بعد انتصار الـ 48 ساعة في باب المندب... الحوثيون نحو تعز ومأرب؟

متى تستعيد الحكومة اليمنية المبادرة بدل رد الفعل؟

رويترز/المجلة
رويترز/المجلة

بعد انتصار الـ 48 ساعة في باب المندب... الحوثيون نحو تعز ومأرب؟

خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 11 سبتمبر/أيلول، سيطر المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران على حيس والخوخة والمخا وذوباب، قبل أن يتقدموا إلى جزيرتي زقر وحنيش ويصلوا إلى جزيرة ميون في قلب باب المندب. وفي غضون أيام، وسع الحوثيون نطاق سيطرتهم من شريط ساحلي في شمال البحر الأحمر إلى معظم الساحل الجنوبي الغربي لليمن، ليصل نفوذهم إلى أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، في خضم الحرب الأميركية-الإيرانية. وكانت حملتهم على هذه الجبهة قد بدأت في 9 أغسطس/آب، فيما انطلقت العمليات البرية في 3 سبتمبر/أيلول.

لم يكن سقوط مدينة المخا وتراجع القوات التي يقودها طارق صالح نتيجة هزيمة في أرض المعركة، بل كان انعكاسا لفشل قيادي تضافرت فيه عوامل عدة، من بينها الاختراق الاستخباراتي الحوثي، وضعف التنسيق بين التشكيلات الموالية للحكومة، وتواضع مستوى القيادة، وعدم التحقق من صحة أوامر الانسحاب، وقصور الدعم الجوي، فضلا عن استغلال الحوثيين انهيار منظومة القيادة والسيطرة في جبل النار، الواقع على بعد 18 كيلومترا من خطوط المواجهة النشطة.

ونتيجة لذلك، سقطت المخا في نهاية المطاف وسط حالة من الذعر والفوضى، فيما تقدم الحوثيون مسافة إجمالية بلغت 120 كيلومترا خلال يومين. وتعزز هذه المكاسب الأخيرة قدرة الحوثيين على الحشد وترفع معنوياتهم العسكرية، كما تزيد الضغط على دفاعات الحكومة، وتثير تساؤلات حول مدى تماسك القوات المسلحة اليمنية وقدرتها على شن هجوم فعال، رغم امتلاكها المقومات اللازمة لذلك.

وهكذا، بات "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني يفرض سيطرة واضحة على مضيق باب المندب، محققا بذلك هدفا استراتيجيا سعى إليه على مدى عقود، ومضيفا إلى طهران ورقة ضغط جديدة إلى جانب نفوذها القائم حول مضيق هرمز.

ومن شأن ممارسة الضغط البحري عند مدخلي شبه الجزيرة العربية أن تزيد من هشاشة تدفقات الطاقة العالمية وصادرات الخليج أمام أي تصعيد.

كما تكشف تصريحات المسؤولين الإيرانيين المرحبة بهذه المكاسب عن مدى ارتباط معركة الحوثيين في باب المندب بالأهداف الإيرانية. فقد أعلن مستشار "المرشد" الإيراني محمد مخبر، مثلا، أن المكاسب الأخيرة تمثل "انتصارا" وأن الأمن لا يمكن شراؤه عبر ضمانات خارجية، فيما وصفها المتحدث باسم "الحرس الثوري" حسين محبي بأنها "نصر إلهي".

قناة المسيرة/أ.ف.ب
يظهر مطار المخا الدولي بعد استيلاء الحوثيين على مدن على طول ساحل البحر الأحمر اليمني ومضيق باب المندب، في 15 سبتمبر 2026

ومنذ منتصف يونيو/حزيران، اتجه "الحرس الثوري" إلى توسيع بؤر الضغط، بالتوازي مع إرسال مزيد من الأسلحة ومعدات الحرب الإلكترونية والخبراء، ولا سيما عبر رحلات شركة "ماهان إير" الخاضعة للعقوبات الأميركية إلى اليمن في 3 و13 يوليو/تموز، رغم اعتراض الحكومة اليمنية. كما واصل خبراء من "الحرس الثوري" و"حزب الله" دعم العمليات العسكرية الحوثية، بما في ذلك على جبهات البحر الأحمر ومأرب والجوف.

