عن مخاض الجمهورية اللبنانية الرابعة

يبقى لبنان جزءاً من مخاض أوسع يمر به المشرق والمنطقة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال مقابلة مع وكالة فرانس برس في القصر الرئاسي في بعبدا في 15 سبتمبر 2026

عن مخاض الجمهورية اللبنانية الرابعة

طوال العقد الماضي كان العنوان الرئيس للانقسام السياسي في لبنان يدور حول سؤال الجمهورية الثالثة، "حزب الله" يريد العبور إليها بينما يحاول معارضوه إجهاض هذا العبور. كانت الجمهورية الثالثة، في القاموس السياسي لتلك المرحلة، تعني أن يصبح للشيعة موقع أقوى داخل بنية السلطة، وتحديدا أن يصبح لهم التوقيع الثالث في السلطة التنفيذية، بما يتجاوز الصيغة التي أرساها "اتفاق الطائف"، والذي كرّس دستورياً انتقالاً في موازين السلطة من الجمهورية الأولى، التي ركزت الصلاحيات التنفيذية في يد رئاسة الجمهورية، إلى صيغة جديدة، أي إلى الجمهورية الثانية، التي ركزت الصلاحيات تلك بيد رئاسة الحكومة.

والتاريخ الدستوري للبنان هو في الوقت نفسه تاريخ سياسي واجتماعي واقتصادي، لأنه يعكس موازين القوة وتبدلها في البلد، سواء انعكس تبدل هذه الموازين في متن الدستور كما حصل مع "اتفاق الطائف"، أو بقي محوراً للصراع السياسي خارج النص الدستوري، كما حصل في تجربة "حزب الله" خلال السنوات التي سبقت "حرب الإسناد". فـ"الحزب" تمكن خلال تلك المرحلة من تغيير جانب كبير من موازين القوة الداخلية، ونجح في إضعاف خصومه وتشتيتهم، فيما ساعده الظرف الإقليمي على تثبيت موقعه، خصوصاً مع نجاح المشروع الإيراني في بناء مجال نفوذ ممتد من العراق إلى سوريا ولبنان، ثم مع التدخل الروسي في سوريا الذي ساهم في إبقاء نظام بشار الأسد وتثبيت البيئة الإقليمية التي تحرك فيها "حزب الله". وفي مثل هذه البيئة أصبح من الصعب على القوى اللبنانية المناوئة لـ"الحزب"، كما على القوى الإقليمية والدولية الداعمة لها، أن تعيد إنتاج موازين تسمح بإعادة صياغة النظام من داخله، أو بالعودة إلى النظام القديم بصيغته الأصلية.

هنا كان مخاض الجمهورية الثالثة، إذا جاز التعبير، حيث أصبح النظام القديم غير قادر على العمل وفق قواعده الأصلية، وصار جزء كبير من عمله محكوماً بالأعراف وموازين القوى وبالتفاهمات التي تفرضها القوة السياسية والعسكرية لـ"الحزب"، فيما بقي الانتقال إلى نظام جديد على قياس "حزب الله" متعذراً، لأن "الحزب"، على الرغم من قدرته على فرض وقائع سياسية وأمنية، لم يتمكن من تحويل هذه الوقائع إلى قواعد دستورية مكتوبة. ولذلك ظلت الجمهورية الثالثة في منطقة "البين بين"، وفقدت الجمهورية الثانية جانباً من قدرتها على إنتاج الحكم وفق قواعدها التقليدية، والجمهورية الثالثة بقيت مشروعاً سياسياً أكثر منها نظاماً دستورياً مكتمل العناصر.

انتهى هذا المخاض مع التحول الكبير الذي أعقب حرب 2024، ثم مع انتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة في مطلع 2025، وهو تحول حمل دلالة مباشرة على انقلاب موازين القوة السياسية في لبنان. فالسلطة الجديدة جاءت في لحظة إقليمية مختلفة جذرياً عن اللحظة التي كان "حزب الله" يتحرك فيها بوصفه الطرف الأكثر قدرة على فرض قواعد اللعبة، وأصبحت الدولة اللبنانية، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تمتلك فرصة لإعادة تعريف علاقتها بمراكز القوة العسكرية والسياسية التي كانت تعمل داخلها ومن فوقها.

