أحمد السماري لـ"المجلة": أبحث في الفرد عن أثر الجماعة

أحمد بن عبدالعزيز السماري-Facebook
أحمد بن عبدالعزيز السماري-Facebook

أحمد السماري لـ"المجلة": أبحث في الفرد عن أثر الجماعة

يعد الروائي السعودي أحمد بن عبد العزيز السماري، صوتا غزيرا يمزج بين الواقعية والعمق الفلسفي وتفكيك تحولات الذاكرة والمجتمع. تبحر أعماله عبر محطات زمنية وفنية متصاعدة، بداية من روايته الأولى "الصريم" (2020)، ثم "قنطرة" (2022) ثم "ابنة ليليت" (2024)، وصولا إلى "فيلق الأبل" (2025). عن عوالم مشروعه الإبداعي، وأبعاد مولوده الأدبي الأحدث، رواية "الأديب الضليل" (2026)، كان لـ"المجلة" هذا الحوار معه.

في "الأديب الضليل"، يبدو أنك تفكك النرجسية الثقافية للمثقف. هل ترى أن "الضلال" في الرواية هو عقوبة الوعي الحاد، أم أنه نتيجة حتمية لانفصال الأديب عن واقعه الاجتماعي؟

أعتقد أن الضلال في الرواية يبدأ حين يتحول الوعي من نافذة نرى منها العالم إلى مرآة لا نرى فيها إلا أنفسنا. فهد فرج شخصية امتلك معرفة واسعة، وذاكرة استثنائية، وقدرة مدهشة على الحفظ والاستدعاء والمحاججة، غير أن هذه الوفرة المعرفية لم تمنحه الطمأنينة. حدث العكس تقريبا، كلما اتسعت المعرفة ضاق العالم من حوله، وكلما ازداد اقتناعا بتميزه ازدادت المسافة بينه وبين الآخرين.

لهذا لم أرد تقديم النرجسية الثقافية بوصفها صفة ساخرة في مثقف مغرور، وإنما حاولت تتبع اللحظة التي تتحول فيها المعرفة إلى عبء، والذكاء إلى عزلة، والإدهاش إلى إدمان لا يستطيع صاحبه الاستمرار من دونه. فهد نفسه يخاف التبلد أكثر مما يخاف الفشل، وحين تفقد الأشياء قدرتها على إدهاشه يدخل في الضجر، والضجر هو المرض الخفي الذي يرافق الرواية من بدايتها حتى نهايتها.

لذلك أرى أن "الضلال" هنا ناتج من تداخل عوامل كثيرة: وعي حاد، وجراح نفسية، واضطراب داخلي، وإحساس متضخم بالذات، وعجز عن المصالحة مع إيقاع الحياة العادية. في مرحلة من حياته يتصور فهد أن الآخرين لا يفهمونه، ثم تتحول هذه الفكرة تدريجيا إلى شعور بالمظلومية والتفوق معا. الرواية ترصد كيف يمكن الثقافة، حين تنفصل عن التواضع الإنساني وعن القدرة على التواصل، أن تتحول من خلاص إلى متاهة. هذا التحول حاضر بوضوح في مسار الشخصية حين تضيق حول ذاتها وتتضخم لديها فكرة عدم فهم الآخرين لها.

الرواية عندي محاولة لفهم الإنسان في منطقة ارتباكه، حين تتجاور العبقرية والهشاشة، والغرور والخوف، والمعرفة والضياع

والأهم أنني لم أكتب فهد لإدانته أو لتبرئته. أردت أن أفهمه. الرواية عندي محاولة لفهم الإنسان في منطقة ارتباكه، حين تتجاور العبقرية والهشاشة، والغرور والخوف، والمعرفة والضياع.

اخترت اسما يحمل دلالة تراثية وتاريخية مرتبطة بامرئ القيس "الملك الضليل". كيف تقاطعت هذه الرمزية التاريخية مع أزمة الوجود والاغتراب التي تعيشها شخصية الأديب المعاصر في روايتك؟

العنوان جاء من منطقة تجمع الإغراء والخطر معا. "الضليل" تستدعي في الذاكرة العربية مباشرة امرأ القيس، الملك الضليل، الشاعر الذي جمع المجد والتيه، والشعر والفقد، والترحال والبحث عن شيء لا يصل إليه. أعجبتني هذه المسافة الدلالية لأن فهد فرج يعيش، بطريقته الحديثة، تيها مشابها، لا يبحث عن ملك ضائع، وإنما يبحث عن معنى يقيه الضجر ويمنحه إحساسا بأنه حي. وهنا يصبح العنوان أوسع من إحالة تراثية. فهد أديب ضليل لأنه يتحرك باستمرار بين أمكنة وأفكار وعلاقات ومواقع ثقافية من دون أن يجد استقرارا داخليا. يذهب إلى المعرفة فيزداد عطشا، وإلى الشهرة فلا تشبعه، وإلى الحب فيهرب منه، وإلى الصحافة فيضجر منها، وإلى المؤسسات الثقافية فيصطدم بها، ثم ينتهي إلى عزلته والمرآة.

