أدونيس على حافة الضوء في "هجرة الشمس"

صاحب "هذا هو اسمي" يتأمل معنى الموت وذبول الجسد

GEOFFROY VAN DER HASSELT / AFP
GEOFFROY VAN DER HASSELT / AFP
الشاعر السوري أدونيس خلال حفل تسلمه جائزة خوان مارغاريت الدولية للشعر، في معهد ثربانتس بالعاصمة الفرنسية باريس، 11 ديسمبر 2024

أدونيس على حافة الضوء في "هجرة الشمس"

ليس من المفيد، ربما، أن نقرأ "هجرة الشمس" (دار الساقي، 2026) لأدونيس باعتباره محاولة لإضافة منعطف جديد إلى تجربته الشعرية الطويلة. فالديوان لا يبدو مشغولا بإعادة اختراع القصيدة، ولا يقدم مغامرة جمالية يمكن وضعها في مستوى التحولات التي عرفها شعر أدونيس في مراحله المؤسسة. قوته، إذا كان له أن يقرأ بعيدا عن انتظار "جديد أدونيس"، تكمن في مكان آخر: في النبرة الشخصية التي تتخلل نصوصه، وفي حضوره الواضح لأسئلة الموت والغياب والتقدم في السن والذاكرة والجسد.

في هذا المعنى، يبدو ديوان "هجرة الشمس" أقرب إلى سيرة شعرية متقطعة. ليست سيرة بالمعنى الحكائي، ولا اعترافات شخصية متسلسلة، وإنما شظايا من حياة طويلة تتسرب إلى القصيدة: أب يرحل، مدن وأمكنة، أصدقاء، جسد يتقدم في العمر، وذاكرة تستعيد ما غاب. لذلك فإن التعامل مع الديوان بوصفه تأملا متأخرا في الحياة قد يكون أكثر إضاءة من محاولة إخضاعه لمعيار التجديد الشعري وحده.

العنوان نفسه يضعنا في قلب هذه التجربة. الشمس هي الضوء والحياة والكشف، لكنها هنا "تهاجر". إنها صورة للزمن الذي لا يتوقف، وللحياة التي تتحرك تدريجيا نحو الغياب. ومنذ الصفحات الأولى، يبدو الشاعر منشغلا بالسؤال عما تبقى منه داخل العالم.

العمر مادة للقصيدة

أكثر ما يلفت في الديوان هو أن العمر يشكل موضوعه المباشر. في نص "صيغة" (ص 26)، يخاطب أدونيس جسده: "جسدي- أتقدم فيه/ أتأخر فيه"، ثم يقول: "أوقظ شيخوختي / أقص عليها سفري". الشيخوخة هنا أقرب إلى كائن يخاطبه الشاعر، كأن السنوات التي عاشها أصبحت شخصا آخر يجلس إليه ويروي له حكايته.

هذه الصورة تمنح الكتاب خصوصيته. فالشاعر يكتب من داخل الزمن، من مرحلة أصبح فيها العمر نفسه تجربة قابلة للتأمل. وفي الصفحة 53 يقول: "ما أجمل حياتي في سيرها نحو الشيخوخة/ يتسابق النهار والليل لاحتضانها". تظهر الشيخوخة هنا باعتبارها جزءا من جمال الحياة. ثمة قبول لحركة العمر، لكنه قبول لا يخلو من القلق.

الموت حدث لا يقع في نهاية الطريق. إنه رفيق يومي، يقترب من الذات ويجلس إلى جوارها. ولذلك يكتب الشاعر عن الموت باعتباره العيش في ظل معرفته

ذلك القلق يظهر بصورة أكثر كثافة في الصفحة 47: "يكاد عمري أن يقول وداعا للضوء/ ولم أتقن بعد فن الاستضاءة". ربما تختصر هذه العبارة جانبا أساسيا من الديوان كله. فالاقتراب من الغياب يشعر الشاعر بأنه لم يتقن بعد الحكمة أو التنوير أو "فن الاستضاءة". سنوات الحياة لم تنتج يقينا نهائيا، وإنما جعلت الحاجة إلى الفهم أكثر إلحاحا.

