يفغيني فودولازكين لـ"المجلة": التكنولوجيا تقدمت على عكس الروح البشرية

الأدب السطحي الاستهلاكي ستستبدله الآلات في نهاية المطاف

  Roberto Ricciuti/Getty Images
Roberto Ricciuti/Getty Images
الكاتب الروسي يفغيني فودولازكين خلال جلسة تصوير في مهرجان إدنبرة الدولي للكتاب، في حدائق ساحة شارلوت بمدينة إدنبرة الإسكتلندية، 25 أغسطس 2016

يفغيني فودولازكين لـ"المجلة": التكنولوجيا تقدمت على عكس الروح البشرية

يعد الروائي والباحث الأكاديمي يفغيني فودولازكين واحدا من أبرز الأصوات الأدبية في المشهد الثقافي الروسي والعالمي المعاصر، لقدرته الفريدة على الجمع بين التبحر الأكاديمي في تاريخ القرون الوسطى والبراعة السردية. ولد فودولازكين عام 1964، وتخصص في دراسة التراث اللغوي والأدب الروسي القديم بمعهد الأدب الروسي (بيت بوشكين) في سان بطرسبرغ. صدرت روايته الأولى "اختطاف أوروبا" عام 2005، ثم رواية "سولوفيوف ولاريونوف" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـجائزة "أندريه بيلي". وحقق نجاحه الكبير برواية "لافروس" التي توجت بالمركز الأول في جائزة "الكتاب الكبير" وجائزة "ياسنايا بوليانا"، ووصلت الى القائمة القصيرة لجائزة "البوكر الروسية" وجائزة "الأكثر مبيعا الوطنية"، واختارتها صحيفة "غارديان" البريطانية ضمن أفضل 10 روايات عالمية تتناول فكرة الإيمان. كما حصل على المركز الثاني في جائزة "الكتاب الكبير" عن رواية "الطيار"، ونال جائزة "ألكسندر سولجنتسين" الأدبية المرموقة عام 2019 عن مجمل أعماله. كما ترجمت رواياته إلى أكثر من 20 لغة من بينها العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية. هنا حوار المجلة معه.

قلت في بعض تصريحاتك إن التاريخ هو "وعي الشعوب"، بينما الذاكرة هي "وعي الفرد" إلى أي مدى يمكن ذاكرة الكاتب أن تكون جزءا من وعي الشعوب بتاريخها؟

الوعي الجمعي للشعب لا يتشكل عبر الأمة بأسرها دفعة واحدة، بل ينبع في الأصل من أفراد بعينهم، والكتاب من بين هؤلاء. في هذا السياق، يعد الكتاب القوة الأكثر تأثيرا بحق، متفوقين في ذلك، على سبيل المثل، على الباحثين في العلوم الإنسانية. فعندما كتب تولستوي رائعته "الحرب والسلام"، أثار المؤرخون عشرات الاعتراضات، ومع ذلك، فإن إدراكنا لحرب عام 1812 لا يزال محكوما برؤية تولستوي، بينما أصبحت التصويبات التي قدمها المؤرخون في طي النسيان.

البشر لا يتغيرون

عبر شخصيات عاشت مئات السنين في روايتك "تاريخ الجزيرة"، تسخر من الفكرة القائلة بأن التاريخ يتقدم أو بأن البشر يتغيرون، وتكشف كيف تعيد السياسة كتابة الوقائع باستمرار. هل تفكيك التاريخ وإظهاره كدائرة مغلقة هو موقفك الفلسفي الحقيقي تجاه الحاضر أيضا؟

في هذه الحالة تحديدا، تتطابق وجهة نظري مع وجهات نظر شخصياتي، وهو أمر لا يحدث دائما. لا أعترف بالتقدم إلا في ميدان العلم والتكنولوجيا، أما في رحاب الروح البشرية، فلا يبدو أن هناك أي تقدم يذكر.

التاريخ لا يتحرك في دائرة مغلقة، بل في خط حلزوني، فالأحداث تعيد نفسها ولكن على مستوى جديد، وفي ظل ظروف مستحدثة

 كم مرة أعلنت البشرية توبتها عن الحروب الضارية، وأقسمت ألا تعود إليها أبدا؟ ومع ذلك، تكررت الحروب. والحق أن التاريخ لا يتحرك في دائرة مغلقة، بل في خط حلزوني، فالأحداث تعيد نفسها ولكن على مستوى جديد، وفي ظل ظروف مستحدثة، وبإلهام من تجارب الماضي.