كنت مهتما بتحديث صورة "التيه". تيه امرئ القيس جغرافي وسياسي وعاطفي، أما تيه فهد فذهني ونفسي وثقافي. إنه إنسان يحمل مكتبة كاملة في رأسه، ومع ذلك يعجز أحيانا عن العثور على جملة واحدة تقوده إلى السلام الداخلي.

لهذا تظهر المرآة في الرواية بوصفها الطرف المقابل للمكتبة: المكتبة تمثل ما جمعه من العالم، والمرآة تمثل ما بقي منه بعد كل ذلك. وبين الاثنين تتحرك مأساته. يصل في النهاية إلى مواجهة صورته، لا صورة الآخرين، وكأن الرواية تسأله: ماذا صنعت بك كل هذه المعرفة؟ وماذا بقي منك بعد التصفيق والمناصب والكتب والأصدقاء والخصومات؟

العنوان يحمل شيئا من السخرية والشفقة معا. فكل أديب يبحث، وكل بحث يحمل احتمال الاهتداء واحتمال الضلال.

غلاف "الأديب الضليل"

البناء السردي في "الأديب الضليل" يتأرجح بين الواقعية النفسية والتجريب الفلسفي. ما التضحيات الفنية التي قدمتها كروائي للحفاظ على شعرة معاوية بين غموض الفلسفة وتشويق الحكاية؟

أكثر ما كنت أخشاه أثناء كتابة "الأديب الضليل" أن تتحول الرواية إلى مناقشة فكرية طويلة ترتدي ملابس السرد. لدي أفكار كثيرة تتعلق بالضجر، والوعي، والمرض، والعزلة، والنرجسية، والذاكرة، والمثقف، وعلاقة الإنسان بصورته عن نفسه، لكنني كنت أذكر نفسي باستمرار بأن القارئ جاء إلى رواية، وجاء أولا كي يعيش حكاية.

أحاول أن تأتي الفكرة داخل الحكاية، لا فوقها، وأن يشعر القارئ بالسؤال بعد أن يتورط في مصير الشخصية

لهذا ضحيت بالكثير من الشرح. هناك أفكار كان يمكن أن أكتب حولها صفحات، واكتفيت بأن تتحول إلى موقف أو حوار أو حركة صغيرة. المرآة، مثلا، لم أرد أن أشرح رمزيتها للقارئ، تركتها تكبر مع فهد حتى تصبح طرفا في حياته. والضجر لم أقدمه كمصطلح فلسفي، وإنما جعلته يتسرب إلى الوظيفة، والحب، والصداقة، والقراءة، والسهر، وحتى إلى علاقته بالشهرة.

كما اخترت بناء الرواية من شظايا: مذكرات، وشهادات، وذكريات، ومقالات، وصديق يحاول بعد سنوات أن يعيد تركيب حياة رجل لم يكن من السهل الإمساك به. جبران نفسه لا يمتلك الحقيقة الكاملة، يجمع ما تفرق ويظل مترددا أمام الصورة التي تتكون أمامه.

هذا البناء أتاح لي أن أترك مساحات للقارئ. أحب الرواية التي تثق بقارئها. أضع أمامه القرائن ولا أطلب منه أن يقبل تفسيرا نهائيا للشخصية.

وفي الوقت نفسه، لا أتنازل عن التشويق. سبق أن قلت إن المتعة شرط جوهري عندي، وإن الرواية مساحة للأسئلة، فيما يبقى التقرير خارج طبيعتها الفنية. لذلك أحاول أن تأتي الفكرة داخل الحكاية، لا فوقها، وأن يشعر القارئ بالسؤال بعد أن يتورط في مصير الشخصية.

الهوية والرمز

الانتقال من الكلاسيكية والبيئة المحلية في "الصريم" إلى التجريب المعرفي في أعمالك الأخيرة، هل هو تطور طبيعي لوعيك الروائي أم استجابة لتحولات ذائقة القارئ السعودي؟

أراه تطورا طبيعيا في تجربتي أولا، مع وعي بتحولات القارئ أيضا. لا أريد أن أكتب الرواية نفسها خمس مرات تحت عناوين مختلفة. لكل عمل سؤال وعالم وبنية تخصه. في "الصريم" كان المكان والإنسان النجدي والتحولات الاجتماعية في الواجهة، وفي "قنطرة" حضرت الفنون والتحولات الاجتماعية وتعدد الأصوات، ثم اتجهت "ابنة ليليت" إلى أسئلة المرأة والهوية والرمز، وجاءت "فيلق الإبل" لتشتغل على التاريخ والذاكرة والرحلة، بينما تدخل "الأديب الضليل" إلى منطقة أكثر داخلية، حيث المعرفة والضجر والعزلة وتشظي الذات.

