تباطؤ نمو دخل الفرد يهدد مستويات المعيشة حول العالم

البرازيل والصين وألمانيا وروسيا أحدث المنضمين إلى "نادي الاقتصادات سيئة الحظ"

المجلة
المجلة
إتاحة البيانات الحكومية يساعد بدوره الشركات والجهات الحكومية على تصميم منتجات وخدمات جديدة وتحسين الكفاءة وخفض التكاليف

تباطؤ نمو دخل الفرد يهدد مستويات المعيشة حول العالم

تتسع دائرة المنضمين إلى "نادي الاقتصادات سيئة الحظ"، إذ لحقت به مؤخرا الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وروسيا، القوة الأكثر ميلا إلى الصراع، إلى جانب ألمانيا، صاحبة الاقتصاد الكبير والأكثر ثراء، والبرازيل، التي قد تتجاوز الولايات المتحدة قريبا في حجم صادراتها الزراعية.

ويعيش اليوم نحو 3.3 مليار شخص، أي أكثر من اثنين من كل خمسة أشخاص حول العالم، في مناطق تباطأ فيها نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى نصف معدلاته السابقة أو أقل خلال العقد المنتهي في عام 2024، مقارنة بالعقد الذي سبقه.

ولم يكن هذا العدد يتجاوز 1.1 مليار شخص في عام 2014، أي أقل من واحد من كل ستة أشخاص، وإلى جانب هذا التباطؤ، يواجه أكثر من 730 مليون شخص تراجعا فعليا في المؤشر الذي يعتمده الاقتصاديون على نطاق واسع لقياس مستويات المعيشة.

تواصل بعض المناطق زيادة ثرائها، إذ شهد متوسط دخل الفرد فيها نموا حقيقيا بنسبة 38 في المئة بين عامي 2014 و2024. ويُعزى قرابة نصف هذه الزيادة إلى تحسن أوضاع 1.5 مليار هندي، في وقت يلحق فيه اقتصاد بلادهم بركب الاقتصادات الميسورة، بالتزامن مع انخفاض معدلات المواليد. كما أسهمت الولايات المتحدة، التي تواصل التفوق في أدائها على بقية الاقتصادات المتقدمة، في رفع المتوسط العام لدول شريحة الدخل المرتفع.

غير أن عدد الدول والأقاليم التي تندرج ضمن فئة الاقتصادات منخفضة النمو أو عديمته ارتفع من 68 في عام 2014 إلى 80 في عام 2024، وتشمل هذه الفئة دولا متفاوتة الأوضاع، من كندا الغنية إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تعاني فقرا مدقعا، كما تختلف أسباب تعثرها بين الضغوط الديموغرافية وسوء الإدارة الاقتصادية.

أ.ف.ب
برق متفرع قوي يومض عبر المشهد الليلي، مضيئا مزرعة رياح في بلدة زيفرسدورف، ألمانيا، 31 أغسطس/آب 2026

وعلى الرغم من هذا التباين، تواجه هذه الاقتصادات مخاطر مشتركة. فركود مستويات المعيشة، فضلا عن تراجعها، يقوض تصورا ظل راسخا لعقود في نظرة الناس إلى العمل والسياسة، وهو أن كل جيل سيكون أفضل حالا من الجيل الذي سبقه. وفي الدول التي نشأ فيها الشباب في ظل تباطؤ اقتصادي ممتد وبلغوا اليوم سن الرشد، بدأ هذا الواقع بالفعل يعيد تشكيل المجتمع ويغير ملامح العقد الاجتماعي.

قفز عدد من يعيشون في مناطق متباطئة النمو من 1.1 مليار دولار عام 2014 إلى نحو 3.3 مليار دولار بحلول 2024، فيما يواجه أكثر من 730 مليون شخص تراجعا فعليا في مستوى معيشتهم

في الدول الغنية، غالبا ما يُعزى التباطؤ الاقتصادي إلى عاملين متزامنين هما ضعف نمو الإنتاجية وارتفاع معدلات الهجرة. وعلى الرغم من أن الوافدين الجدد قد يسهمون في تنشيط الاقتصاد على المدى الطويل، فإن أثرهم في دفع الناتج المحلي الإجمالي على المدى القصير يظل محدودا. وفي الوقت نفسه، تحقق الشركات منخفضة الإنتاجية أرباحا أقل، وبالتالي تسدد ضرائب أقل.

ومع تباطؤ نمو الإنتاجية وتزايد أعداد المهاجرين، يصبح من الضروري توزيع موارد مالية محدودة أصلا على عدد أكبر من السكان، ما قد يعزز لدى الأفراد شعورا بالغبن.