ولذلك يمكن القول إن انتخاب عون وتكليف سلام كان إيذانا ببدء الجمهورية الرابعة، لكنها بدأت بدورها وهي تحمل منذ لحظة قيامها صفة المخاض، على مثال الجمهورية الثالثة ولكن بطريقة معكوسة. فالسمة الرئيسة للجمهورية الرابعة هي الانتقال من الوضع السياسي والدستوري الذي استقر تحت تأثير قوة "حزب الله" إلى وضع آخر يفترض أن يعكس تبدل موازين القوى الجديدة ويكرسها في اللعبة السياسية والدستورية، فيما أصبح اللاعب الرئيس في هذه المرحلة رئيس الجمهورية، وإلى يمينه ويساره خصوم "حزب الله" الذين يلتقون على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، مع اختلافهم الكبير في المنطلقات والحسابات، بحيث لا تشكل هذه القوى جبهة سياسية واحدة بالمعنى التقليدي.

والحال فهذه الجمهورية الرابعة تصطدم منذ بدايتها بمفارقة أساسية تكاد تكون جوهر مخاضها، فالدافع الخارجي الرئيس لمسارها أميركي بالدرجة الأولى، لكنه لا يوفر لها حتى الآن شروط نجاحها أو حتى انطلاقة سلسة لها. إذ إن واشنطن التي تمسك بمسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، وتدفع باتجاه صياغة ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، لا توفر للدولة اللبنانية حججاً كافية، من خلال ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل، تستطيع من خلالها الدفاع عن المسار التفاوضي وإثبات أن الدبلوماسية قادرة على تحقيق نتائج نوعية، وفي مقدمتها انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان. وهذا مع العلم أن المصير السياسي للسلطة اللبنانية الراهنة، أصبح مرتبطا إلى حد بعيد بنجاح المسار التفاوضي مع إسرائيل في تحقيق الحد الأقصى من الشروط اللبنانية.

التجربة اللبنانية أثبتت، قبل الحرب الأهلية وبعدها، أن كل تحول أساسي في بنيته السياسية والدستورية ارتبط بمشروع إقليمي ودولي أوسع

لا بل إن التناقض بين الموقف اللبناني والموقف الأميركي بدأ يطال الإطار المرجعي للتفاوض، ففي وقت تتمسك الدولة اللبنانية بالقرار 1701 باعتباره الإطار الدولي الذي ينظم الوضع في الجنوب ويكرس دور الدولة والجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل"، تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل الدفع باتجاه ترتيبات جديدة تجعل "اتفاق الإطار" المطروح بديلاً عن 1701 أو أساساً لتجاوزه، وهو ما ترفضه الدولة اللبنانية، التي تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فمن جهة عليها أن تثبت قدرة التفاوض على استعادة حقوق لبنان، فيما لا يوفر الداعم الرئيس لمسارها التفاوضي الشروط التي تسمح لها بتحقيق ذلك.

ولذلك لم يكن مستغربا أن تصدر إشارات من أوساط قريبة من رئيس الجمهورية، تعكس بداية امتعاض من نتائج المفاوضات ومن الشروط التي تحكمها، في وقت تؤدي الوقائع الميدانية التي تفرضها إسرائيل في جنوب لبنان إلى تقليص قدرتها على التفاوض، بينما تبقى الولايات المتحدة صاحبة التأثير الأكبر في المسار التفاوضي في موقع المتحفظ عن إظهار قدرة أو رغبة كافية في فرض صيغة تفاوضية وميدانية تضمن للدولة اللبنانية شروط عبورها إلى المرحلة التالية من المفاوضات.

