يعد الروائي السعودي أحمد بن عبد العزيز السماري، صوتا غزيرا يمزج بين الواقعية والعمق الفلسفي وتفكيك تحولات الذاكرة والمجتمع. تبحر أعماله عبر محطات زمنية وفنية متصاعدة، بداية من روايته الأولى "الصريم" (2020)، ثم "قنطرة" (2022) ثم "ابنة ليليت" (2024)، وصولا إلى "فيلق الأبل" (2025). عن عوالم مشروعه الإبداعي، وأبعاد مولوده الأدبي الأحدث، رواية "الأديب الضليل" (2026)، كان لـ"المجلة" هذا الحوار معه.
في "الأديب الضليل"، يبدو أنك تفكك النرجسية الثقافية للمثقف. هل ترى أن "الضلال" في الرواية هو عقوبة الوعي الحاد، أم أنه نتيجة حتمية لانفصال الأديب عن واقعه الاجتماعي؟
أعتقد أن الضلال في الرواية يبدأ حين يتحول الوعي من نافذة نرى منها العالم إلى مرآة لا نرى فيها إلا أنفسنا. فهد فرج شخصية امتلك معرفة واسعة، وذاكرة استثنائية، وقدرة مدهشة على الحفظ والاستدعاء والمحاججة، غير أن هذه الوفرة المعرفية لم تمنحه الطمأنينة. حدث العكس تقريبا، كلما اتسعت المعرفة ضاق العالم من حوله، وكلما ازداد اقتناعا بتميزه ازدادت المسافة بينه وبين الآخرين.
لهذا لم أرد تقديم النرجسية الثقافية بوصفها صفة ساخرة في مثقف مغرور، وإنما حاولت تتبع اللحظة التي تتحول فيها المعرفة إلى عبء، والذكاء إلى عزلة، والإدهاش إلى إدمان لا يستطيع صاحبه الاستمرار من دونه. فهد نفسه يخاف التبلد أكثر مما يخاف الفشل، وحين تفقد الأشياء قدرتها على إدهاشه يدخل في الضجر، والضجر هو المرض الخفي الذي يرافق الرواية من بدايتها حتى نهايتها.
لذلك أرى أن "الضلال" هنا ناتج من تداخل عوامل كثيرة: وعي حاد، وجراح نفسية، واضطراب داخلي، وإحساس متضخم بالذات، وعجز عن المصالحة مع إيقاع الحياة العادية. في مرحلة من حياته يتصور فهد أن الآخرين لا يفهمونه، ثم تتحول هذه الفكرة تدريجيا إلى شعور بالمظلومية والتفوق معا. الرواية ترصد كيف يمكن الثقافة، حين تنفصل عن التواضع الإنساني وعن القدرة على التواصل، أن تتحول من خلاص إلى متاهة. هذا التحول حاضر بوضوح في مسار الشخصية حين تضيق حول ذاتها وتتضخم لديها فكرة عدم فهم الآخرين لها.





