كندا وأوروبا... تحالف جديد في ظل الضغوط الأميركية

في قمة مونتريال، أطلقت كندا والاتحاد الأوروبي "تحالف المستقبل"، في خطوة تهدف الى توسيع التعاون في التجارة والطاقة والتكنولوجيا والدفاع، وسط ضغوط السياسات التجارية الأميركية

رويترز
رويترز
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، وأنطونيو كوستا رئيس المجلس الأوروبي وأورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، خلال اجتماع مع قادة الأعمال على هامش قمة كندا والاتحاد الأوروبي في مدينة مونتريال، كندا 29 أكتوبر 2026

كندا وأوروبا... تحالف جديد في ظل الضغوط الأميركية

لا يمكننا اختصار التقارب الأوروبي الكندي بحدود التنسيق السياسي في مواجهة السياسات التجارية لإدارة دونالد ترمب. فما حصل يعكس محاولة أوسع لإعادة رسم العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين قوى غربية تسعى إلى تنويع أسواقها ومصادر إمدادها وتقليل اعتمادها المفرط على الولايات المتحدة.

ففي مونتريال، يومي 29 و30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أطلق قادة الاتحاد الأوروبي وكندا "تحالف المستقبل" (Alliance for the Future)، واضعين إطارا لشراكة تتجاوز حدود الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة (CETA)، لتشمل الأمن الاقتصادي والمعادن الحرجة والطاقة والدفاع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاتصالات الفضائية. وجاءت القمة في ظل تصاعد التوترات التجارية مع واشنطن، وما أظهرته من هشاشة الاعتماد على شريك اقتصادي واحد، حتى عندما تكون العلاقات معه متجذرة في تحالفات سياسية وأمنية طويلة الأمد.

لا يمثل التحالف إنشاء تكتل اقتصادي جديد بقدر ما يمثل محاولة لتطوير الشراكة القائمة وتحويلها إلى فضاء مشترك للازدهار والأمن الاقتصادي، يقوم على تكامل الموارد الطبيعية الكندية مع القدرات الصناعية والتكنولوجية والمالية الأوروبية. وقد حدد البيان المشترك ستة مجالات رئيسة للتعاون، تشمل التجارة والتنظيم الاقتصادي، والتكنولوجيا الرقمية والبحث والاتصالات، والموارد الحرجة والطاقة، والخدمات والأسواق المالية، والأمن والاستعداد للطوارئ، والعلاقات بين الشعوب.

قاعدة تجارية متينة لكنها غير متوازنة

يستند التقارب إلى قاعدة تجارية قائمة منذ سنوات. فقد دخلت الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة حيز التطبيق المؤقت في 21 سبتمبر/أيلول 2017، وألغت عند بدء تنفيذها الرسوم الجمركية على 98 في المئة من البنود، لترتفع النسبة إلى 99 في المئة عام 2024. ومع ذلك، لم تستكمل الاتفاقية إجراءات التصديق الوطني في جميع الدول الأعضاء، إذ لا تزال تسع دول بحاجة إلى إتمام إجراءاتها، رغم استمرار تطبيق معظم أحكامها. ووفق المجلس الأوروبي، بلغ التبادل التجاري بين الاتحاد وكندا في السلع والخدمات نحو 130 مليار يورو عام 2025، بزيادة تجاوزت 80 في المئة مقارنة بعام 2016.

من أبرز نتائج قمة مونتريال هو الانتقال بالتعاون التجاري إلى مجالات لم تكن الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة مصممة لمعالجتها بالتفصيل

لكن هذا الحجم لا يزال محدودا قياسا إلى الاعتماد الكندي على السوق الأميركية. فقد استوعبت الولايات المتحدة 71.7 في المئة من صادرات كندا السلعية عام 2025، مقابل 75.9 في المئة عام 2024، وفق هيئة الإحصاء الكندية. في المقابل، ارتفعت صادرات كندا إلى الأسواق الأخرى بنسبة 17.2 في المئة خلال العام نفسه، كما نمت التجارة السلعية مع الدول خارج الولايات المتحدة بنسبة 14.3 في المئة مسجلة 553 مليارا عام 2025، وتعكس هذه الأرقام بداية تحول في اتجاهات التجارة الكندية، لكنها لا تعني أن أوتاوا أصبحت قادرة على الاستغناء عن السوق الأميركية أو تعويضها سريعا بالأسواق الأوروبية والآسيوية.