ومن هنا يبدو الموت حاضرا بوصفه جزءا من الوعي بالحياة. في "ينابيع" (ص 16) يقول أدونيس: "كل يوم، أرى الموت في صورة"، ثم يراه "يجيء، ويجلس قربي، صامتا، ضاحكا". الموت حدث لا يقع في نهاية الطريق. إنه رفيق يومي، يقترب من الذات ويجلس إلى جوارها. ولذلك يكتب الشاعر عن الموت باعتباره العيش في ظل معرفته.

وهذا ما يفسر أيضا حضور الجسد. في الصفحة 55 يقول الشاعر: "الجسد، جسدي، هو الكتاب الأكثر غموضا". الجسد هنا أرشيف للسنوات، وكتاب لا يمكن الانتهاء من قراءته. وإذا كانت الكتابة وسيلة أدونيس القديمة لفهم العالم، فإن الجسد يصبح في هذا الديوان نصا آخر، أقرب وأكثر غموضا.

في هذا المعنى، لا يمكن اختزال "هجرة الشمس" في كونه ديوانا عن الشيخوخة. الأدق أنه ديوان عن الوعي بالشيخوخة، أي عن اللحظة التي يصبح فيها مرور الزمن محسوسا في الجسد والذاكرة والنظر إلى الأشياء.

الأب والمدن: السيرة التي تتخفى في الشعر

يصبح البعد السيري أوضح حين يستعيد الديوان الأشخاص والأمكنة. في نص "الحزن، بيتا" (ص 31) يكتب أدونيس: "مات أبي مسافرا في نهايات الصيف". الجملة، في بساطتها، تختلف عن اللغة التأملية التي تهيمن على أجزاء كثيرة من الكتاب. هنا نحن أمام حدث شخصي: أب يموت، وذاكرة تستعيده.

REUTERS/Jamal Saidi
منازل قديمة في بيروت، لبنان، 25 سبتمبر 2018

ومن الأب ينتقل النص إلى المدينة: "أكاد أن أسمع بيروتا تئن وتنشج". وهنا يتداخل الشخصي بالجماعي. موت الأب لا ينفصل عن ذاكرة المدن التي عرفها الشاعر، كما أن جرح المدينة يدخل في السيرة الفردية. بيروت هي جزء من الذاكرة التي يحملها الشاعر.

ثم يضيف: "الحزن،/ أتمنى أحيانا/ أن يكون بيتا لا يتسع لغيري". يتحول الحزن هنا إلى مكان للسكن، كأن الغياب أصبح جزءا من الجغرافيا الشخصية للشاعر. هذه من أكثر صور الديوان دلالة، لأنها تجعل الذاكرة مكانا، وتجعل الموت شيئا يمكن أن يسكنه الإنسان.

تتكرر هذه العلاقة بين المكان والغياب في صور السفر والطريق والمدينة. فالسفر، في الديوان، لا يعني الانتقال المكاني فقط، وإنما مغادرة مراحل من الحياة

تتكرر هذه العلاقة بين المكان والغياب في صور السفر والطريق والمدينة. فالسفر، في الديوان، لا يعني الانتقال المكاني فقط، وإنما مغادرة مراحل من الحياة. وما يتركه الإنسان وراءه لا يختفي، يتحول إلى ذاكرة.

حتى الطبيعة تعمل بالطريقة نفسها. الشمس، الليل، النهار، الريح، الماء والتراب هي أقرب إلى علامات على الزمن. الطبيعة تقيس العمر بدل الشاعر. في الصفحة 51 يتحول مشهد العنكبوت وشبكته إلى تأمل في المصير: "سهل هو الموت، وربما أصعب الحياة!". التفاصيل الصغيرة تصبح مدخلا إلى سؤال وجودي واسع. وفي هذا السياق، لا تبدو الطبيعة ملاذا من الموت، فهي تكشف حركته. تعاقب الليل والنهار، تغير الضوء، حركة الشمس، كلها صور لحياة لا تتوقف عن التحول.