أ.ف.ب
آثار الغارات الإسرائيلية التي استهدفت زعيم حزب الله حسن نصر الله في حي حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك في 29 سبتمبر 2024

في المقابل، تصطدم الجمهورية الرابعة بحقيقة داخلية أخرى تتمثل في أن "حزب الله" نفسه لم يحسم انتقاله إلى وضعية سياسية وتنظيمية جديدة، لأن الانتقال من الجمهورية الثالثة إلى الرابعة يعني بالنسبة إليه الانتقال من وضع كان فيه سلاحه يتحكم بموازين النظام السياسي إلى وضع يصبح فيه نزع سلاحه شرطا لدخوله النظام السياسي الجديد. لذلك تبدو محاولات السلطة فتح صفحة جديدة مع "الحزب" والبحث عن تسويات داخلية، مرتبطة بسؤال أكبر من مسألة السلاح وحدها، فهل يقبل "حزب الله" بإعادة تعريف موقعه داخل الدولة، أم يحاول الاحتفاظ بمقدار من قواعد الجمهورية الثالثة داخل الجمهورية الرابعة؟

وبذلك تصطدم الجمهورية الرابعة بتحديين مأزقيين في آن معا، فمن جهة هناك "حزب الله" الذي يعاند لمغادرة الوضع السابق، ومن جهة ثانية هناك الداعمون الخارجيون للوضع الجديد الذين لا يؤمّنون حتى الآن جميع الشروط اللازمة لنجاحه. وبالتالي تتحول الجمهورية الراهنة، كما كانت جمهورية "حزب الله" من قبل، إلى جمهورية مخاضية، تستمر في محاولة الانتقال من وضع إلى آخر من دون أن تمتلك القدرة على حسم هذا الانتقال. الفرق أن اتجاه المخاض أصبح معكوساً، ففي الجمهورية الثالثة كان الدفع الأساسي يأتي من "حزب الله" لإعادة تعريف الدولة وفق موازين القوة التي راكمها، أما في الجمهورية الرابعة فالدفع الأساسي يأتي من خصوم "الحزب" في الدولة، مع دعم أميركي وعربي، فيما يقاوم "حزب الله" العملية الانتقالية ويتمسك بالمعادلة السياسية الآفلة.

هذا الوضع يكشف مأزقاً أعمق في بنية الدولة اللبنانية، يتمثل في أن لبنان وصل إلى مرحلة لم تعد فيها المخارج السياسية والدستورية لأزمته متاحة من داخل اللعبة السياسية وحدها، وقد فاقم الاحتلال الإسرائيلي للجنوب هذا المأزق، لأن الوقائع التي أنتجتها الحرب بدأت تفرز معطيات سياسية وجغرافية جديدة، في وقت تتحدث تقارير وتسريبات عن مشاريع اقتصادية وعمليات شراء أراض منظمة في الجنوب، ما يجعل السؤال يتجاوز مستقبل السلاح ومستقبل النظام السياسي إلى مستقبل الجغرافيا اللبنانية نفسها. ويأتي ذلك في سياق إقليمي تجري فيه أيضاً إعادة تشكيل مجالات النفوذ، ولا سيما في الجنوب السوري حيث تبسط إسرائيل سيطرتها العسكرية والأمنية، بحيث يصبح لبنان وسوريا جزءاً من عملية أوسع لإعادة ترتيب خرائط النفوذ في المشرق.

وعليه يصبح من الصعب النظر إلى الجمهورية الرابعة كمسار لبناني داخلي منفصل عن التحولات الإقليمية، لأن التجربة اللبنانية أثبتت، قبل الحرب الأهلية وبعدها، أن كل تحول أساسي في بنيته السياسية والدستورية ارتبط بمشروع إقليمي ودولي أوسع. وقد كان "اتفاق الطائف" نفسه نتاج تسوية عربية ودولية، ولذلك ارتبط مشروع رفيق الحريري بدور إقليمي ودولي محدد للبنان، يقوم على إعادة بناء الدولة والاقتصاد بعد الحرب وربطهما بالنظام الإقليمي القائم بغطاء أميركي. وعندما انهار هذا المشروع، باغتيال الحريري، دخل لبنان في نفق طويل لم يتمكن من الخروج منه، لأن مشروع "حزب الله" الذي قام على أنقاض مشروع الحريري كان مشروعا صراعيا في كل اتجاه، وبالتالي لم يمتلك البيئة الإقليمية والدولية التي تتيح له التقدم إلى الأمام.