رويترز
أنيتا أناند، وزيرة الخارجية الكندية، وكايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، خلال مراسم التوقيع على اتفاقية الدولة المضيفة بين الجانبين، في مونتريال بمقاطعة كيبيك الكندية، في 29 أكتوبر 2026

وتكمن المشكلة في أن تنويع التجارة لا يتعلق فقط بإيجاد مشترين جدد، بقدر إعادة تشكيل شبكات إنتاج ونقل وتمويل متداخلة، تراكمت عبر عقود من التكامل الاقتصادي بين كندا والولايات المتحدة. لذلك، فإن توسيع التجارة مع أوروبا يمثل مسارا لتقليل المخاطر وتوفير بدائل إضافية، وليس مشروعا لفك الارتباط الاقتصادي مع واشنطن.

تحالف متعدد القطاعات وفرص اقتصادية

من أبرز نتائج قمة مونتريال هو الانتقال بالتعاون التجاري إلى مجالات لم تكن الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة مصممة لمعالجتها بالتفصيل. فقد أعلن الطرفان استكمال المفاوضات الموضوعية في شأن اتفاق للتجارة الرقمية (Digital Trade Agreement)، يهدف إلى توفير قواعد حديثة للتجارة الإلكترونية، وتسهيل تدفق البيانات عبر الحدود، وتعزيز اليقين القانوني للشركات والمستهلكين. ويكمل الاتفاق الإطار التجاري القائم، لكنه لا يعني أن قواعده أصبحت نافذة تلقائيا، إذ لا تزال الإجراءات القانونية اللازمة لاعتماده وتنفيذه مطلوبة. كذلك استُكملت المفاوضات في شأن اتفاق محدث للتعاون في المنافسة (Competition Cooperation Agreement)، بما يعزز قدرة سلطات الجانبين على مواجهة الممارسات الاحتكارية والسلوكيات التي تقوض المنافسة في الأسواق العابرة للحدود.

وتحتل المعادن الحرجة موقعا محوريا في هذه الشراكة. ففي خطابها بمعهد سي. دي. هاو (C.D. Howe Institute) في مونتريال يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول، كشفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن واردات الاتحاد الأوروبي من المعادن الحرجة الكندية قفزت بنسبة 62 في المئة من حيث القيمة خلال العام السابق، لتبلغ 3.3 مليارات يورو، وتشمل الليثيوم والكوبالت والنيكل والغرافيت، وهي مواد أساس لصناعات البطاريات والسيارات الكهربائية والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.

ولا تتعلق المسألة بتأمين المواد الخام فحسب، بل بالسيطرة على حلقات سلسلة القيمة، من الاستخراج إلى المعالجة والتكرير والتصنيع وإعادة التدوير. ففي الوقت الذي تسعى فيه أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الصين في عدد من هذه المواد، تمتلك كندا موارد طبيعية وخبرات تعدين وقدرات إنتاجية يمكن أن تساعدها في بناء مصادر إمداد أكثر تنوعا واستقرارا.

