رسالة الانتخابات... عقم المراهنة على تغيير في سياسات إسرائيل الخارجية

نتنياهو استطاع أن يؤثّر فيها، داخليا وخارجيا، أكثر من أي شخصية أخرى في تاريخها

(بيت رينولدز/المجلة)
(بيت رينولدز/المجلة)

رسالة الانتخابات... عقم المراهنة على تغيير في سياسات إسرائيل الخارجية

لم تتمخّض انتخابات الكنيست الإسرائيلي للدورة 26 عن نتيجة حاسمة أو يقينية بخصوص تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة، التي يفترض أن تخلف حكومة اليمين القومي والديني المتطرف بزعامة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، كما بشأن التوجهات السياسية التي يمكن أن تحكمها مستقبلا، سواء على صعيد الداخل الإسرائيلي، أو على الصعيد الخارجي.

معلوم أن هذه الانتخابات تشكّل مرحلة، أو مفصلا، مهماً في تاريخ إسرائيل، نسبة لحسم التناقض بين طابعها كدولة قومية يهودية ودينية، أو كونها دولة ديمقراطية وليبرالية لمواطنيها، كما نسبة لطبيعة التحديات أو المواجهات الخارجية التي تتعلق بتحديد مفهومها لأمنها القومي، ومكانتها في الشرق الأوسط، وعلاقتها بالفلسطينيين، وطريقة تعاملها مع سوريا ولبنان، والحرب ضد إيران، وطبيعة علاقتها بالغرب، ولا سيما بالولايات المتحدة.

وربما يجدر التنويه هنا إلى أن كل تلك المشكلات، أو التحديات، نجمت عن السياسات، والخيارات، التي انتهجها بنيامين نتنياهو، الذي تحكّم بسياسات إسرائيل، الداخلية والخارجية، طوال العقود الثلاثة الماضية، ولا سيما منذ عام 2009، مع محاولته تغيير طبيعة إسرائيل، وتغيير واقعها في الشرق الأوسط، وكونه الذي أخذ إسرائيل إلى أطول حرب، وأكثرها كلفة، في تاريخها، من النواحي البشرية والمادية والمعنوية.

أهم مخرجات الانتخابات

رغم كل ذلك، ورغم حدة المعارضة لسياسات نتنياهو، والحماس لإسقاطه، وإنهاء زمنه السياسي، فقد كشفت النتائج عن بقائه كرقم صعب في السياسة الإسرائيلية، ونشوء نوع من تعادل بينه وبين معارضيه، من الأقطاب الآخرين، غادي آيزنكوت، ونفتالي بينيت، ويائير لابيد، وأفيغدور ليبرمان، علما أنهم كلهم من المحسوبين على اليمين القومي، لكن العلماني، في إسرائيل، ما يمكن تفسيره بانزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، والتطرف، والتعصب، بدعوى صد الحرب الوجودية، وهو الأمر الذي يجيد نتنياهو الاستثمار فيه أكثر من غيره.

بيد أن تلك الانتخابات تمخّضت أيضا عن نتيجة لافتة تمثلت بصعود وزن القائمتين العربيتين في السياسة الإسرائيلية، بحصولهما على 19 مقعدا، وهو أمر غير مسبوق، ويعكس إرادة فلسطينيي 48 على فرض مكانتهم، في وجه التجبر الإسرائيلي، الذي مثله عهد نتنياهو، الذي كان قد صدر في عهده قانون-أساس، يعتبر إسرائيل دولة قومية لليهود، حصرا.

وعلى أية حال فإن المحصلة الأساسية لتلك الانتخابات أن أصوات الفلسطينيين في الكنيست باتت بمثابة بيضة القبان في تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة، أو عدم تشكيلها، بحكم أن أيا من الفريقين المتنافسين، أي نتنياهو والفريق المعارض بزعامة غادي آيزنكوت، لن يستطيع تشكيل الحكومة منفردا، ما سيفرض على كل منهما مساومة الطرف الآخر، أو الذهاب نحو انتخابات مبكرة، كما جرى في الفترة من 2019-2022، التي شهدت خمس دورات انتخابية.