وفي ضوء ذلك، تمضي الحملة بتوجيه إيراني وإشراف من "الحرس الثوري"، بما يخدم أهداف طهران الاستراتيجية في وقت تتراجع فيه أوراق الضغط التي تملكها في هرمز. ومع تعثر المسار الدبلوماسي، تراهن إيران على أكثر وكلائها صمودا لتعزيز موقعها التفاوضي وتوسيع هامش الضغط المتاح لها، بينما يسعى الحوثيون إلى ترسيخ مكاسبهم والتوسع، بالتزامن مع تكثيف هجماتهم داخل السعودية، في محاولة لإعادة رسم قواعد اللعبة.

ترسيخ المكاسب الجديدة

تمثل المكاسب الأخيرة التي حققها الحوثيون على ساحل البحر الأحمر، من حيس والمخا والخوخة وصولا إلى مشارف مضيق باب المندب، تقدما استراتيجيا لم ينجحوا بعد في ترسيخه. ويتطلب تثبيت هذه المكاسب الاحتفاظ بالمناطق التي سيطروا عليها في مواجهة الضربات الجوية المتزايدة، إلى جانب إقامة التحصينات، وحفر الخنادق، وتوزيع القوات، وزرع الألغام، وتكثيف المراقبة، وتأمين خطوط الإمداد.

وإذا نجح الحوثيون في ترسيخ سيطرتهم وعسكرة هذه المناطق، فإن قربهم من السفن سيتيح لهم تقليص مسافات الاشتباك مع حركة الملاحة، والحد من الوقت المتاح للإنذار والاستجابة للهجمات. كما سيمنحهم مرونة أكبر في استخدام أسلحة الرمي المباشر، بما فيها قاذفات "آر بي جيه"، والرشاشات الثقيلة، والصواريخ الموجهة المضادة للدروع، إلى جانب الزوارق المفخخة والألغام البحرية والطائرات المسيرة قصيرة المدى، فضلا عن الصواريخ الباليستية المضادة للسفن عند الحاجة.

ورغم فقدان القوات المتحالفة مع الحكومة مساحة بلغت 5.400 كيلومتر مربع خلال 48 ساعة، تمكنت منذ أسبوع من وقف تقدم الحوثيين شرقا في محيط العرضي وجبل كهبوب الاستراتيجي المطل على خليج عدن، الذي من شأن توسيع السيطرة عليه أن يعزز قدرة الجماعة على مراقبة حركة السفن وتعقبها واستهدافها.

تكتسب المرتفعات الداخلية أهمية خاصة لما توفره من حماية للساحل. وفي هذا السياق، يستخدم الحوثيون الممرات الجبلية المحيطة بكهبوب، ومنها جبل العمري، لتعزيز دفاعاتهم على ساحل البحر الأحمر، وتقليل تعرض قواتهم لنيران المدفعية والمراقبة الجوية

وتكتسب المرتفعات الداخلية أهمية خاصة لما توفره من حماية للساحل. وفي هذا السياق، يستخدم الحوثيون الممرات الجبلية المحيطة بكهبوب، ومنها جبل العمري، لتعزيز دفاعاتهم على ساحل البحر الأحمر، وتقليل تعرض قواتهم لنيران المدفعية والمراقبة الجوية، فضلا عن تعقيد أي محاولة لقطع ذوباب والمخا عن التعزيزات القادمة من الداخل.

كما تشير المعارك الدائرة على نطاق أوسع قرب ساحل تعز ومشارف لحج، للسيطرة على جبال استراتيجية، إلى مسعى للالتفاف على القوات الحكومية وقطع خطوط إمدادها وعزل المدن تدريجيا.