وفي هذا الإطار، أعلن الطرفان استكمال المفاوضات في شأن اتفاق مع البنك الأوروبي للاستثمار (European Investment Bank – EIB)، يهدف إلى تسهيل الاستثمارات الأوروبية في مشاريع الموارد الحرجة الكندية، ولا سيما المعادن الاستراتيجية. وقد وقّع البنك الأوروبي للاستثمار والحكومة الكندية اتفاقا إطاريا (Framework Agreement) في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يتيح للبنك تقديم التمويل والمساعدة الفنية للمشاريع المؤهلة في كندا. ولا يعني ذلك اعتماد تمويل تلقائي لمشاريع بعينها، إذ يخضع كل مشروع للتقييم والموافقة بصورة مستقلة. كما اتفق الطرفان على استكشاف آليات لتطوير مخزونات من المواد الخام الأساس، وتعزيز التعاون في مختلف مراحل سلسلة القيمة، بما يقلل التعرض لتقلبات الأسواق والضغوط الجيوسياسية. وبذلك ينتقل التعاون من مجرد تأمين الواردات إلى تشجيع الاستثمار في المشاريع الإنتاجية والبنية الصناعية التي توفرها.

يكتسب التعاون التكنولوجي أهمية خاصة في ظل احتدام المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة وأشباه الموصلات

ويمتد التعاون إلى الطاقة، حيث اتفق الجانبان على إجراء دراسة جدوى طويلة الأمد لصادرات الغاز الطبيعي المسال الكندي إلى أوروبا، إلى جانب بحث فرص الربط والاستثمار والترتيبات التجارية الطويلة الأجل. وتكتسب هذه الخطوة أهمية في ضوء حاجة أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة، ورغبة كندا في توسيع أسواق صادراتها، وإن كان نجاحها سيظل مرتبطا بتكاليف النقل والبنية التحتية والتزامات الطرفين المناخية. كما أن وجود عقود توريد طويلة الأجل سبق أن أبرمتها شركات أوروبية مع موردين كنديين، ومنها "سيفي"  (SEFE) و"يونيبر" (Uniper) ) الألمانيتان و"توتال إيرنجي" (TotalEnergies) الفرنسية، يوفر قاعدة عملية يمكن البناء عليها.  وفي 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وقّعت "سيفي" اتفاقية بيع وشراء ملزمة مع مشروع "كْسي لِسِمز إل إن جي" ( Ksi Lisims LNG) وهو مشروع كندي ضخم لإنشاء منشأة عائمة لإسالة الغاز الطبيعي وتخزينه وتصديره  لتحل محل اتفاق المبادئ السابق، وتضمن شراء مليون طن سنويا لمدة 20 عاما.

وفي مجال الصناعة المدنية، برز إعلان تمويل يصل إلى 2.5 مليار دولار كندي لتوسيع الطاقة الإنتاجية لشركة "دي هافيلاند" الكندية (De Havilland)، المتخصصة في صناعة الطائرات، ولا سيما الطائرات المستخدمة في مكافحة حرائق الغابات.

ومن المتوقع إتمام الصفقة في الربع الأول من 2027، وتهدف إلى مضاعفة الطاقة الإنتاجية الحالية لطائرات الإطفاء المائية من طراز DHC-515، وإتاحة خانات إنتاج إضافية ابتداءً من 2030، وتلبية الطلب المتوقع في كندا وأوروبا وأسواق أخرى. وتكشف هذه المبادرة أن التحالف لا يقتصر على القطاعات التقليدية للأمن والطاقة، وأنه يشمل صناعات يمكن أن تخدم احتياجات مدنية وبيئية مشتركة، وتوفر فرص عمل واستثمارات في سلاسل التوريد الكندية.

الذكاء الاصطناعي والبنية التكنولوجية: السيادة الرقمية

يكتسب التعاون التكنولوجي أهمية خاصة في ظل احتدام المنافسة العالمية على الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة وأشباه الموصلات. وقد رحب الاتحاد الأوروبي بمشاركة كندا في المشروع الأوروبي المشترك للحوسبة العالية الأداء (EuroHPC Joint Undertaking) لتصبح كندا الدولة التاسعة والثلاثين المشاركة فيه، بما يتيح تعزيز الترابط بين البنى الحاسوبية والبحثية على جانبي الأطلسي، ويفتح المجال أمام تعاون أوسع في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والكميات والتقنيات المتقدمة.