لم تسجل الإنتاجية في ألمانيا تغيرا يُذكر بين عامي 2014 و2024، وهي فترة شهدت تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين إلى البلاد، ولا سيما من سوريا. وخلال هذه السنوات، لم يتجاوز متوسط نمو الدخل الحقيقي للفرد الألماني 0.6 في المئة سنويا، مقارنة بنحو 1.5 في المئة في العقد السابق، على الرغم من أن ذلك العقد شهد تداعيات الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009، ثم المخاوف من انهيار منطقة اليورو في السنوات التالية. أما في كندا، فقد أصبح نمو السكان أسرع من نمو الناتج المحلي الإجمالي.

وفي عام 2024، ارتفع معدل البطالة بنحو نقطة مئوية واحدة، في زيادة تُعزى أساسا إلى نمو حجم القوة العاملة مع تدفق المزيد من الوافدين الجدد.

في غضون ذلك، لا تزال دول نامية عديدة غنية بالموارد تعاني تداعيات انتهاء الطفرة الكبيرة في أسعار السلع الأساسية عام 2014. فقد كادت زيادات الدخل تتوقف في دول اعتمد جانب مهم من نجاحها الاقتصادي على الصادرات، مثل الأوروغواي وتشيلي. وبات متوسط دخل الفرد في أميركا اللاتينية أعلى بقليل فقط مما كان عليه قبل عقد، بينما تراجع دخل الفرد بنسبة 3.4 في المئة في المناطق الواقعة جنوب منطقة الساحل.

أما أنغولا، وهي من كبار مصدري النفط والألماس، فقد انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها بنحو الربع.

وشهد عدد من الاقتصادات الناشئة الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية تباطؤا واضحا في أدائها الاقتصادي. ففي سبتمبر/أيلول 2006، اجتمع وزراء خارجية البرازيل وروسيا والهند والصين للمرة الأولى ضمن مجموعة "بريكس"، التي ضمت آنذاك أبرز الاقتصادات النامية الصاعدة. ومنذ ذلك الحين، كانت الهند وحدها من بين هذه الدول التي حافظت على زخم نموها.

رويترز
عمال من السكك الحديدية الصينية يجمعون آلة دفع أنابيب في موقع بناء محطة قطارات تحت الأرض في مدينة هوتشو بمقاطعة تشجيانغ، الصين، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2024

أما الصين، فقد نما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها بين عامي 2014 و2024 بنحو نصف الوتيرة التي سجلها في العقد السابق، مع تراجع الزخم الذي رافق مرحلة "اللحاق بالركب" الاقتصادي المدفوعة بالتصنيع، في مقابل ازدياد ضعف الطلب المحلي.

وفي روسيا، انخفض معدل نمو نصيب الفرد إلى أقل من نصف مستواه السابق، على الرغم من تقلص عدد السكان، وهو عامل كان يُفترض، من الناحية الحسابية، أن يرفع نصيب الفرد من الناتج.

لم تسجل إنتاجية ألمانيا تغيرا يذكر بين 2014 و2024، وهي فترة شهدت تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين، فلم يتجاوز نمو دخل الفرد الحقيقي 0.6 في المئة سنويا، مقابل 1.5 في المئة في العقد السابق رغم ما حمله من أزمة مالية عالمية ومخاوف انهيار اليورو

قد تترتب على هذه التحولات تداعيات عميقة، إذ تؤثر نظرة الناس إلى تحسن أوضاعهم المادية في خياراتهم السياسية، في المناطق التي تشهد انتخابات، وفي استعدادهم لبذل المزيد من الجهد، وحتى في قراراتهم المتعلقة بالإنجاب. ففي عام 2006، ذهب بنجامين فريدمان، الأستاذ في جامعة هارفارد، إلى أن ارتفاع مستويات المعيشة يسهم في تعزيز الاستقرار السياسي وترسيخ مبدأ الجدارة، إلى جانب مجموعة من القيم الإيجابية الأخرى.

وعلى العكس من ذلك، قد يقود تباطؤ النمو إلى نتائج مناقضة، ولا سيما لدى من لا يزالون في بدايات مسيرتهم الاقتصادية.

أ.ف.ب
زحام وسط شارع في العاصمة اليابانية طوكيو، 17 فبراير/شباط 2024

ومن أبرز مظاهر هذا التحول، تصاعد الحنين إلى الماضي. ففي عام 2025، أجرى جاستن جيست، من جامعة جورج ميسون، وزملاؤه استطلاعا شمل 20 ألف أوروبي، أظهر أن ما لا يقل عن خُمسي المشاركين يشعرون بأن جيلهم حُرم اقتصاديا مقارنة بالأجيال السابقة، وكان هذا الشعور بـ"الحرمان المصحوب بالحنين" أكثر انتشارا بين من هم في الخمسينات من العمر مقارنة بالمشاركين الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و34 عاما.