العزل وتشتيت القوات

يرجح أن تتركز الجهود في المرحلة التالية على طرق الإمداد المؤدية إلى تعز. ومن المرجح بدرجة كبيرة أن يواصل المتمردون الحوثيون تقدمهم شرقا من الوازعية نحو الشمايتين، وغربا من مشارف حيفان باتجاه بني غازي والتربة، فيما تظل جبهة الكدحة إلى الغرب نشطة، حيث واصلت القوات الحكومية استهداف مواقع الحوثيين حتى 16 سبتمبر/أيلول.

رويترز
ما قيل إنه صاروخ يُطلق في ما تقول جماعة الحوثيين المدعومة من إيران إنه هجوم على مدينة المخا الساحلية على البحر الأحمر، اليمن، في موقع غير معروف، صورة ثابتة مأخوذة من مقطع مصور نُشر في 9 أغسطس 2026

ومن شأن هذه التحركات أن تزيد الضغط على طريق هيجة العبد، الذي يمثل المنفذ الجنوبي لتعز والبوابة التي تربطها بعدن. أما شن هجوم مباشر على المدينة، فسيواجه مقاومة شديدة ويكبد المهاجمين كلفة مرتفعة، ما يجعل هذا الخيار أقل ترجيحا في المرحلة الراهنة.

فالسيطرة على مدينة تعز ليست ضرورية بقدر تضييق طرق إمدادها وعزلها تدريجيا، بعدما فقدت منفذها إلى البحر الأحمر عبر المخا. ومن شأن خنق خطوط الإمداد الخارجية أن يحقق أثرا أكبر بكلفة أقل، فضلا عن إجبار الحكومة اليمنية على توزيع قواتها بين جنوب تعز والطريق المؤدي إلى عدن وشمال لحج، في وقت تحتاج فيه إلى إعادة بناء جبهة البحر الأحمر.

وإذا واصل الحوثيون توسعهم في جنوب تعز، فقد يتيح لهم ذلك تكثيف الضغط على منطقة المضاربة في شمال لحج، وعلى قوات العمالقة ودرع الوطن، فضلا عن المقاومة القبلية.

أما مأرب، فتفرض معادلة مختلفة. فمنذ تعثر محاولتهم الأخيرة للسيطرة على المحافظة الغنية بالموارد خلال عامي 2020 و2021، لم يتخل الحوثيون عن هذا الهدف. وتستدعي مستويات التعبئة القبلية والتعزيزات العسكرية الحالية اهتماما خاصا، ولا سيما حول جبهتي حريب والجوبة، وعلى خطوط المواجهة الواقعة شمالهما في البلق ورغوان، بالتزامن مع استمرار استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة.

وعلى المدى القريب، يرجح أن تهدف هذه التحركات إلى اختبار الدفاعات وتشتيت القوات، مع إبقاء الخيارات مفتوحة. إلا أن محور حريب والجوبة يستحق اهتماما خاصا، إذ قد يمتد الضغط العسكري المتواصل عبر الصحراء إلى مشارف مجمع صافر للنفط والغاز، الذي يشكل ركيزة أساسية لقطاع الهيدروكربونات في مأرب ومصدرا لجزء من الإيرادات العامة.

وقد يشير أي حشد متواصل أو تحرك باتجاه صافر إلى مسعى حوثي لتطويق المدينة وتجنب خوض معركة مكلفة للسيطرة عليها مباشرة، بالتوازي مع محاولة السيطرة على الشريان الاقتصادي الحيوي الذي تعتمد عليه المحافظة.

المعضلة المعاكسة

تحاول القوات المسلحة اليمنية بدورها تطبيق المنطق نفسه في الاتجاه المعاكس. فقد حققت تقدما ميدانيا محدودا في اليتمة واللبنات الأسفل، في محاولة للتقدم نحو الحزم وبير المرازيق وقطع خطوط إمداد الحوثيين، بالتوازي مع استثمار السخط الشعبي ضد المتمردين وتعزيز أمن مأرب من الشمال.