ويهدف ذلك إلى تعزيز الروابط بين موارد الحوسبة الفائقة لدى الجانبين، وتهيئة المجال لمزيد من التكامل بين منظومتي الابتكار في الذكاء الاصطناعي. كما اتفق الطرفان على العمل في اتجاه مشاركة كندا في برامج البحث والابتكار الأوروبية المقبلة، بما فيها برنامج أفق أوروبا (Horizon Europe)، وتوسيع فرص المؤسسات البحثية والشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

رويترز
أيدان غوميز، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة كوهير (Cohere)، خلال حضوره النسخة العاشرة من معرض فيفاتك (VivaTech) للشركات الناشئة التكنولوجية والابتكار في باريس، فرنسا، في 18 يونيو 2026

ولم يقتصر التحرك الكندي على التعاون الخارجي. ففي 29 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن رئيس الوزراء مارك كارني التزام الحكومة استثمارا يصل إلى 1.6 مليار دولار كندي في شركة "كوهير" الكندية (Cohere)، المتخصصة في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي للشركات والحكومات. وينفذ الاستثمار على مراحل وبأساس تجاري، بالتوازي مع مساهمات من مستثمرين من القطاع الخاص، بينهم "إنفيديا" و"بِل" (NVIDIA) و(Bell)  ومجموعة "شوارتز" الألمانية (Schwarz). وفي المقابل، تعهدت الشركة بتوفير ما لا يقل عن ألف وظيفة تقنية جديدة عالية الأجر في السوق الكندية بحلول عام 2030، واستثمار 1.7 مليار دولار إضافية في البنية التحتية الحاسوبية داخل كندا، مع إبقاء مقرها الرئيس وتأسيسها القانوني في البلاد. ورغم أن هذا الاستثمار ليس جزءا مباشرا من اتفاق القمة الأوروبية الكندية، فإنه يعكس التوجه نفسه نحو تعزيز السيادة التكنولوجية وتقليل الاعتماد على البنى والخدمات التي تسيطر عليها شركات أجنبية.

 تعد كندا أول دولة غير أوروبية تشارك في برنامج "إجراءات الأمن لأوروبا" (Security Action for Europe – SAFE)، الذي يوفر ما يصل إلى 150 مليار يورو من القروض الطويلة الأجل إلى الدول الأعضاء لدعم المشتريات الدفاعية المشتركة وتعزيز القدرات الإنتاجية الأوروبي

أما في مجال الاتصالات، فقد اتفق الطرفان على دراسة إنشاء بنية جديدة للكابلات البحرية لتحسين الربط الآمن بين كندا وأوروبا وآسيا، مع تقييم المسارات ونقاط الاتصال ومخاطر الاعتماد على عدد محدود من البنى التحتية. كما أعلنا إطلاق مفاوضات في شأن إطار يتيح لكندا الوصول إلى خدمات نظام الملاحة الأوروبي غاليلو (Galileo)، وبدء محادثات استكشافية في شأن التعاون في منظومة الاتصالات الفضائية الآمنة (IRIS²) . وهذه خطوات لا تعني أن كندا أصبحت عضوا كاملا في تلك المنظومات، لكنها تفتح الباب أمام تعاون في خدمات الاتصالات والملاحة والاستجابة للطوارئ والأمن الفضائي، خصوصا في المناطق القطبية.

التعاون الدفاعي: من المشتريات إلى الشراكة الصناعية

في المجال الدفاعي، أصبحت كندا في فبراير/شباط 2026 أول دولة غير أوروبية تشارك في برنامج "إجراءات الأمن لأوروبا" (Security Action for Europe – SAFE)، الذي يوفر ما يصل إلى 150 مليار يورو من القروض الطويلة الأجل إلى الدول الأعضاء لدعم المشتريات الدفاعية المشتركة وتعزيز القدرات الإنتاجية الأوروبي. ويمثل ذلك تحولا مهما في علاقة الصناعات الدفاعية الكندية بالسوق الأوروبية، إذ يتيح للموردين الكنديين المشاركة في فرص مرتبطة بالمشتريات التي تستوفي شروط البرنامج، من دون أن يمنحهم حقا تلقائيا في الحصول على العقود.