بما أنك لا تتعامل مع الزمن بوصفه خطا مستقيما، إنما بوصفه خبرة روحية وحسية تتمدد وتنكمش وفقا للمشاعر الإنسانية، هل تعتقد أن التاريخ الرسمي الذي ندونه في الكتب هو مجرد وهم، وأن الإبداع هو الوحيد القادر على استعادة "الزمن الحقيقي" للإنسان؟

إذا قارن المرء السجلات التاريخية بكيفية وقوع الأحداث في الواقع، فإن التاريخ الرسمي يأتي عادة في الترتيب الأخير. ويرجع ذلك إلى أن التاريخ الرسمي غالبا ما يكون وثيق الصلة بالظروف السياسية الراهنة أكثر من ارتباطه بالحقيقة كما حدثت في الماضي. وللأمانة، فإن مسألة كيفية وقوع الأحداث في الحقيقة، هي سؤال لا يمكن الإجابة عنه بدقة مطلقة، إذ أن التاريخ لا يصلنا في صورته الخام، فهو يمر عبر مصفاة وعي من دونوه. وعلى العكس من ذلك، فإن الأعمال الإبداعية لا تدعي الدقة المطلقة، وهنا تحديدا تكمن نزاهتها. فضلا عن ذلك، فإن العمل الإبداعي الأصيل يقبض على روح العصر وهو أمر يفوق أهمية أدق السجلات التاريخية.

غلاف رواية "القضية الأخيرة للرائد تشيستوف"

يرتكز عالمك السردي غالبا على التفاصيل الدقيقة، رائحة مكان، نغمة موسيقية، أو تفصيل شخصي بسيط يتحدى جرافات التاريخ الكبرى. هل ترى أن الخلاص الإنساني يكمن في حفظ هذه التفاصيل الصغيرة من طغيان الأحداث التاريخية الكبرى؟

أولي أهمية بالغة للتفاصيل التاريخية، لكل عصر روائحه وأصواته وألوانه المميزة. وتشكل هذه العناصر الطبقة الأولية والمباشرة للتاريخ، أي المسرح الذي تتفتح عليه الأحداث ومع ذلك، فهي أول ما يطويه النسيان. فالأجيال اللاحقة لا تتذكر شيئا من هذه التفاصيل، حتى يخيل للمرء في النهاية أن جميع الأحداث التاريخية جرت في فراغ، وأن الشخصيات التاريخية تسبح فيه كرواد فضاء داخل مركبة فضائية، يرتطمون ويتفاعلون بعضهم مع بعض.

إذا كان الإنسان قادرا على تذكر أي شيء بعد الموت، فلن يتذكر الأحداث التاريخية الجسيمة، بل اللقاءات العزيزة على قلبه

لطالما كانت هذه التفاصيل هي الجاذبية التي تحفظ كل شيء في نصابه الصحيح، ومع ذلك لا يأتي كتاب تاريخ واحد على ذكر هذه الجاذبية. ويبدو لي أنه إذا كان الإنسان قادرا على تذكر أي شيء بعد الموت، فلن يتذكر الأحداث التاريخية الجسيمة، بل اللقاءات العزيزة على قلبه، أحاديث أمسية صيفية، أو احتفالات أقيمت في دفء المنزل.

الذاكرة والنسيان وما بينهما

في رواية "تشاغين" يستطيع البطل حفظ نصوص كاملة بلمحة عين، لكنه لا يفهم القصص الخيالية. هل أردت من خلاله القول إن الأدب والفن لا ينبعان من تراكم المعلومات وتذكرها، بل من الفجوات والنسيان الذي يترك مساحة للتأويل والابتكار؟

بالضبط. علاوة على ذلك، في روايتي الجديدة "القضية الأخيرة للملازم تشيستوف"، يحاول علماء فيزيولوجيا الأعصاب إضفاء طابع إنساني على روبوت. ولهذا الغرض، وبدلا من تزويده البيانات العلمية أو المعلومات قاموا بتغذيته بـ"الفجوات"، وهي الذكريات الشخصية والخاصة لأناس عاديين، الخالية من أي محتوى ذي أهمية مجتمعية. ورغم أنهم لم ينجحوا، إلا أنهم في الجوهر كانوا على الطريق الصحيح.