وقد تخدم العمليات الموازية في البيضاء وحجة والضالع، رغم محدوديتها، أهدافا تكتيكية مماثلة. ومع وجود استراتيجية واضحة وإسناد جوي كاف، يمكن للضغط المتزامن على جبهات متعددة أن يدفع الحوثيين إلى مراجعة خططهم العسكرية وإعادة توزيع قواتهم. وفي المقابل، يحتاج الحوثيون إلى خلق ما يكفي من بؤر الضغط لمنع الحكومة والقوات المتحالفة معها من حشد قواتها في مواجهة المكسب الأهم بالنسبة إليهم، وذلك من خلال استهداف منظومات القيادة والسيطرة، وخطوط الإمداد، والبنية التحتية المدنية، والقواعد العسكرية، والأهداف ذات القيمة العالية.

الضغط على جبهات متعددة وأزمة المضيقين

واصل الحوثيون منذ يوليو/تموز تصعيد الضغط على السعودية. وارتفع عدد الهجمات التي استهدفت الأراضي السعودية، فيما انطلق عدد قليل من الهجمات من العراق.

واتسع النطاق الجغرافي للهجمات بالتوازي مع ارتفاع وتيرتها. ففي يوليو/تموز، أعيد فتح جبهة أبها وجازان قبل أن يمتد الاستهداف إلى ينبع، في حين ضربت طائرات مسيرة انطلقت من العراق منشآت نفطية في المنطقة الشرقية ومنطقة الرياض، بالتنسيق مع غرفة التنسيق المشتركة للمحور وتحت إشراف "الحرس الثوري". وارتفعت وتيرة الهجمات خلال أغسطس/آب، لكنها بقيت متركزة بصورة أساسية في جنوب غرب المملكة.

أما الهجوم الوحيد الذي انطلق من العراق خلال الشهر، فاستهدف في 9 سبتمبر/أيلول خط أنابيب شرق غرب، في خطوة تنسجم مع مساعي "الحرس الثوري" إلى تكثيف الضغط على إمدادات الطاقة.

رويترز
ألسنة لهب ودخان تتصاعد من ناقلة النفط "سونيون" التي ترفع العلم اليوناني إثر هجوم شنه مسلحون حوثيون في البحر الأحمر، في 12 سبتمبر 2024

أما في البحر، فقد انخفضت هجمات الحوثيين، بعد موجة من الهجمات أثارت مخاوف واسعة لدى شركات الشحن البحري والتأمين. فمنذ يوليو/تموز، استهدف الحوثيون ما لا يقل عن عشر سفن، وأغرقوا ناقلة واحدة، وقتلوا ستة أشخاص وأصابوا عشرة آخرين، بينهم بحارة وعناصر إنقاذ. لكن الهجمات المباشرة توقفت بعد 24 أغسطس/آب، بالتزامن مع اندفاع القوات الحوثية نحو باب المندب.

وبعد إحكام السيطرة على المضيق بحلول 11 سبتمبر/أيلول، طلب ممثلون عن الحوثيين عقد اجتماع في مسقط مع مسؤولين أميركيين، في محاولة لطمأنة واشنطن إلى أنهم لا يعتزمون استهداف السفن، مع الحرص في الوقت نفسه على إبقاء قناة اتصال مفتوحة، رغم استمرار المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران وبقاء مضيق هرمز تحت ضغط شديد.