رويترز
دبابة إسرائيلية تسير بمحاذاة خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل ، في 20 أغسطس 2026

استمرارية زمن نتنياهو

الآن، وبحكم عدم الحسم، وجمود التوازنات السياسية، في إسرائيل، فإن نتنياهو سيستمر على رأس الحكومة الإسرائيلية، على الأرجح، إن استطاع جذب أطراف أخرى من بين معارضيه لإتلاف جديد بقيادته، أو بوصفه قائما بأعمال الحكومة، في المرحلة الانتقالية، ريثما يتم عقد دورة انتخابية جديدة، الأمر الذي سيمكنه من مواصلة خياراته الحربية، إزاء الفلسطينيين، في غزة والضفة، كما إزاء لبنان وسوريا، وصولاً لإيران، وهذا ما يرتب عليه مع الإدارة الأميركية.

لكن لا يفترض من ذلك الاستنتاج أن السياسات التي قد تنتهجها إسرائيل في عهد غادي آيزنكوت، في حال تمكن من تشكيل حكومة إسرائيلية، أو أي شخص غيره، ستختلف عن سياسات نتنياهو، إذ إن هامش الخلاف بين الطرفين اليمينيين، ضئيل جدا، في القضايا الأمنية، وفي المسألة الفلسطينية، بمعنى أن الخلاف بينهما ينحصر، على الأغلب، بالطبيعة الشخصية، وبالسياسات التي تمسّ النظام السياسي في إسرائيل، وأيضا، بتحسين صورتها في الغرب.

مع تأكيد آيزنكوت على مسايرة التوجهات الأميركية في الشرق الأوسط، فإنه يؤكد، أيضا، على استغلال الفرصة التاريخية، الراهنة، لمواصلة الحرب المشتركة ضد إيران، وتصفية الأذرع العسكرية التابعة لها

على الصعيد الخارجي، يجدر بنا هنا ملاحظة أن الإدارة الأميركية، ورئيسها دونالد ترمب، كانت أعلنت بوضوح دعمها لبنيامين نتنياهو، في خضم العملية الانتخابية في إسرائيل، مع الإطناب في مديحه، وتثمين مشاركته معها في الحرب ضد إيران، كأنها بذلك تعده بمثابة مرشح لها لرئاسة حكومة إسرائيل، بالرغم من كل التوترات التي حصلت بين ترمب ونتنياهو، في ملفات الحرب ضد إيران، والمداخلات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وسوريا، وإزاء الفلسطينيين.

ما ينبغي إدراكه، أيضا، أن أية حكومة إسرائيلية قادمة، سواء بقيادة نتنياهو أو آيزنكوت، أو أي أحد آخر، لن تستطيع الانسحاب من المناخ الحربي السائد في المنطقة، أو بمعنى أخر، لن تستطيع النزول تحت السقف الذي فرضه نتنياهو، سيما بما يتعلق بالفلسطينيين في الضفة وغزة، أو ما يتعلق بلبنان وسوريا، والحرب ضد إيران، كما لن تستطيع التصرف في الملفات الخارجية بمعزل، أو بما يتعارض، مع السياسات التي تنتهجها الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط، من لبنان إلى إيران.

خيارات آيزنكوت

مثلا، بالنسبة لغادي آيزنكوت، فقد كان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي سابقا، وعرف كصاحب "عقيدة الضاحية"، التي تم تطبيقها إبان الحرب على لبنان 2006، ونجم عنها تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت، مع تدمير كثير من البلدات والقرى في الجنوب اللبناني.