 وأزعم أن هذه "الفجوات" ترتقي بالوصف إلى آفاق لا يمكن المعلومات المجردة بلوغها. ذلك أن "المعلومات" ليست سوى حصيلة الحقائق التي تتضمنها، بينما تعمل هذه "الفجوات" كمنصة إطلاق لشيء مختلف نوعيا. عالم تتشابك فيه الفكرة مع الإحساس ولتقريب الصورة تشبيها، أشبه المعلومات بالماء الذي يغلي في إبريق، بينما "الفجوات" هي البخار المتصاعد منه. وهذا البخار بالذات هو ما يشكل الكيان الإنساني في كثير من جوانبه.

غلاف رواية "تشاغين"

تنتقل أعمالك بين أزمنة مختلفة، وفي روايتك "تشاغين" تناولت موضوع الذاكرة من منظور خاص. كيف ترى الجانب الآخر للذاكرة، ألا وهو "النسيان"، ودوره في قدرة الإنسان والأمم على استكمال الحياة؟

بالفعل تتناول الرواية موضوع الذاكرة، وهي ربما تكون أثمن شيء نكتسبه عبر رحلة الحياة، لأنها تمثل الخبرة المتركزة. كونها تتيح لنا أن ننظر إلى الخلف واستشراف المستقبل. والشخص الذي يفقد ذاكرته يفقد نفسه، والأمر نفسه ينطبق على أمة بأكملها. وفي الوقت نفسه، ثمة أشياء ينبغي أن تنسى، وخاصة السيء منها. ولا يلزم أن يحدث هذا بمعنى حرفي، كمحو البيانات بضغط مفتاح  "حذف" على جهاز الكومبيوتر، بل أن تخبو المشاعر والعاطفة التي أثارتها كوارث الماضي يعد أيضا شكلا من أشكال النسيان. وهذا بالتحديد ما حرم منه بطل الرواية ومن الصعب جدا احتمال الحياة دون قدرة على النسيان.

غلاف رواية "لافروس"

العابر للزمن

تدور أحداث رواية "لافروس" في القرن الخامس عشر، لكننا نفاجأ داخل النص بوجود عناصر خارج زمنها الأصلي كأكياس البلاستيك تحت الثلج المذاب أو رؤى للطائرات والمدن الحديثة. حدثنا أكثر عن ذلك.

بالنسبة لي، هذا نوع من الدعابة، وإن كانت دعابة على قدر كبير من الجدية عند إمعان النظر فيها. إن "الغرائب" التي ذكرتها هي رموز للصلة الوثيقة بين الماضي والمستقبل، إذ لا يوجد جدار يفصل بينهما، والحدود بينهما قابلة للعبور في كلا الاتجاهين. كما أنها رمز لحقيقة أن الزمن لا وجود له، بل هناك الأبدية فحسب، حيث يتجاور كل شيء ويوجد في وقت واحد.

الأدب، في أبهى صوره، يعمل ككاشف ورائد. يمكن تعليم الآلة الكتابة بأسلوب دوستويفسكي، لكنها لن تكون دوستويفسكي أبدا

 ومما يدعو للفضول أن ظهور زجاجة بلاستيكية في غابة من القرن الخامس عشر أثار قدرا غير صحي من الاهتمام، إذ انشغل البعض بالبحث عن تاريخ اختراع البلاستيك، بينما افترض آخرون أنني ارتكبت خطأ سهوا! وتكرر هذا في كل بلد تقريبا قمت فيه بتقديم الرواية. حتى إنني اقترحت على ناشرتي حذف مشهد الزجاجة لأنه أخذ مساحة غير متناسبة من الاهتمام لكنها أجابت: "لا، سنبقيه، لقد أصبح علامة فارقة للرواية الآن".