وتظهر ملامح مماثلة في الصين، حيث كشف استطلاع أجرته شركة الاستشارات "أوليفر وايمان،" وشمل أشخاصا وُلدوا تقريبا بين عامي 1995 و2010، أن 56 في المئة منهم يشعرون بالقلق إزاء فرصهم في تحقيق مستوى معيشي أفضل.

في المقابل، بدت الأجيال السابقة أكثر تفاؤلا، إذ أظهر استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث عام 2015 أن 70 في المئة ممن وُلدوا في أواخر ثمانينات القرن الماضي كانوا يحملون نظرة إيجابية تجاه الاقتصاد.

في الصين وروسيا، حيث تباطأ النمو إلى نحو نصف وتيرته، يتصاعد إحباط الشباب: 28 في المئة فقط من الصينيين يرون أن العمل الجاد يُكافأ مقابل 62 في المئة عام 2014، و5 في المئة من شباب روسيا يفكرون في العمل الحكومي

وقد يدفع الحنين إلى الماضي الشباب إلى مزيد من العزوف وفقدان الحافز. فقد أظهر استطلاع شمل روساً تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما أنه، على الرغم من شعور معظمهم القوي بالانتماء الوطني، فإن 5 في المئة فقط قد يفكرون في العمل لدى الحكومة. كما أظهرت دراسة استقصائية أجراها باحثون من جامعة ستانفورد على مدى عشر سنوات أن نسبة الصينيين الذين يرون أن العمل الجاد يُكافأ دائما انخفضت من 62 في المئة عام 2014 إلى 28 في المئة فقط عام 2023.

وتقول إيفا تشو، وهي أم تبلغ من العمر 50 عاما وتقيم في بكين، إن ابنها "يشعر بأنه لا جدوى من فعل أي شيء"، فقد ترك دراسته الجامعية مؤخرا، بعدما كان يدرس الهندسة، ولا يبدو ذلك مستغربا في ظل ارتفاع معدل البطالة بين الشباب في المناطق الحضرية إلى 18 في المئة في يوليو/تموز.

كما وجد لو ياو، من جامعة كولومبيا، ولي شياو قوانغ، من جامعة شيان جياوتونغ، أن ما يقرب من خُمسي العاطلين عن العمل في الصين ممن تتراوح أعمارهم بين 23 و28 عاما يحملون شهادات جامعية.

أما في الدول التي لا تخضع لدرجة القمع نفسها السائدة في الصين الشيوعية أو روسيا الساعية إلى استعادة أمجادها السابقة، فقد يتحول إحباط الشباب من أوضاعهم المهنية إلى مصدر للاضطراب السياسي. فقد وجد جيست وزملاؤه أن احتمال تصويت الأوروبيين الغربيين الذين يشعرون بـ"الحرمان المرتبط بالحنين إلى الماضي" لصالح الشعبويين يزيد بمقدار 55 نقطة مئوية على نظرائهم الذين لا يتبنون مثل هذه الآراء.

أ.ف.ب
رجل يحصد البُن في نهاية موسم المحصول السنوي في مزرعة "ليرا" بمنطقة سانتا كلارا في حي بورسيونكولا، ولاية ريو دي جانيرو، البرازيل، 21 يوليو/تموز 2025

وتشير أبحاث أجرتها روث داسونفيل، من جامعة "لوفين الكاثوليكية" البلجيكية، إلى أنّ تباطؤ النمو قد يغذي التقلبات السياسية، إذ ينتقل الناخبون بين اليسار واليمين ويحمّلون الحكومات القائمة مسؤولية تدهور أوضاعهم. ففي عام 2022، أسهم البرازيليون الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و34 عاما في انتخاب اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا رئيسا للبلاد، لكن ركود مستويات المعيشة دفع شريحة منهم إلى الميل نحو منافسه اليميني قبيل الانتخابات المقررة الشهر المقبل.

ومن غير المرجح أن تهيئ هذه التقلبات بيئة مواتية للنمو الاقتصادي، وقد يؤدي استمرارها إلى مزيد من الاضطراب، فتتشكل حلقة مفرغة بين ضعف النمو وعدم الاستقرار السياسي، وهو مسار قد يمتد إلى مزيد من الدول والمناطق خلال العقد المقبل.

font change

مقالات ذات صلة