غلاف "الصريم"

القارئ السعودي نفسه تغير، أصبح أكثر اتصالا بالآداب العالمية، وأسرع في الحكم على النص، وأقل صبرا على الاستطراد. أحترم هذا التحول، لكنني لا أكتب وفق وصفة سوقية. ما يهمني أن أظل قادرا على مفاجأة القارئ ومفاجأة نفسي أيضا. أخشى من تكرار تجربتي السابقة أكثر مما أخشى من مغامرة جديدة قد تختلف حولها القراءات.

دراستك وخلفيتك في الاقتصاد الزراعي ترتبط بالأرض والإنتاج، هل يظهر هذا الحس "الأنثروبولوجي" المرتبط بالأرض بشكل غير واع في رسمك لبيئات رواياتك وتطور شخصياتها؟

دراستي للاقتصاد الزراعي وتجربتي المهنية تركتا أثرا أعمق مما كنت أتصور. الزراعة تعلم الإنسان درسا سرديا مهما: لا شيء ينمو في فراغ، لكل ثمرة تربة ومناخ ووقت وماء ويد تعتني بها. والشخصيات كذلك لا تتكون خارج بيئاتها. ربما لهذا يحضر المكان في رواياتي بوصفه عنصرا حيا، فالأرض والقرية والمدينة والصحراء والأحياء القديمة ليست خلفيات محايدة، وإنما قوى تشارك في تشكيل الإنسان.

التاريخ يخبرنا بما وقع، والرواية تقترح كيف كان يمكن أن يعاش ذلك الحدث من الداخل

في "الصريم" تبدو الأرض شديدة الحضور، وفي "فيلق الإبل" تتحول الصحراء والرحلة إلى جزء من تكوين الشخصيات، وفي "الأديب الضليل" تتبدل الرياض مع تبدل فهد نفسه. ما يهمني أيضا التفاصيل الصغيرة التي تكشف المجتمع: الطعام، واللهجة، والعادات، والأمثال، وشكل البيوت، وحركة الناس، وتحولات الحي. هذه النظرة ربما تقترب من الحس الأنثروبولوجي، فأنا أبحث في الفرد عن أثر الجماعة، وفي التحول الشخصي عن صورة زمن كامل.

غلاف "فيلق الإبل"

هوامش التاريخ

في "فيلق الإبل" أعدت قراءة التاريخ عبر أفق تخييلي، إلى أي مدى يمكن الرواية السعودية اليوم أن تعيد صياغة التاريخ وتصحيح الهوامش التي أغفلها المؤرخ الرسمي؟

أفضل القول إن الرواية تضيء هوامش التاريخ أكثر من القول إنها تصححه. المؤرخ يعمل بمنهج ووثيقة وتسلسل زمني وأدلة، أما الروائي فيذهب إلى المساحات التي لا تستطيع الوثيقة وحدها أن تحفظها: الخوف، والوحدة، والحب، والارتباك، والدوافع الخفية، والأصوات التي مرت من دون أن تترك سجلا.

في "فيلق الإبل" لم يكن سؤالي: ماذا حدث فقط؟ كان السؤال أيضا: كيف شعر الذين عاشوا الحدث؟ ماذا رأوا؟ ماذا خسروا؟ وكيف تحول التاريخ الكبير داخل أرواح أفراد عاديين؟ هنا تبدأ مساحة التخييل.

يملك السرد السعودي كنزا هائلا في الهوامش: الرحلات، والهجرات، والقرى، والنساء الغائبات عن كثير من السجلات، والجنود، والعمال، والتجار، والمسافرون، وحكايات البيوت والأسر. الرواية تستطيع أن تعيد لهذه الأصوات حضورها من دون أن تدعي امتلاك الحقيقة النهائية. التاريخ يخبرنا بما وقع، والرواية تقترح كيف كان يمكن أن يعاش ذلك الحدث من الداخل.

غلاف "ابنة ليليت"

في "ابنة ليليت" ناقشت تمرد المرأة وطموحها ببعد فلسفي أسطوري. لماذا يحتاج الروائي الرجل إلى الاستعانة بالرمزية الفلسفية لتفكيك قضايا المرأة بدلا من رصدها بواقعية مجردة؟

الرمز الفلسفي والأسطوري يمنح الشخصية طبقات إضافية، ولا أراه بديلا من الواقعية. في "ابنة ليليت" استدعيت ليليت لأنها تفتح أسئلة قديمة ومتجددة عن الرفض والاستقلال والتمرد والصورة التي يصنعها المجتمع للمرأة الخارجة عن القالب. كان يمكن تقديم الشخصية في إطار واقعي مباشر، لكن الرمز أتاح لها أن تتحرك بين الحاضر والذاكرة والأسطورة، وأن تتجاوز حكايتها الفردية إلى سؤال أوسع.