أيضا، يسجّل في تاريخ آيزنكوت أنه سارع، بعد عملية "طوفان الأقصى" (مع الجنرال بيني غانتس، زعيم حزب "أزرق-أبيض") لتقديم الدعم لنتنياهو في حرب الإبادة الوحشية، التي شنّها ضد فلسطينيي غزة، بمشاركتهما في حكومة "الطوارئ" التي شكلها نتنياهو آنذاك، وإن انسحبا بعدها، بعدة أشهر، لأسباب شخصية وسياسية، ولخلافهما مع نتنياهو على طريقة إدارة الحرب، واليوم التالي في غزة.

ومع تأكيد آيزنكوت على مسايرة التوجهات الأميركية، السياسية والعسكرية، في الشرق الأوسط، فإنه يؤكد، أيضا، على استغلال الفرصة التاريخية، الراهنة، لمواصلة الحرب المشتركة ضد إيران، وتصفية الأذرع العسكرية التابعة لها في عموم المنطقة.

في هذا الإطار، فإن آيزنكوت يختلف عن نتنياهو بتفضيله الطرق السياسية، أو التفاوضية، للتفاهم مع سوريا ولبنان، بما يشمل الإقلاع عن التدخل المباشر في أوضاعهما، أو محاولة فرض مناطق أمنية فيهما، لكن ذلك بغرض التسهيل مستقبلا على محاولة عقد اتفاقيات سلام، باعتبار كل ذلك، مع ضرب إيران، قد يسهم في دفع دول عربية للانفتاح على إسرائيل، وتوقيع اتفاقيات سلام معها، كما يمكن أن يسهم بفك العزلة الدولية عن إسرائيل، وتحسين صورتها، التي تعرضت للتآكل، على الصعيد الدولي.

رويترز
فلسطيني يتفقد موقع منزل استُهدف بغارة جوية إسرائيلية ، في مدينة غزة، 16 أكتوبر 2026

فلسطينيا، وعلى الرغم من أن آيزنكوت يعارض إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين، فإنه يرفض تفكيك السلطة الفلسطينية، ويحرص على بقائها كسلطة حكم ذاتي إداري، ورغم أنه يعارض أنشطة المستوطنين، واعتداءاتهم على الفلسطينيين في الضفة الغربية، فإنه لا يعارض بشكل مطلق الاستيطان، بشرط أن يتوافق مع القانون الإسرائيلي، ورغم أنه يتمسك بضرورة احتفاظ الجيش الإسرائيلي بالسيطرة الأمنية العليا في الضفة، فإنه يؤيد إعادة الصلاحيات الأمنية والإدارية التي نُقلت إلى وزراء من اليمين المتطرف، مثل بن غفير، وسموتريتش، إلى المنظومة العسكرية، وإخلاء البؤر غير القانونية في المنطقتين (أ) و(ب)، مع مطالبته بتحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين في الضفة. أما إزاء غزة، فهو يطالب بإنهاء حكم "حماس"، بشكل مطلق، مع رفضه عودة الحكم العسكري، أو الاستيطان، إليها، وتفضيله الخطة الأميركية (خطة ترمب) بشأن إقامة إدارة مدنية فلسطينية فيها، مدعومة من أطراف عربية ودولية.

نتنياهو، الذي تحكم لثلاثة عقود بتوجهات السياسة الإسرائيلية، ضمنها 19 سنة على رأس الحكومة (حتى الآن)، استطاع أن يؤثّر في إسرائيل، داخليا وخارجيا، أكثر من أي شخصية أخرى، في تاريخها

وفي شأن فلسطينيي 48، من مواطني إسرائيل، فقد تبنى آيزنكوت عدة شروط للتعاون، أو التنسيق، مع أية قائمة عربية، تتمثل بالاعتراف بمبدأ يهودية دولة إسرائيل، ورفض إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، واعتبار حركة "حماس" حركة إرهابية، والقبول بالخدمة المدنية، إذ إنه هنا خضع لابتزاز نتنياهو، الذي طرح فكرة عدم قيام حكومة إسرائيلية بدعم أصوات عربية، وذلك لقطع الطريق على آيزنكوت.