أما الذاكرة فتمنح الديوان بنيته الفعلية. فالنصوص تتحرك كما تتحرك الذاكرة: صورة تستدعي أخرى، شخص يقود إلى مكان، والمكان يستدعي زمنا بعيدا. ولهذا تبدو الشذرة، والمقطع القصير، والاستفهام، مناسبة لطبيعة الكتاب. هناك بقايا حكاية يريد الشاعر أن  ينقذها من النسيان، لا أن يرويها كاملة.

الشعر من موقع العمر

من الطبيعي أن يحضر تاريخ أدونيس الشعري في قراءة "هجرة الشمس"، لكن المقارنة مع أعماله السابقة ينبغي ألا تطغى على خصوصية الديوان. يكفي أن نلاحظ أن الشاعر الذي جعل من التحول والقطيعة والتجريب عناصر أساسية في مشروعه، يكتب هنا من موقع مختلف: موقع من ينظر إلى الزمن الذي عبره، لا إلى المستقبل الذي يريد اختراعه.

غلاف "هجرة الشمس"

لهذا يكتسب حضور الشعراء القدامى في الكتاب معنى خاصا. في الصفحة 258 يرد اسم امرئ القيس في حوار مع قوله في معلقته، قبل أن ينتهي المقطع بالسؤال: "ليل الصورة؟ شمس المعنى؟". استدعاء امرئ القيس في هذه المرحلة أقرب إلى لقاء بين شاعر حداثي وآخر من أقدم الأصوات المؤسسة للذاكرة الشعرية العربية. والمهم هنا أن أدونيس لم يعد في حاجة إلى إعلان القطيعة مع الماضي. لقد أصبح هو نفسه جزءا من تاريخ الشعر العربي الحديث، ولذلك يبدو حواره مع امرئ القيس أشبه بمراجعة لذاكرة الشعر، بقدر ما هو استدعاء للتراث.

من هذه الزاوية، يمكن الإشارة إلى أعماله الفارقة على مدى سنين طويلة: "أغاني مهيار الدمشقي" و"هذا هو اسمي" و"مفرد بصيغة الجمع" فقط لتحديد المسافة التي قطعها الشاعر. في هذه الدواوين ارتبط السؤال أكثر بالقصيدة والهوية والتاريخ والتحول، أما في "هجرة الشمس" فإن هذه العناصر تنسحب إلى خلفية أهدأ، ويصبح السؤال الأكثر إلحاحا: ماذا يفعل الزمن بالذات التي عاشت كل هذه التجربة؟

يقترب أدونيس من صورته الإنسانية أكثر مما يقترب من صورته التاريخية بوصفه أحد مجددي الشعر العربي

"هجرة الشمس" في هذا المعنى ليس ديوان أفول. هو ديوان الوعي بالأفول. الشمس لا تختفي دفعة واحدة، إنها تهاجر، مثلما يبتعد العمر تدريجيا. والشاعر لا يحاول إيقافها، وإنما يتأمل حركتها. ولعل أكثر ما يختصر هذا الكتاب هو ذلك الاعتراف: "يكاد عمري أن يقول وداعا للضوء/ ولم أتقن بعد فن الاستضاءة".

في هذه العبارة يقترب أدونيس من صورته الإنسانية أكثر مما يقترب من صورته التاريخية بوصفه أحد مجددي الشعر العربي. يصبح السؤال هنا كيف يمكن الإنسان أن ينظر، عبر الشعر، إلى حياته حين يصبح الزمن نفسه موضوعا للكتابة، وحين تصبح الذاكرة شكلا من أشكال الحضور، ويصبح الغياب جزءا من السيرة، ويغدو الموت أقرب إلى السؤال منه إلى النهاية.

font change

مقالات ذات صلة