أ.ف.ب
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (في الوسط)، برفقة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (يمينًا) ورئيس الوزراء النرويجي يوناس ستوره، بجانب نموذج غواصة تابعة لشركة تيسين كروب بالتعاون كندي أوربي في عملية التصنع، أنقره 7 يوليو 2025

وقد أُعلن أول عقد كندي ضمن البرنامج في يونيو/حزيران 2026، عندما فازت شركة "ماركوني تكنولوجيز" في مونتريال (Marconi Technologies) بعقد لتصنيع أجهزة اتصال تكتيكية من طراز "أوريون إكس 650" (ORION X650) لصالح قيادة الأمن السيبراني البولندية، مع توقع بدء التسليم في 2026 واستمراره حتى 2030. ثم جاء إعلان عقد ثانٍ في قمة مونتريال، بقيمة تتجاوز 44 مليون دولار كندي (27.8 مليون يورو)، تتولى بموجبه شركة "غالفيون" الكندية (Galvion) توريد أنظمة خوذات عسكرية إلى لاتفيا، التي تستضيف أكبر وجود عسكري كندي خارج البلاد.

ويعكس العقدان انتقال المشاركة الكندية من مجرد إتاحة الوصول إلى البرنامج إلى تحقيق فرص صناعية وتصديرية فعلية.

كشف النقاش حول منح كندا صفة "العضو المنتسب" في الاتحاد الأوروبي حدود التوافق السياسي داخل التكتل. فقد حُذفت هذه التسمية من مسودة البيان المشترك قبل القمة، بعد اعتراضات من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان، بسبب غموض مفهومها وغياب تعريف قانوني ومؤسسي واضح لها، فضلا عن المخاوف من خلق سابقة قد تثير مطالب مماثلة من دول أخرى

كما رحب الطرفان بنية كندا المشاركة في قرض الدعم الأوروبي لأوكرانيا، البالغ 90 مليار يورو للفترة 2026-2027، وأعلن كارني مساهمة كندية أولية بقيمة 500 مليون يورو. وتتيح هذه الخطوة لأوكرانيا الاستفادة من التمويل الأوروبي لشراء معدات عسكرية من شركات الدفاع الكندية، بما يعزز التنسيق المالي والعسكري بين الجانبين، ويوفر في الوقت نفسه فرصا تصديرية إضافية للصناعات الدفاعية الكندية. ولا تزال ترتيبات المشاركة والمساهمة الفعلية في حاجة إلى استكمال.

ويأتي ذلك ضمن توسيع التعاون الأمني والدفاعي، الذي يشمل أيضا إطلاق حوارات جديدة حول أمن القطب الشمالي، والتضليل والتدخل الأجنبي في المجال المعلوماتي، والأمن المناخي والنقل.

العضوية المنتسبة: خلاف على التسمية أم على الصلاحيات؟

كشف النقاش حول منح كندا صفة "العضو المنتسب" في الاتحاد الأوروبي حدود التوافق السياسي داخل التكتل. فقد حُذفت هذه التسمية من مسودة البيان المشترك قبل القمة، بعد اعتراضات من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان، بسبب غموض مفهومها وغياب تعريف قانوني ومؤسسي واضح لها، فضلا عن المخاوف من خلق سابقة قد تثير مطالب مماثلة من دول أخرى. واستُعيض عنها بعبارة "ارتباط أوثق باستمرار" (Ever Closer Association)، وهي الصيغة التي اعتمدها القادة في البيان النهائي.