يبقى لبنان جزءاً من مخاض أوسع يمر به المشرق والمنطقة، إذ إن إعادة رسم موازين القوى داخله لا تنفصل عن إعادة تشكيلها إقليمياً

ولذلك تبدو مسألة المشروع الإقليمي للبنان أكثر أهمية من أي تسوية لبنانية داخلية على ضرورتها. فإذا كان المشروع الإيراني قد نجح، خلال المرحلة الماضية، في بناء وحدة نفوذ تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وصولا إلى اليمن، فإن الفراغ الذي نتج عن تراجع النفوذ الإيراني يحتاج، لكي يتحول إلى إنجاز استراتيجي، إلى مشروع إقليمي بديل يعيد وصل هذه الجغرافيا نفسها ضمن منظومة مختلفة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني. بيد أن هذا المشروع البديل لم يتبلور حتى الآن، فيما تتنافس قوى إقليمية ودولية عدة على وراثة النفوذ الإيراني، ولذلك فإن لبنان يجد نفسه داخل مرحلة إقليمية انتقالية لا يملك أدنى قدرة على التحكم بنتائجها، وهي مرحلة لا تتحدد فيها فقط هوية النظام السياسي اللبناني الجديد، وإنما تتحدد فيها أيضاً طبيعة النظام الإقليمي الذي سيحتضن هذا النظام.

أ.ف.ب
عناصر من قوات (اليونيفيل) وهم يقومون بدورية بالقرب من قرية "بيوت السياد" في جنوب لبنان، وذلك في 20 يوليو 2026

هكذا تبدو الجمهورية الرابعة، في لحظة ولادتها، أقرب إلى جمهورية مستحيلة بالمعنى السياسي، لأن أياً من الأطراف الرئيسة لا يمتلك القدرة على تنفيذ مشروعه، فـ"حزب الله" لا يستطيع العودة إلى الجمهورية الثالثة بكل ترسانته العسكرية وغطائها الإقليمي، والسلطة الجديدة مضافا إليها خصوم "الحزب" التقليديين لا يستطيعون بناء الجمهورية الرابعة من دون تسوية داخلية وغطاء إقليمي ودولي. وهذه هي المفارقة التي تجعل مخاض الجمهورية الرابعة امتداداً لمخاض الجمهورية الثالثة، رغم اختلاف اللاعبين واتجاهات النفوذ، إذ إن لبنان يخرج من نظام سياسي فقد قدرته على الاستمرار بصيغته السابقة، لكنه لم يصل بعد إلى نظام جديد قادر على إنتاج استقراره وديمومته.

وبين الجمهوريتين يبقى لبنان جزءاً من مخاض أوسع يمر به المشرق والمنطقة، إذ إن إعادة رسم موازين القوى داخله لا تنفصل عن إعادة تشكيلها إقليمياً، فمستقبل لبنان يرتبط بمستقبل سوريا والعراق بقدر ما يرتبط بالتسوية الداخلية حول الدولة والسلاح والجنوب، فيما تبقى الحرب في الخليج عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهات النظام اللبناني الجديد، لأنها ستعيد رسم خرائط النفوذ من الخليج إلى المشرق. ولذلك فإن مستقبل الجمهورية الرابعة سيظل معلقاً إلى حد كبير على ما ستؤول إليه عملية إعادة تشكيل المنطقة، وعلى المشروع الإقليمي الذي سيملأ الفراغ الإيراني في المشرق ويحدد موقع لبنان ودوره داخله.

font change

مقالات ذات صلة