في خطوة لافتة، قررت بريطانيا في 21 سبتمبر تخصيص طائرة من طراز "فوييجر" تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني لتزويد الطائرات السعودية بالوقود خلال مهام "دفاعية" على مدى عدة أسابيع

وبعد أيام من زيارة عناصر من "الحرس الثوري" لمناطق المخا وذوباب وزقر وميون، ونشر رادارات جديدة وبنى للمراقبة والقدرات الهجومية حول المضيق، أفادت تقارير بأن الرئيس دونالد ترمب أجرى اتصالا برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني (الرئيس اليمني) الدكتور رشاد العليمي. ولا تزال تفاصيل المكالمة غير واضحة، إلا أن وسائل إعلام أميركية ذكرت أن ترمب درس خيار توجيه ضربات مباشرة إلى الحوثيين، في تحول عن نهج تقليل احتمالات الاحتكاك الذي كانت واشنطن قد أشارت إليه سابقا.

وفي خطوة لافتة، قررت بريطانيا في 21 سبتمبر/أيلول تخصيص طائرة من طراز "فوييجر" تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني لتزويد الطائرات السعودية بالوقود خلال مهام "دفاعية" على مدى عدة أسابيع. ويعكس هذا القرار مدى اقتراب القوى الدولية من اعتبار الانخراط العسكري ضرورة لحماية طرق الطاقة والتجارة البحرية وضمان حرية الملاحة.

وفي غياب التزام مستدام بحماية الممرات البحرية الدولية، ومع صعوبة التنبؤ بسياسات إدارة ترمب في ظل استمرار التهديد الحوثي العابر للحدود، اتجهت السعودية إلى تعزيز خياراتها بصورة مستقلة، سواء عبر تحالف الدفاع البحري الذي أنشأته أو من خلال اتفاقيتي الدفاع المشترك اللتين وقعت عليهما مع تركيا وباكستان في أغسطس/آب.

وقد تسهم إعادة الرياض تقييم استراتيجيتها، إلى جانب التطورات الأخيرة، في دفع قوى خارجية إلى مزيد من الانخراط، في وقت تتزايد فيه كلفة عدم التحرك بوتيرة قد تجعلها أعلى بكثير من كلفة التصعيد.

الموقف الإسرائيلي

جمع الموقف الإسرائيلي بين ضبط النفس العلني والانخراط بصورة أعمق في منظومة الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع الجوي الإقليمي. وفي هذا السياق، التقى قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، في إطار مساع لتعزيز التنسيق الأميركي-الإسرائيلي. وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن المعلومات المتعلقة بمواقع الحوثيين وتحركاتهم ونواياهم باتت تمر عبر "سنتكوم"، إلى جانب التحذيرات الخاصة بالصواريخ والطائرات المسيرة. ويبدو أن إسرائيل تميل بصورة أساسية إلى توسيع نطاق التعامل مع التهديد الحوثي ليأخذ بعدا إقليميا ودوليا.

أ.ف.ب
أفراد من الحرس الثوري الإيراني يشاركون في العرض العسكري السنوي الذي يحيي ذكرى اندلاع الحرب مع العراق (1980-1988) في العاصمة طهران، في 22 سبتمبر 2018

ولم يتشكل الموقف الإسرائيلي بفعل القدرات الصاروخية للحوثيين وحدها، بل لعبت الجغرافيا دورا موازيا في رسم ملامحه. فسيطرة الحوثيين على جنوب البحر الأحمر وجزره والمرتفعات المشرفة على باب المندب تعزز قدرتهم على مراقبة حركة الملاحة وتعقب السفن واستهدافها، كما تمنح طهران موقعا متقدما يمكن أن تستفيد منه لاحقا في الضغط على إسرائيل، إلى جانب الأهداف الخليجية والغربية.

وتكمن خطورة هذا الوضع في أن الحوثيين يجمعون بين السيطرة الميدانية على الأرض، والوجود على الساحل، والقدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، والقرب المباشر من خطوط الملاحة عند المضيق، ما يتيح لهم أيضا استخدام أسلحة أقل تطورا لاستهداف السفن من مسافات لا تتجاوز بضعة كيلومترات.

