أربع حقائق كشفتها حرب الحوثيين... الدور الإيراني المباشر إحداها

باب المندب في حسابات طهران

رويترز/ "المجلة"
رويترز/ "المجلة"

أربع حقائق كشفتها حرب الحوثيين... الدور الإيراني المباشر إحداها

تستعر الحرب في اليمن على كل الجبهات، عسكريا وأمنيا، على مختلف خطوط التماس في المحافظات المتاخمة لمناطق سيطرة الحوثيين، بما فيها محيط العاصمة صنعاء. وتمتد المواجهة إلى الميدانين السياسي والإعلامي، بجهد تعبوي ذي طابع طائفي ومناطقي.

ويبلغ هذا التصعيد أقصى ما تستطيعه إيران و"الحرس الثوري"، إذ يتجاوز الخطوط كافة داخل معظم المحافظات، ويتخطى الحدود مع الجوار السعودي، وصولا إلى غاية أبعد: استدراج السعودية وبلدان الخليج الأخرى إلى حرب إقليمية أوسع نطاقا وأكبر كلفة.

ومع ذلك، لم يحقق هذا التصعيد للحوثيين نتائج حاسمة حتى الآن. فوصول عناصر من الجماعة إلى جزر يمنية في جنوب البحر الأحمر وإلى محيط مضيق باب المندب تحقق بدعم مباشر من خبراء "الحرس الثوري" وقدراته الصاروخية والتقنية، وهو ما يقيس حجم التدخل الإيراني أكثر مما يقيس قوة الجماعة الذاتية.

أما ما أقامته الميليشيات في تلك المواقع فيظل هشا: خنادق وأنفاق ورادارات في المرتفعات المطلة على المضيق، جميعها مرصودة ومراقبة على مدار الساعة تقريبا، في ظل تفوق جوي للقوات الحكومية.

سارعت جماعة الحوثيين، بعد وصول عناصرها إلى محيط باب المندب، إلى التعهد بعدم استخدام المضيق لمهاجمة السفن الأميركية أو الإسرائيلية، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" عن مصادر. وهو تعهد لا تجد فيه واشنطن ولا تل أبيب مصداقية، بما يفرغ هذا "الإنجاز" المعلن من مضمونه.

ويُرجَّح أن يعقبه تصعيد مفاجئ، بحسب ما ذكرته وسائل إعلام إميركية عن قطع الرئيس دونالد ترمب إجازته في كامب ديفيد وعودته إلى واشنطن، حيث عُرضت عليه خيارات لضربات جوية تستهدف مواقع الحوثيين في الساحل الغربي وصولا إلى باب المندب.

كلفة كبيرة بلا جدوى

تقر أوساط داخل الجماعة بخسائر كبيرة في "حرب التصعيد" وفي محاولة التقدم نحو مأرب. وتداولت هذه الأوساط خلال اليومين الماضيين معلومات لم يتسن التحقق منها، عن وقوع لواءين كاملين في حصار على جبهة جبل البلق الشرقي قرب مأرب، وجبهة جبال كهبوب المطلة على باب المندب بين محافظتي تعز ولحج، وعن مقتل قادة ميدانيين عُرفوا بأدوارهم في التجنيد والحشد.

رويترز
أنصار الحوثيين يجلسون حول علم إيراني خلال مظاهرة للتعبير عن تضامنهم مع لبنان بعد دخول هدنة بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ، صنعاء، اليمن، في 17 أبريل 2026

وتتساءل هذه الأوساط عما يمكن أن تبلغه الجماعة في نهاية هذا التصعيد، وعن الثمن الباهظ الذي دُفع إرضاءً لإيران، ومنحا لها شعورا بالزهو بنصر بعيد عن حدودها، في حرب لم تبدأ أهم فصولها بعد.

وفي الوقت نفسه، ينظر اليمنيون بألم شديد إلى مظاهر القتل والأسر والإهانة التي يتبادلها المتقاتلون على الجبهات، ويسألون أنفسهم عن الداعي إلى كل هذا. لكن السؤال الأهم يبقى: ما الذي دفع الحوثيين، كأسرة أو جماعة أو مذهب، إلى الابتعاد عن تكوينهم الاجتماعي وهويتهم الوطنية؟

برهنت جماعة الحوثيين، خلال سنين عديدة من التمرد المسلح على الدولة والمجتمع منذ حروب صعدة الأولى عام 2004، على أن ارتباطها بالأجندة الإيرانية يتقدم عندها على أي اعتبار يمني سيادي، وعلى أنه لا يمكن الركون إلى أي التزام توقّعه.

برهنت جماعة الحوثيين، خلال سنين عديدة من التمرد المسلح على الدولة والمجتمع منذ حروب صعدة الأولى عام 2004، على أن ارتباطها بالأجندة الإيرانية يتقدم عندها على أي اعتبار يمني سيادي، وعلى أنه لا يمكن الركون إلى أي التزام توقّعه

وقد جرت العادة أن يعلنوا التزامات في أوقات الضرورة، ثم يتراجعوا عنها حالما تتاح فرصة اختبارها:

- من اتفاق "السلم والشراكة" الموقّع في 2014 برعاية الأمم المتحدة، بين الحوثيين والفرقاء السياسيين، على أساس مخرجات "الحوار الوطني"، وهو الاتفاق الذي اقترن توقيعه باجتياح ميليشياتهم صنعاء واعترف بهم مكونا يمنيا...

- مرورا بالتحالف مع الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، الذي انتهى بتصفيته في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2017، بعد يومين من إعلانه فضّ التحالف ودعوته اليمنيين إلى الانتفاض عليهم...

