ليس من المفيد، ربما، أن نقرأ "هجرة الشمس" (دار الساقي، 2026) لأدونيس باعتباره محاولة لإضافة منعطف جديد إلى تجربته الشعرية الطويلة. فالديوان لا يبدو مشغولا بإعادة اختراع القصيدة، ولا يقدم مغامرة جمالية يمكن وضعها في مستوى التحولات التي عرفها شعر أدونيس في مراحله المؤسسة. قوته، إذا كان له أن يقرأ بعيدا عن انتظار "جديد أدونيس"، تكمن في مكان آخر: في النبرة الشخصية التي تتخلل نصوصه، وفي حضوره الواضح لأسئلة الموت والغياب والتقدم في السن والذاكرة والجسد.
في هذا المعنى، يبدو ديوان "هجرة الشمس" أقرب إلى سيرة شعرية متقطعة. ليست سيرة بالمعنى الحكائي، ولا اعترافات شخصية متسلسلة، وإنما شظايا من حياة طويلة تتسرب إلى القصيدة: أب يرحل، مدن وأمكنة، أصدقاء، جسد يتقدم في العمر، وذاكرة تستعيد ما غاب. لذلك فإن التعامل مع الديوان بوصفه تأملا متأخرا في الحياة قد يكون أكثر إضاءة من محاولة إخضاعه لمعيار التجديد الشعري وحده.
العنوان نفسه يضعنا في قلب هذه التجربة. الشمس هي الضوء والحياة والكشف، لكنها هنا "تهاجر". إنها صورة للزمن الذي لا يتوقف، وللحياة التي تتحرك تدريجيا نحو الغياب. ومنذ الصفحات الأولى، يبدو الشاعر منشغلا بالسؤال عما تبقى منه داخل العالم.
العمر مادة للقصيدة
أكثر ما يلفت في الديوان هو أن العمر يشكل موضوعه المباشر. في نص "صيغة" (ص 26)، يخاطب أدونيس جسده: "جسدي- أتقدم فيه/ أتأخر فيه"، ثم يقول: "أوقظ شيخوختي / أقص عليها سفري". الشيخوخة هنا أقرب إلى كائن يخاطبه الشاعر، كأن السنوات التي عاشها أصبحت شخصا آخر يجلس إليه ويروي له حكايته.
هذه الصورة تمنح الكتاب خصوصيته. فالشاعر يكتب من داخل الزمن، من مرحلة أصبح فيها العمر نفسه تجربة قابلة للتأمل. وفي الصفحة 53 يقول: "ما أجمل حياتي في سيرها نحو الشيخوخة/ يتسابق النهار والليل لاحتضانها". تظهر الشيخوخة هنا باعتبارها جزءا من جمال الحياة. ثمة قبول لحركة العمر، لكنه قبول لا يخلو من القلق.


