدم، ونموذجا لما قد تكون عليه الديمقراطية الليبية في المرحلة المقبلة. وبعيدا عن السياسة، يعيش الاقتصاد الليبي أفضل أوقاته، على الأقل منذ حرب 2011. فإنتاج النفط يواصل تسجيل أعلى مستوياته منذ ذلك الحين، في وقت ترتفع فيه الأسعار العالمية بفعل الحرب على إيران. كما تدرس شركات دولية كبرى العودة إلى السوق الليبية، بينما تواصل مؤتمرات الاستثمار البراقة ومشاريع إعادة الإعمار التي يشرف عليها حاكما البلاد تصدر العناوين. ويتكرر التلويح بقرب إعادة افتتاح مطار طرابلس الدولي بحلة أكثر فخامة، فيما احتفل بافتتاح ملعب بنغازي الجديد من خلال مباراة ودية جمعت اثنين من عمالقة كرة القدم الأوروبية، إنتر ميلان وأتلتيكو مدريد.
لكن خلف هذه الصورة البراقة، تكشف التفاصيل واقعا اقتصاديا مختلفا تماما. فليبيا تعيش اليوم واحدة من أسوأ مراحلها الاقتصادية منذ خمسينات القرن الماضي، حين عانت البلاد من مجاعة واسعة النطاق. ويظهر عمق الأزمة بوضوح في السوق السوداء للعملة، حيث يواصل الدينار الليبي تراجعه إلى ما دون 10 دنانير مقابل الدولار. ومع الارتفاع المتواصل في الأسعار، بات كثير من الليبيين عاجزين عن شراء اللحوم بانتظام أو تأمين غذاء متوازن لأسرهم.
ويعاني شرق ليبيا وغربها على السواء من انقطاعات طويلة للكهرباء قد تمتد أحيانا لأكثر من 24 ساعة، فتترك السكان في مواجهة حر الصيف القاسي من دون تيار كهربائي. وفي مختلف أنحاء البلاد، يصطف الليبيون في طوابير طويلة ومزدحمة للحصول على الوقود، رغم أن الدولة تستورد منه كميات قياسية. وفي شتى القطاعات، تتكرر الشكاوى من تفشي الفساد، ومن سيطرة شبكات الفساد المالي والإداري على قطاعات كاملة، ومن مؤسسات حكومية ونظام مصرفي يصعب التعامل معهما فعليا من دون علاقات ونفوذ.