في النسيج اللغوي للرواية جمعت بين لغة المخطوطات والصلوات الروسية القديمة (السلافية الكنسية القديمة) وبين لغة التداول اليومي المعاصرة. ما الذي تضيفه 'اللغة التراثية' لوعي القارئ المعاصر حين توضع جنبا إلى جنب مع لغته اليومية؟

يشير هذا أيضا إلى الطبيعة العابرة للزمن لكل ما يتكشف من أحداث. إن أحد شعارات رواية "لافروس" هو "لا يوجد زمن". وفي العمل أقدم بورتريها للغة الروسية يمتد عبر تاريخ وجودها بالكامل. وبالطبع، يجب على المرء أن يكون حذرا للغاية في هذا النوع من التجريب، فالأمر يشبه السير على حد شفرة. هذا يشكل تحديا كبيرا للمترجم، الذي يلزمه ألا يكون ملما بالروسية القديمة فحسب، بل وأيضا بالأشكال والصيغ المهجورة في لغته هو.

هل يصمد الأدب؟

في ظل تسارع استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص وبناء العوالم السردية، هل يمكن الأدب الحقيقي تجاوز هذه الأزمة؟

أعتقد أن الأدب وحده هو القادر على ذلك، وأشدد هنا على الأدب "الرفيع"، لأن الأدب السطحي الاستهلاكي ستستبدله الآلات في نهاية المطاف. حتى كتاب السيناريو لا بد أنهم يشعرون بالقلق هذه الأيام، لأن عملهم يتنزل منزلة الحرفة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. فقد حددت الكتب التعليمية الخاصة بكتابة السيناريو منذ زمن طويل وبدقة متناهية الموعد المحدد لظهور كل عنصر من عناصر الحبكة.

أي شيء يمكن تقنينه وضبطه بقواعد، هو بلا شك الميدان الطبيعي للآلة، وفي هذا المجال، يمكنها أن تتفوق على أي شخص، حتى على أكثر كتاب السيناريو موهبة. ومع ذلك، يجب أن نتذكر أن الآلة تظل تابعة للإنسان، فهي لا تستطيع إلا أن تصل إلى حد الكمال بما ابتكره الإنسان أولا. إن الأدب، في أبهى صوره، يعمل ككاشف ورائد. يمكن تعليم الآلة الكتابة بأسلوب دوستويفسكي، لكنها لن تكون دوستويفسكي أبدا.

REUTERS/Ilya Naymushin
الفنان الروسي فاسيلي سلونوف يرسم بالفأس صورة للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي على المجموعة الكاملة لمؤلفات مؤسس الدولة السوفياتية فلاديمير لينين، في متحف الفن الحديث بمدينة كراسنويارسك السيبيرية، 6 نوفمبر 2011

تتقاطع ثيمات الذاكرة والتاريخ في عالمك الأدبي، ما السؤال الذي تشعر أنك تحاول الوصول إلى إجابة عنه من خلال رواياتك؟

مشكلة الزمن. ففي نهاية المطاف، يعود كل شيء إليها. عندما أخرج الله آدم وحواء من الجنة، واجههما بالزمن، وهو شيء لم يكن له وجود في الفردوس.

الزمن هو الفناء والتحيز، والفناء هو الموت. ومن خلال التفكير في معنى الموت، فإننا في واقع الأمر نتأمل أيضا معنى الحياة

 الزمن هو الفناء والتحيز، والفناء هو الموت. ومن خلال التفكير في معنى الموت، فإننا في واقع الأمر نتأمل أيضا معنى الحياة.

تتنقل أعمالك بين العصور الوسطى، والعهد السوفياتي، والتاريخ المتخيل. ما الفكرة أو الحقبة التي تشغل بالك حاليا، وما الذي يمكن أن يكشفه مشروع روايتك القادمة؟

صدرت لي أخيرا رواية بعنوان "القضية الأخيرة للملازم تشيستوف"، التي لا يكتفي فيها ضابط شرطة بالاهتمام بالبقايا المادية للضحية، بل يهتم بروحها أيضا. يبدو العمل في ظاهره قصة بوليسية، لكنه في الحقيقة شيء آخر تماما، أو إذا جاز اعتبارها قصة بوليسية، فهي قصة ميتافيزيقية. أما حاليا فأنا في صدد التأمل والتفكير في موضوع روايتي الجديدة.

font change

مقالات ذات صلة