ما بعد اغتيال العاروري... لبنان يدخل حالة الحرب الدائمة

Reuters
Reuters
صورة العاروري مرفوعة اثناء جنازة احمد حمود في البرج الشمالي والذي قتل مع العاروري في الهجوم الاسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبية في 3 يناير

ما بعد اغتيال العاروري... لبنان يدخل حالة الحرب الدائمة

مع اغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" صالح العاروري واثنين من قيادات "كتائب القسام" في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، برز في لبنان مشهدان لتشييعين متناقضين في العناوين والأهداف. في الجنوب كان يجري تشييع من سقطوا من "حزب الله" السائرين وفق توصيفه على طريق القدس، وسط أعلام الحزب والهتافات المنددة بالشيطان الأكبر والعدو الصهيوني، وكانت غزة تحضر بوصفها عنوانا جانبيا وفرعيا كلزوم ما لا يلزم، وبوصفها جزءا من عدة تحشيد آيديولوجي وعقائدي قد صار باليا من كثرة الاستعمال وعاجزا عن تجديد نفسه.

في المقلب الآخر، وفي منطقتي شاتيلا والطريق الجديدة البيروتيتين، كان تشييع العاروري يحمل معنى مغايرا تماما لناحية طبيعته وكثافة النيران التي أطلقت خلالها معبرة عن رغبة سنية في امتلاك خطاب الممانعة والمقاومة والتعامل مع الطرف الآخر، الذي طالما وظف امتلاكه هذا العنوان في فرض سطوة شاملة طالت كل شيء، من الموقع نفسه الذي كان يتعامل فيه مع الجميع. انفجر الصراع على امتلاك خطاب المقاومة والحق في التسلح وفرض القيم بين الجماعات السنية و"حزب الله"، وهو صراع يستولد صراعات مفتوحة شرعت في الظهور بين أصحاب السلاح ورافعي رايات النضال وبين بيئاتهم تمهيدا للسيطرة على قرارها قبل الانطلاق لمواجهة باقي المكونات.

ما بعد اغتيال العاروري لحظة فاصلة أطلقت كل الشياطين المكبوتة دفعة واحدة، وبدت تجربة "حزب الله" في الساحة اللبنانية مرجعا وأصلا تطمح الساحة السنية المفتقدة للمرجعية إلى استنساخه بشكل ينذر بتبدد مشروع الدولة، وإعادة إنتاج دور جديد للطائفة يخرجها من دائرة التوازن والاعتدال، والانتماء إلى فكرة الدولة على هشاشتها، لصالح تطرف يتخذ من فلسطين وغزة منطلقا لبسط السيطرة والتجييش الآيديولوجي على غرار تجربة "حزب الله".

مثل هذا النزوع يشترط الإقصاء والفرز، وكان لافتا تزامنه مع إسقاط الخطوط الحمراء فيما يخص التعامل مع باقي المكونات. الجيوش الإلكترونية التابعة لفصائل النضال السيبراني لـ"حزب الله" تطلق موجات منظمة من التهجم على البطريرك الماروني بشارة الراعي بعبارات بذيئة، وتدين مواقفه الداعية إلى رفض الحرب وحصر قرارها بيد السلطة اللبنانية والحكومة. الشعور المسيحي بالخطر يترجم في نمو موجات التسلح وفي استعادة المنطق الذي أسس للحرب الأهلية والذي كان قد ترجم مع انطلاق حرب غزة في مواقف تعادي الفلسطينيين بالمطلق، وتعيد التذكير بلحظات دموية من تاريخ الحرب، وسط إحساس حاد بالتهديد والتهميش وتغييب الدور.

تهم العمالة والصهينة تطال كل من يعترض على حروب الحزب المنضبطة في الجنوب، ولكن الجديد أن نغمة التخوين لم تعد تنطلق من جهة واحدة بل وقع الحزب في الحفرة التي كان يعدها للجميع. سياقات المعارك الحدودية الخاضعة لنظام منضبط ودعائي ومحدود استجر اتهامات للحزب من أوساط مقربة بالتخاذل، وارتفعت وتيرة الاتهام في الأوساط التي تخاصمه لتستخدم كل محموله التخويني ضده، فباتت الساحة اللبنانية تشهد حالة اعتراضية على "حزب الله" تتهمه بالصهينة والتفاوض على دماء اللبنانيين والفلسطينيين.

الفلسطينيون و"حزب الله"... انعدام الثقة

الطريقة التي اغتيل بها العاروري في الضاحية الجنوبية فجرت العلاقة بين "حزب الله" وكل المنظمات الفلسطينية في لبنان. ليس سرا أن مناطق "الحزب" محمية بشكل محكم ويصعب تحقيق مثل ذلك الاغتيال من دون تسهيل من "الحزب". عزز من نمو ذلك الشعور الفلسطيني بالخذلان لا بل بالتآمر. المواقف التي أدلى بها نصرالله في خطابيه المتتاليين حيث أتى على ذكر العاروري عرضا وكأنه عنوان فرعي وهامشي. الصورة الكبيرة التي حرص على تظهيرها كانت صورة قاسم سليماني التي تشكل حاليا صلب الاستراتيجية الإيرانية في حربها لصناعة الرموز وتكريسها. التصريحات الرسمية الإيرانية نظرت إلى عملية "طوفان الأقصى" كمجرد انتقام لاغتيال قائد الحرس الثوري قاسم سليماني، ما أثار ردود فعل فلسطينية غاضبة أدت إلى سحبه من التداول ولكنه بقي الناطق الرسمي باسم البنى التأسيسية الأعمق التي تقوم على أساسها السياسات والمواقف وردود الفعل.