لكن التراجع عن التسمية لم يكن تخليا عن جوهر الفكرة. فقد أكد المجلس الأوروبي أن الطرفين اتفقا على العمل في اتجاه صيغة ارتباط أعمق من الشراكة التقليدية، من دون الوصول إلى العضوية الكاملة، وعلى تحديد مفهوم هذه العلاقة قبل انعقاد القمة الأوروبية الكندية المقبلة في عام 2027. كما أكدت المفوضية الأوروبية التوجه لعقد اجتماع بين هيئة المفوضين الأوروبيين والحكومة الكندية (College-to-Cabinet Meeting)، لمواصلة بلورة المقترح وتحديد نطاقه السياسي والمؤسسي. وأشارت التغطية إلى أن الاجتماع متوقع في ربيع 2027.

أ.ف.ب
تيف ماكليم، محافظ بنك كندا، خلال جلسة بعنوان "الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي" ضمن الاجتماعات السنوية لـصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك، 16 أكتوبر 2026

وتكمن إحدى العقبات القانونية في أن معاهدات الاتحاد الأوروبي لا تتضمن فئة مستقلة تسمى "العضوية المنتسبة". فالمادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي تقصر حق التقدم بطلب العضوية على الدول الأوروبية، مما يجعل انضمام كندا الكامل غير ممكن في ظل الإطار القانوني الحالي. في المقابل، تتيح المادة 217 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي إبرام اتفاقات شراكة مع دول ثالثة، تقوم على حقوق والتزامات متبادلة وعمل مشترك وإجراءات خاصة. ومن ثم، فإن غياب فئة قانونية باسم "العضوية المنتسبة" لا يحول دون إنشاء صيغة ارتباط متقدمة، لكنه يستدعي بلورة اتفاق قانوني وسياسي منفصل يحدد صلاحيات كندا وحقوقها والتزاماتها، وآليات مشاركتها في البرامج والسياسات الأوروبية، فضلا عن الإجراءات المؤسسية اللازمة لاعتماده، وفق المادة 218 من المعاهدة.

ورغم غياب المصطلح عن البيان المشترك، أصر كارني علنا على استخدامه، مؤكدا أن الطرفين يعملان نحو "أعمق شراكة ممكنة دون الانضمام الكامل، بسبب الاعتبارات الجغرافية"، مع تحول كندا إلى أول "عضو منتسب" في الاتحاد الأوروبي. كما حدد جدولا زمنيا عمليا لبلورة العلاقة الجديدة، يشمل العمل خلال الأشهر المقبلة على تحديد مضمونها ونطاقها، وعقد اجتماع في مارس/آذار 2027 يجمع هيئة المفوضين الأوروبيين بالحكومة الفيديرالية الكندية، تمهيدا لاختتام المفاوضات في يونيو/حزيران 2027، خلال مشاركته في اجتماعات المجلس الأوروبي، وفق ما أعلنه كارني في ختام القمة.

ولا يمكن فصل هذا الجدل عن الموقف الأميركي. ففي سبتمبر/أيلول، وصف الرئيس دونالد ترمب احتمال منح كندا صفة العضو المنتسب بأنه "مضحك"، محذرا من أنه قد يمثل "عملا عدائيا" إذا ارتبط بنيات سيئة، ومهددا بفرض رسوم جمركية ثقيلة على أوروبا أو وقف التجارة معها في بعض المجالات. وتعكس هذه التصريحات حساسية واشنطن تجاه أي تقارب قد يقلل نفوذها الاقتصادي أو يضعف اعتماد حلفائها التقليديين عليها، وإن كان المشروع الأوروبي الكندي لا يستهدف رسميا إنشاء محور مناهض للولايات المتحدة.