ومن هذا المنطلق، يمكن لاعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال"، وتعميق علاقاتها الأمنية معها، وسعيها إلى إقامة وجود متقدم هناك، أن يمنحها قدرات أكبر في مجالات الاستخبارات والمراقبة، ويوفر لها عمقا استراتيجيا عبر خليج عدن. لكن مثل هذا التحرك قد يفتح في الوقت نفسه عدة جبهات جيوسياسية، من بينها جبهة مع الحوثيين. وكان عبد الملك الحوثي، زعيم الحركة المتمردة، قد هدد باستهداف أي وجود إسرائيلي في إقليم "أرض الصومال"، وإن كان قد وجه القسم الأكبر من تهديداته في الآونة الأخيرة نحو السعودية بدلا من إسرائيل، في ما يبدو أنه محاولة لتجنب رد ذي طابع دولي.

استشراف المرحلة المقبلة

لا يمكن النظر إلى تقاطع هذه التطورات باعتباره مجرد مصادفة. فقد تجاوز باب المندب حدود كونه شأنا يمنيا أو مشكلة تخص أمن البحر الأحمر وحده، ليصبح نقطة التقاء بين المكاسب الميدانية الأخيرة للحوثيين، ونفوذ "الحرس الثوري" في هرمز، وأمن الطاقة السعودي، والحرب الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.

وتقوم استراتيجية الضغط هذه على الجمع بين مضيقين وجبهات متعددة. فإيران تمارس الضغط في هرمز، بينما يوسع الحوثيون نطاق سيطرتهم حول باب المندب ويهاجمون الأراضي السعودية والسفن التجارية، في الوقت الذي يعطل فيه هجوم منطلق من العراق المسار الرئيس الذي تعتمد عليه المملكة لتجاوز القيود المرتبطة بهرمز. ومن شأن الحد من هذا النفوذ المتنامي أن يضعف إحدى أبرز أدوات إيران في توسيع حضورها الإقليمي، كما يمثل هدفا سياسيا أكثر واقعية وقابلية للتحقيق.

غير أن تحركات الحوثيين في الآونة الأخيرة تكشف عن نهج يقوم على إدارة التصعيد في مسارات منفصلة. فبينما يواصلون التوسع ميدانيا وشن هجمات عبر الحدود، يبعثون في الوقت نفسه برسائل تطمين إلى واشنطن بشأن عدم استهداف الملاحة التجارية.

وتسعى هذه المقاربة، التي تجمع الحوثيين و"الحرس الثوري"، إلى إبقاء الخصوم الأيديولوجيين خارج دائرة المواجهة الدبلوماسية المباشرة، بالتوازي مع الربط عسكريا بين ثلاث ساحات رئيسة: البحر الأحمر، واستهداف أراض سعودية، والجبهات الداخلية في اليمن. كما تهدف إلى تعزيز أوراق الضغط الإيرانية، وإعادة رسم خريطة السيطرة داخل اليمن، مع تفادي نشوء تهديد مشترك يمكن أن يدفع المجتمع الدولي، في هذه المرحلة، إلى توحيد موقفه في مواجهتهم.

وقد يتيح التحرك المبكر لعكس المكاسب الساحلية التي حققها الحوثيون فرصة لاستعادتها قبل أن يستكملوا تحصين مواقعهم، وزرع حقول الألغام، وترسيخ هياكل القيادة. غير أن نجاح هذا التحرك يتطلب قيادة وسيطرة موحدتين، واتصالات آمنة، وبروتوكولات فعالة للأمن السيبراني، وإسنادا جويا مستمرا، وقدرات على إزالة الألغام ومواجهة الطائرات المسيرة، فضلا عن إعادة تنظيم القوات المحلية بسرعة، ولا سيما "المقاومة التهامية" و"ألوية العماليق" الحكومية.