العاروري كان مقربا من "حزب الله" وإيران كما وصفه نصرالله ولكن اغتياله لم ينتج بنية انفعالية يمكن أن تقاس بما عبر عنه نصرالله شخصيا إبان اغتيال قاسم سليماني

 العاروري كان مقربا من "حزب الله" وإيران كما وصفه نصرالله ولكن اغتياله لم ينتج بنية انفعالية يمكن أن تقاس بما عبر عنه نصرالله شخصيا إبان اغتيال قاسم سليماني، حيث تمنى لو كان قد فداه بروحه. لقد تم تخصيص حدث اغتيال العاروري بدقائق قليلة من خطابين طويلين مع توعد بالرد تجلى باستهداف قاعدة ميرون بعدد من الصواريخ دون الخروج من حدود الاشتباك المرسومة، وكأن المسألة بأسرها تعكس سيناريو مرسوما سلفا يجري تنفيذه على الأرض بدقة .

Reuters
رجل اطفاء امام المبنى الذي استهدفته الغارة الاسرائيلية في الضاحية الجنوبية في 3 يناير

كل هذا يؤدي إلى إعادة ترسيم علاقة الحزب بالمنظمات الفلسطينية في لبنان، حيث ينمو شعور بالعداء لـ"حزب الله" قد يكون مقدمة لانفجار فلسطيني ضده في لبنان. المخيمات الفلسطينية تغلي، وكان "الحزب" قد خاض معركة تصفية حضور حركة "فتح" فيها لصالح تنظيمات فلسطينية متعددة تدور في فلكه أو تتفاهم معه، ولكن المشهد المنفجر في غزة والقراءة الفلسطينية لمشهدية اغتيال العاروري في قلب الضاحية الجنوبية وما يحمله الرجل من انتساب إلى الضفة ومن دفاع عن مشروع الوحدة الفلسطينية والمصالحة خلقت نوعا من الإجماع الفلسطيني على انعدام الثقة بـ"حزب الله". التعبير عن ذلك لم يبق حبيس الصدور، بل بات علنيا ويمكن رصده وقراءة ما ينطوي عليه من مرارة كبيرة قد لا تبقى مسجونة في الصدور لوقت طويل قبل أن تنفجر.

ما بعد اغتيال العاروري أطلق مسيرة العودة إلى المشروع الأصلي لتفتيت المنطقة واحتلالها. إيران في واجهة هذا المشروع

تعاملت إيران مع الضربات الأميركية والإسرائيلية المتتالية لمواقعها في سوريا بالدعوة إلى الصبر الاستراتيجي، كما كانت ردة الفعل على اغتيال قيادات ميليشيا "النجباء" التي تدور في فلكها في العراق بإطلاق مسار إخراج القوات الأميركية وقوات التحالف من العراق. يتعمم هذا السلوك على لبنان حيث لا يخرج "حزب الله" عن حدود الصبر الاستراتيجي المتماهي مع مشاريع إيران التفاوضية مع أميركا، والتي تشير ملامحها الظاهرة إلى مقايضة ذلك الصبر ولجم الأوضاع بتسليمها مقاليد الأمور بشكل كامل في العراق ولبنان.

هل اغتيال العاروري هدية تفاوضية؟ 


من هنا يمكن تفسير اغتيال العاروري في لبنان واغتيال قادة ميليشيا "النجباء" في العراق وذلك التغاضي عن الهجمات بوصفها هدايا أولية ومقبولة في طريق التفاوض. شخصية العاروري ومشروعه ومنطق عمله تدعم مثل هذا التحليل. الرجل كان يتبنى مشروع المصالحة الفلسطينية وتوحيد حركات المقاومة تحت راية الدفاع عن القضية الفلسطينية، وكان تعامله مع إيران ومع أي طرف سياسي يبنى تحت سقف هذه العناوين التي بات واضحا أنها لا تنسجم مع مشاريع إيران و"حزب الله"، كما أن وجوده على قائمة المطلوبين لأميركا يجعل تسهيل استهدافة يطلق رسائل تطال عدة جهات في آن واحد.