حين تجتمع الجرأة بالمعرفة والصبر والحرفة، يمكن أن تقدم الأجيال الجديدة أعمالا مهمة جدا، وربما تتجاوز ما أنجزته الأجيال السابقة

ولا أرى أن الكاتب الرجل عاجز عن تخيل تجربة امرأة، كما لا تكون الكاتبة محصورة في كتابة النساء. جوهر الرواية هو القدرة على تخيل الآخر، مع الإنصات والاحترام وعدم ادعاء امتلاك صوته كاملا.

في "الأديب الضليل" أيضا تظهر الجازي و(ف.خ) في مسارين مختلفين، إحداهما تتعرض لانكسارات قاسية، والأخرى تصنع حضورها عبر التعليم والاختيار والفرص. يهمني أن تكون المرأة في الرواية شخصية ذات إرادة وتناقضات ومصير، لا وظيفة سردية تكمل بطلا ذكوريا.

بدأت بالنشر الفعلي عام 2020، وتفرغت للكتابة بعد مسيرة علمية، كيف ترى المشهد السردي الشبابي الحالي في السعودية؟ هل يفتقر إلى العمق المعرفي أم يتفوق بالجرأة؟

أنظر إلى المشهد الشبابي السعودي بتفاؤل. الجيل الجديد يكتب في عالم مختلف تماما عن العالم الذي بدأنا فيه القراءة، أمامه مكتبة كونية مفتوحة، وترجمات كثيرة، ومنصات نشر، واتصال مباشر بالقارئ، وجرأة أكبر في الموضوع واللغة والشكل. هذه مكاسب مهمة.

وفي المقابل، وفرة المعلومات قد تمنح أحيانا وهم المعرفة، بينما العمق يحتاج إلى زمن وقراءة طويلة وتجربة وتأمل. أنا شخصيا جئت إلى النشر متأخرا نسبيا بعد سنوات من العمل والحياة وقراءة عدد كبير من الروايات، ولذلك أعرف قيمة التراكم قبل الكتابة. لكنني لا أعتقد أن العمق مرتبط بالعمر، كما أن الجرأة وحدها لا تصنع أدبا جيدا.

غلاف "قنطرة"

هناك أصوات شابة استطاعت الوصول إلى جمهور واسع، وهذه الظاهرة تستحق الدراسة باحترام بعيدا من النظرة المتعالية. حين تجتمع الجرأة بالمعرفة والصبر والحرفة، يمكن أن تقدم الأجيال الجديدة أعمالا مهمة جدا، وربما تتجاوز ما أنجزته الأجيال السابقة في بعض المسارات.

التكنولوجيا وأدوات الكتابة

تقول إن "الأديب يفكك تحولات الإنسان". في عصر الذكاء الاصطناعي والسرعة الرقمية، هل ما زالت الرواية قادرة على قيادة الوعي، أم تحولت إلى مجرد "متحف معرفي" للنخبة؟

لا أعتقد أن الرواية مطالبة بقيادة الوعي من موقع أعلى، قيمتها في قدرتها على إيقاظه وإرباك يقينياته وفتح نوافذ جديدة أمامه. الذكاء الاصطناعي جعل الوصول إلى المعلومة أسرع وأسهل، وسيجعل كثيرا من أشكال المعرفة متاحة بضغطة واحدة، لكن معرفة الإنسان لا تختصر في المعلومات.

التكنولوجيا ستغير أدوات الكتابة والقراءة والنشر، لكن السؤال القديم سيظل حاضرا: ما الإنسان؟ وما الذي يفعله الحب والخوف والذاكرة والفقد به؟

الرواية تمنح القارئ فرصة أن يعيش داخل عقل آخر، وأن يشعر بخوفه وتردده ورغبته وهزيمته، وهذه تجربة تختلف عن الحصول على إجابة سريعة. في "الأديب الضليل" يمكن أي شخص أن يبحث عن تعريف الضجر أو النرجسية أو الاغتراب، أما ما حاولت الرواية فعله فهو أن تجعل القارئ يعيش مع رجل امتلأ رأسه بالمعرفة حتى أصبحت المعرفة نفسها جزءا من محنته.

التكنولوجيا ستغير أدوات الكتابة والقراءة والنشر، لكن السؤال القديم سيظل حاضرا: ما الإنسان؟ وما الذي يفعله الحب والخوف والذاكرة والفقد به؟ لذلك أرى أن الرواية ستبقى حية، وربما تصبح حاجتنا إلى بطئها وتأملها أكبر في زمن السرعة.

font change

مقالات ذات صلة