أما تنفيذ هذه المهمة بالترتيبات والآليات نفسها التي أسهمت في الانهيار السابق، فقد يؤدي إلى مزيد من الخسائر. وفي المقابل، يمكن أن يقوم خيار الاحتواء وتهيئة ميدان المعركة على إعطاء الأولوية لمحور تعز ولحج وعدن، ووقف تقدم الحوثيين عبر كهبوب والمضاربة، وقطع خطوط الإمداد والتعزيزات. غير أن هذا الخيار، وإن كان يتجنب مخاطر شن حملة مبكرة لاستعادة المناطق، يمنح الحوثيين مزيدا من الوقت لترسيخ مكاسبهم ومواصلة التوسع.

خيار الضغط على الحوثيين عبر جبهات متعددة، يعتمد على توسيع العمليات بالتزامن في الجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز، بما يدفع جزءا من قواتهم إلى التشتت والتحول إلى الدفاع

أما خيار الضغط على الحوثيين عبر جبهات متعددة، فيعتمد على توسيع العمليات بالتزامن في الجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز، بما يدفع جزءا من قواتهم إلى التشتت والتحول إلى الدفاع، ويكشف في الوقت نفسه المناطق التي يولونها أولوية ولا يبدون استعدادا للتخلي عنها. غير أن هذا الخيار ينطوي على خطر أن تشتت الحكومة اليمنية قواتها بوتيرة أسرع من الحوثيين، رغم التحسن الذي طرأ على منظومة القيادة لديها.

ومن هنا، يمكن قياس جدوى كل جبهة بمدى قدرتها على دفع الحوثيين إلى تحريك احتياطياتهم بسرعة، بدلا من أن تتحول إلى ساحة تستنزف القوات الحكومية المنتشرة فيها.

أ.ب
رجل يسير أمام جدارية ترمز إلى القيود المفروضة على الملاحة عبر مضيق باب المندب، في صنعاء، اليمن، في 14 سبتمبر 2026

كذلك، قد يسهم احتواء بحري بمشاركة دولية، تدعمه عمليات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وقدرات مكافحة الطائرات المسيرة وإزالة الألغام، إلى جانب مواصلة اعتراض إمدادات الأسلحة الإيرانية غير المشروعة، في تخفيف الضغط الحوثي. إلا أن سيطرة الحوثيين على جزر رئيسة تتيح لهم إدارة عمليات قتالية عن بُعد لتأمين وصول شحنات الأسلحة غير المشروعة، فيما تواصل القوات الحكومية اليمنية إعادة بناء قدراتها.

وتشترك هذه الخيارات جميعها في شرط أساسي يتمثل في توحيد القيادة والسيطرة قبل توسيع العمليات الميدانية أو تكثيف الإسناد الجوي، إذ إن تعدد الجبهات لا يمكن أن يعوض غياب التنسيق والانسجام بين القوات. كما يتطلب حسن توظيف القوة العسكرية التمييز بوضوح بين المحاور التي ينبغي الحفاظ عليها، وتلك التي يمكن فيها ممارسة ضغط محدود الكلفة يفرض على الخصم خسائر أكبر، وبين محور رئيس تتركز فيه الموارد والقدرات.

ويمكن للقوة الجوية أن تعرقل مساعي الحوثيين لترسيخ مكاسبهم، وأن تضرب المواقع المكشوفة وخطوط الإمداد، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير موازين السيطرة على الأرض من دون عمليات برية منسقة.

ويبقى السؤال هو متى وكيف ستستعيد الحكومة اليمنية زمام المبادرة، بحيث تصبح هي من يحدد توقيت المعركة ومكانها، بدلا من الاكتفاء برد الفعل على تحركات الحوثيين وخططهم الميدانية. كذلك يبقى من غير الواضح ما إذا كان الشركاء الدوليون، بالتعاون مع السعودية واليمن، سيتمكنون من صياغة استراتيجية طويلة الأمد لليمن والبحر الأحمر وتنفيذها بما يضع حدا لهذه الأزمة.

font change

مقالات ذات صلة