AFP
مقاتلون من "حزب الله" اثناء جنازة رفيق لهم في بلدة مركبا في جنوب لبنان في 21 ديسمبر

ومن ناحية أخرى فإن الاندفاع الإسرائيلي الجنوني لتحويل الحرب على غزة إلى حرب شاملة تشترك فيها أميركا وتقضي على "حماس" وإيران وأذرعها دفعة واحدة، والذي يواجه برفض أميركي واضح حتى هذه اللحظة، خلق انسجاما بين إدارة بايدن وبين إيران، لا شك أنها ستعمد إلى الاستفادة منه إلى أقصى الحدود.
إنجاز مشاريع التفاوض يقتضي ضبط إيقاع التصعيد في المنطقة عموما والاكتفاء بنوع من العمليات الخلبية المقبولة لحفظ ماء الوجه، بينما تكتمل اتفاقات ترسيم الحدود في لبنان. وكان قد سبق لـ"حزب الله" أن قدم لأميركا وإسرائيل هدايا كبرى وشبه مجانية فيما يخص ترسيم الحدود البحرية بغية فتح أبواب تفاوض كانت مقفلة، ولكنها تفتح الآن على مصراعيها على حساب فكرة الدولة في لبنان وكذلك في العراق.
تعي إدارة الحرب الإسرائيلية بوضوح النية الأميركية بعقد صفقات كبرى مع إيران، وإذا كان احتدام الأجواء قد أجل زيارة الموفد الأميركي الخاص بالشرق الأوسط ديفيد هوكشتاين إلى بيروت للاتفاق على ترسيم الحدود البرية، فإنها لم تلغ وسيعود قريبا لإتمامها بشكل قد لا يبقي أرضا لبنانية محتلة، وتنتفي معه حجج النضال والقتال، ولكن إسرائيل لا ترى صيغ الاتفاق مقبولة بالنسبة لها أمنيا، لأنها لا توقف حسب وجهة نظرها تهديد "حزب الله" ولا تسحب سلاحه الصاروخي.
واللافت أن "الحزب" كما أشار نصرالله في خطابه منفتح على مثل هذا النوع من التفاوض ولكنه يفصل سلاحه عنه، بل يعتبره ضرورة قصوى أكثر من أي وقت مضى، ولا يبدو أن هناك أي طرح أميركي للتفاوض حول السلاح أو دعوة لسحبه، إذ يقتصر الاهتمام على إنجاز اتفاقات الترسيم لتأمين سيولة الاقتصاد وفق منطق يعتبر أن الأمور ستتخذ بعد ذلك طابعا يتحول فيه سلاح "الحزب" من القتال ضد إسرائيل إلى ضامن لأمنها.

اللافت أن "الحزب" كما أشار نصرالله في خطابه منفتح على مثل هذا النوع من التفاوض ولكنه يفصل سلاحه عنه

يلاقي هذا المشروع آمالا إيرانية عريضة في تكريس نفوذها في المنطقة باعتراف أميركي وهو ما بدأت ملامحه تتجلى وفي إطلاق رسائل واضحة لإسرائيل في أنها لن تخوض الحرب معها في حال قررت فتح حرب شاملة، وقد قامت في سبيل التأكيد على ذلك بسحب حاملة الطائرات "جيرالد آر فورد" من المتوسط في دلالة على مدى جديتها. 
الوعي الإسرائيلي الحاد بالتناقض مع الأميركيين بشأن الحرب الشاملة ومعالم التناغم بين أميركا وإيران بشأن التفاوض مقابل التهدئة يدخلان لبنان في مرمى استهدافين خطيرين، الأول إسرائيلي يدفع في اتجاه ضمان الوجود والأمن بإشعال حرب شاملة قد لا تجد أميركا مفرا من المشاركة فيها، والثاني أميركي إيراني يقدم من خلاله البلد هدية لـ"حزب الله" وتنتقل فيها سلطاته القائمة حاليا من وضعية اللاشرعية إلى حالة تمثيلها والنطق باسمها.
وفي ظل هذه المناخات ظهر تنظيم "داعش" المتطرف ليقدم لإيران مجزرتها المشتهاة في تفجير طال الجماهير المتقاطرة لإحياء ذكرى اغتيال قاسم سليماني في منطقة كرمان، وبذلك خرجت إسرائيل من دائرة الاتهام واكتملت مشهدية ما قبل التفاوض الجدي ونضوجه والذي يكرس إيران حليفة في حرب مفتوحة على الإرهاب، كانت قد شكلت عنوانا عريضا لمشروع سليماني ضد العواصم العربية.
لم يختلف المشهد بل تعزز بصورة خليفته إسماعيل قاآني يزور قبره ويتوعد بالثأر. لا شك أن ذلك العدو الذي يهدده ليس إسرائيل التي يقابل استهدافها بتجرع كأس الصبر الاستراتيجي المر ولا أميركا التي يتفاوض معها على نفوذه، ولكن دول المنطقة وشعوبها. 
ما بعد اغتيال العاروري أطلق مسيرة العودة إلى المشروع الأصلي لتفتيت المنطقة واحتلالها. إيران في واجهة هذا المشروع، وإذا كانت الحرب المفتوحة على غزة على الرغم من دمويتها قد تسفر عن أفق سياسي تبدي مقاومة الداخل ميلا إلى السير فيه فإن لحظة غزة وما بعدها تنذر لبنانيا بدخول البلد في حالة الحرب الدائمة.

font change

مقالات ذات صلة