تواجه كندا تحديا إضافيا يتمثل في استمرار التشابك الجغرافي والإنتاجي مع الولايات المتحدة، خصوصا في قطاعات السيارات والطاقة والزراعة والصناعات التحويلية

ورد كارني مؤكدا أن كندا الأقوى والأكثر استقلالا وقدرة على مواجهة التحديات ستكون شريكا أفضل للجميع، مشددا على ضرورة تعزيز الاقتصاد الكندي وتنويع الشراكات مع حلفاء موثوق بهم في الخارج. وقال إن الاتفاق مع أوروبا سينفذ بما يخدم مصالح الكنديين، مضيفا: "في نهاية المطاف، ستدرك الولايات المتحدة الفوائد".

استقلالية استراتيجية أم إعادة توازن للاعتماد؟

تكشف مخرجات قمة مونتريال أن الضغوط التجارية الأميركية سرعت بناء روابط أوروبية كندية أعمق، لكنها لم تنشئ تحالفا موجها بالضرورة ضد واشنطن. فالاتفاقات والمبادرات المعلنة تستهدف تقليل نقاط الضعف، وتنويع مصادر الإمداد، وتعزيز القدرات الصناعية والتكنولوجية، وتوسيع خيارات التمويل والتجارة. كما أن التعاون في الدفاع والقطب الشمالي والاتصالات الفضائية يضيف بعدا أمنيا إلى علاقة كانت تتركز بصورة أكبر على التجارة والاستثمار.

ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة بين الطموح والقدرة على التنفيذ. فالاتفاق الرقمي واتفاق التعاون في المنافسة استكملا مرحلة التفاوض، لكنهما يحتاجان إلى استكمال الإجراءات اللازمة. واتفاق البنك الأوروبي للاستثمار يفتح المجال أمام التمويل، لكنه لا يضمن تلقائيا تدفق الاستثمارات إلى المشاريع الكندية. كما أن التعاون في "غاليلو" ومنظومة الاتصالات الفضائية الآمنة والكابلات البحرية لا يزال في مراحل التفاوض والدراسة، فيما تبقى العضوية المنتسبة فكرة سياسية لم تتحول إلى إطار قانوني متفق عليه.

رويترز
أعماء إنشاء مشروع سيدر للغاز الطبيعي المسال (Cedar LNG)، عند الساحل الكندي المطل على المحيط الهادي بالقرب من مدينة كولومبيا، كندا 19 أغسطس 2025

وتواجه كندا تحديا إضافيا يتمثل في استمرار التشابك الجغرافي والإنتاجي مع الولايات المتحدة، خصوصا في قطاعات السيارات والطاقة والزراعة والصناعات التحويلية. فإعادة توجيه هذه السلاسل نحو أوروبا تحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل، ولا يمكن أن تتحقق بمجرد توقيع اتفاقات أو إعلان نيات سياسية.

بين الطموح والواقعية

يمثل التقارب الأوروبي الكندي محاولة لإعادة توزيع الاعتماد الاقتصادي في عالم تتزايد فيه الحمائية وتتراجع فيه قابلية التنبؤ بالسياسات التجارية. وقد أظهرت قمة مونتريال أن الطرفين لم يعودا يكتفيان بتوسيع التبادل التجاري، بقدر ما يسعيان إلى بناء روابط في المعادن والطاقة والدفاع والذكاء الاصطناعي والاتصالات والتمويل، بما يتيح لهما تعزيز قدرتهما على مواجهة الأزمات والضغوط الخارجية. لكن هذا التحول لا يجعل السوق الأوروبية بديلا جاهزا من السوق الأميركية بالنسبة إلى كندا، ولا يعفي أوروبا من تشابك مصالحها الاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة. لذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح "تحالف المستقبل" سيبرز  في حجم الاستثمارات والمشاريع الإنتاجية والعقود التجارية والتكنولوجية التي سينتجها خلال السنوات المقبلة.

من الواضح أن ما يتشكل بين أوتاوا وبروكسيل هو أقرب إلى بناء هامش أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية منه إلى تأسيس محور اقتصادي بديل، كما يستهدف تقليل القدرة على استخدام الاعتماد المتبادل أداة للضغط السياسي والتجاري.

font change