- وليس انتهاء بالالتفاف على اتفاق استكهولم أواخر 2018، الذي جنّبهم مواجهة كانت وشيكة في الحديدة بفعل تدخل دولي ظن أصحابه أنه سيقرّبهم من تسوية شاملة، فأخلّوا بالتزاماتهم قبل أن يجفّ حبره.

المركز الإعلامي للقوات اليمنية/ رويترز
أفراد من قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا يطلقون قذائف دبابة خلال ما قالوا إنها اشتباكات مع الحوثيين في موقع ذُكر أنه قرب مدينة الحزم، اليمن، في 9 سبتمبر 2026

وكانت القوات الموالية للحكومة قد تقدمت من جنوب الحديدة إلى مشارف مطارها الدولي، وشرقا إلى نقطة "الكيلو 16" على الطريق الرابط بين الحديدة وصنعاء، قبل أن يتوقف تقدمها بضغوط دولية استندت إلى اعتبارات إنسانية.

ومن حيث يدري الحوثيون أو لا يدرون، فهم في كل منعطفات الصراع أداة لتنفيذ أجندات متضادة أكبر منهم، بين إيران ومعها روسيا والصين بتحفظ، وبين الغرب الأميركي والأوروبي، ثمنها في النهاية دماء اليمنيين على جانبي النزاع.

لم يعد ثمة مجال للمواربة. فخلاف اليمنيين مع الحوثيين، كما تصفه الحكومة الشرعية والجيش والقوى السياسية المتحالفة معها، بات أعمق من أن يُجسر بسهولة، وأعقد من أن يُحل بالسلاح، ولم يعد خلافا سياسيا يقبل المساومة وحدها

لكن مجريات الحرب خلال الأسبوعين الماضيين كشفت عن أمور عدة.

أولها تورط "الحرس الثوري" الإيراني بشكل مباشر في إدارة العمليات العسكرية في محافظة تعز وعلى الساحل الغربي، بخبرائه وقدراته الصاروخية وطيرانه المسيّر وإمكاناته التقنية واللوجستية. فمن دون هذه القدرات ما كان للميليشيات أن تبلغ ما بلغته، إذ لا تملك من نفسها سوى المجازفة بأرواح مقاتليها.

وثانيها أن هذه الحرب، في تقدير قطاع واسع من اليمنيين على جانبي الصراع، ليست حربهم: لا وقوفا مع إيران، ولا انخراطا في حسابات إقليمية. ويرى هؤلاء أن الرياض سعت إلى دعم حق اليمنيين في استعادة دولتهم والتخفيف من معاناتهم.

وثالثها أن انصراف الحوثيين عن تثبيت سلطتهم في مناطق سيطرتهم شمال غرب البلاد، واندفاعهم نحو باب المندب، يرجّح أنهم يقاتلون بالوكالة لتخفيف الضغط عن "الحرس الثوري" في مضيق هرمز. وهو ما يجعلهم، بتعبير بعض المراقبين، "بندقية مستأجرة" ترفع شعارات رفع الحصار واستعادة الحقوق لتغطي بها ما تفعله في الداخل.

ورابعها أن قناعة تترسّخ لدى كثير من اليمنيين بأنهم، ما لم يمسكوا هم بزمام الصراع سياسيا وعسكريا، فلا يمكن الركون إلى طرف آخر. ويمتد هذا إلى بعض من تعاطفوا سابقا مع الجماعة، ممن باتوا يرون أن طهران لا تملك مشروعا يتجاوز العسكرة.

متغيرات عسكرية

يرى باحثون في شؤون الجماعة أن الحوثيين، الذين يقاتلون على جبهات ممتدة مئات الكيلومترات في الساحل الغربي، فضلا عن جبهات مأرب والجوف والبيضاء وتعز والضالع ولحج، لم يعودوا تلك الميليشيا المذهبية والقبلية المحدودة العدد والعتاد التي عُرفت في جبال مران بمحافظة صعدة.

بل باتوا أقرب إلى بنية شبه نظامية تحاكي نموذج "الحرس الثوري" تنظيما وتسليحا، وإن دون قدراته. وهو ما يجعل كبح جماحها، في تقدير هؤلاء الباحثين، ضرورة وطنية وأخلاقية وإنسانية، خصوصا بعد ارتهانها لمشروع إقليمي يتعارض مع المصالح الوطنية اليمنية.

رويترز
نساء وأطفال فروا من القتال بين الحوثيين والقوات الحكومية في مناطق ساحل البحر الأحمر، يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن، اليمن، في 19 سبتمبر 2026

لم يعد ثمة مجال للمواربة. فخلاف اليمنيين مع الحوثيين، كما تصفه الحكومة الشرعية والجيش والقوى السياسية المتحالفة معها، بات أعمق من أن يُجسر بسهولة، وأعقد من أن يُحل بالسلاح، ولم يعد خلافا سياسيا يقبل المساومة وحدها.

فإما أن يقبل الحوثيون بشعبهم ويتعايشوا معه رغم جراح الحرب فيقبلهم، وإما أن يكونوا قد قطعوا خطوط العودة إلى الوطن الذي وُلدوا فيه وعاشوا على ترابه. فالخلاف السياسي مقبول في حدود التباين على القضايا والأولويات؛ أما الاندفاع لخدمة مصالح أمة أخرى على حساب المصالح الوطنية، ومع أهل يتقاسمون معهم الأرض والتاريخ، فأمر لا تستقيم معه أحوال الجميع، ويعني ديمومة الحرب واستدامة الصراع.

font change

مقالات ذات صلة