بيد أن ما بعد الانتخابات غير ما قبلها، بمعنى أن تلك الشروط قد تتعرض للتدوير، أو للتأكل، إذ قد يجد آيزنكوت نفسه مضطرا، بطريقة ما، أو بمساومة ما، لإقامة نوع من شراكة مع القوائم العربية، مباشرة أو غير مباشرة.

عقم الرهان على تغيير إسرائيلي

يستنتج من كل ما تقدم أن الخيار في إسرائيل، بالنسبة لسياساتها الخارجية، هو خيار اليمين القومي والديني، وهو خيار حربي، بمجمله، بغض النظر عن الخلاف حول بعض التفاصيل، وهذا نتيجة للانزياح في المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، ونحو السياسات الشعبوية، والمتطرفة، وبحجة الدفاع عن الوجود، وأمن إسرائيل الاستراتيجي، وعدم السماح بتكرار "طوفان أقصى" آخر.

وكما لاحظنا، ففي ظل حكومة نتنياهو الحالية، التي تعرف بأنها أكثر حكومة تطرفا عرفتها إسرائيل في تاريخها، لم تعد تبالي بالادعاءات التي صاحبت نشوءها قبل قرابة ثمانية عقود، إذ لم تعد تبالي بتقديم نفسها كضحية، ولا كضعيفة تستحق تعاطف الآخرين، ولا بتقديم نفسها كامتداد للغرب، بتمسكها بقيم الديمقراطية الليبرالية، وهو ما تترجمه بإصرارها على انتهاج سياسات حربية وإبادية وعنصرية ضد الفلسطينيين، وتبرمها من الرأي العام الناقد لها في الغرب، كدول ومجتمعات، إلى درجة التهديد بنزع شرعيتها، كما لم يعد يهمها الظهور بمظهر الدولة "الإسبرطية"، التي تعيش على الحرب، في مواجهة محيطها.

رويترز
المرشح الفلسطيني منصور عباس، زعيم حزب "القائمة العربية الموحدة" (رعَم) أثناء الإدلاء بصوته في أحد مراكز الاقتراع في الانتخابات الإسرائيلية، في بلدة المغار بإسرائيل، 27 أكتوبر 2026

ويمكن الاستدلال على ذلك من نتيجة التصويت في الانتخابات، ومن تصريحات أقطاب المعارضة الآخرين، فلا أحد يرى الفلسطينيين، كأصحاب حق، ولا أحد يرى إسرائيل إلا كدولة متجبرة في الشرق الأوسط، ما يؤكد أن الصراع الجاري في إسرائيل، في هذه المرحلة من تاريخها، هو بين اليمين واليمين، في حين بالكاد يمكن أن يلحظ اليسار، الذي اختفى تقريبا من مجمل الخريطة السياسية الإسرائيلية.

الخلاصة، من كل ما تقدم، أن نتنياهو، الذي تحكم لثلاثة عقود بتوجهات السياسة الإسرائيلية، ضمنها 19 سنة على رأس الحكومة (حتى الآن)، استطاع أن يؤثّر في إسرائيل، داخليا وخارجيا، أكثر من أي شخصية أخرى، في تاريخها، ربما بما يوازي تأثير المؤسّس ديفيد بن غوريون ذاته، الذي كان شغل منصب رئيس حكومة إسرائيل لـ14 عاما.

على ذلك، ففي هذه الظروف، والمعطيات، وضمنها وجود إدارة أميركية على رأسها شخصية كدونالد ترمب، وفي ظل مناخات الحرب ضد إيران، مع عدم وجود أي ضغط دولي أو إقليمي على إسرائيل، لا يمكن المراهنة على تغيير سياسي فيها، ونتائج الانتخابات الإسرائيلية هي رسالة في هذا الاتجاه.

font change

مقالات ذات صلة