أوروبا تدفع ثمنا اقتصاديا باهظا لمعاداة روسيا

380 مليار دولار لحماية "الأطلسي" وعجز عن التزام "قواعد بروكسل" ومخاوف من عودة ترمب

Shutterstock
Shutterstock
دبابات قتالية أمام علم الاتحاد الأوروبي

أوروبا تدفع ثمنا اقتصاديا باهظا لمعاداة روسيا

كلما اقترب موعد الانتخابات الأميركية، زادت مخاوف بعض الأوروبيين من احتمال عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، والتخلي عن حلفائه السابقين، من أجل شعار "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" اقتصاديا، على حساب شركائها التقليديين في القارة العجوز ومناطق أخرى من العالم.

قد تكون الأخطار مرتفعة بحسب مجلة "فورين بوليسي" من انسحاب أميركي من النظام العالمي القائم على التعددية التجارية، نحو نوع من الانعزالية والحمائية، مما قد يمثل صراعا تجاريا واقتصاديا وتكنولوجيا مع الآخرين، في مقدمهم الصين. ولاحظت المجلة أن الأمر الأكثر إثارة للقلق أن التزام الولايات المتحدة تعددية الأطراف في ظل إدارة ترمب الثانية، سيتعرض لهجوم مباشر في المبدأ والممارسة، لأن أسلوبه سيظل فوضويا ومدمرا في نوع من القطيعة مع ديبلوماسية إدارة التوترات لتهدئة الصراعات.

لكن الرجل، على الرغم من ذلك، له كثير من المناصرين داخل أميركا وخارجها قد يعتمد عليهم في الوقت المناسب.

الاتحاد الأوروبي وافق على منح أوكرانيا مساعدات بقيمة 50 مليار يورو، كما وقعت برلين وباريس اتفاقات أمنية وعسكرية مع كييف 

تبدو أوروبا قلقة من أي تعديل أو تغيير في السياسة الأميركية مستقبلا، كونها تعيش وضعا ماليا واقتصاديا وحتى عسكريا صعبا ومعقدا، وربما هشا في عدد من دول الاتحاد الـ27.

المال في مقابل الأمن

من جهة، تواجه منطقة اليورو مديونية مرتفعة تتجاوز 83 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وعجزا في الموازنة بمتوسط 4 في المئة، وتداعيات اقتصادية واجتماعية موروثة من أزمة "كوفيد-19"، ونموا ضعيفا يقل عن 1 في المئة. ومن جهة أخرى، لن تستطيع وحدها أن تتحمل تكلفة حرب أوكرانيا التي دخلت عامها الثالث.

وكان الاتحاد الأوروبي في بروكسل وافق على منح أوكرانيا مساعدات بقيمة 50 مليار يورو الشهر الماضي، كما وقعت برلين وباريس اتفاقات أمنية وعسكرية مع كييف لإظهار التزام الأوروبيين عدم التخلي عن أوكرانيا في حربها مع روسيا لاحقا.

Shutterstock
مروحيتان للجيش الألماني على متن حاملة طائرات بالقرب من طوكيو، اليابان

واقع الحال يقول إن أوروبا لا تستطيع العيش برفاهية كما كانت سابقا، دون الاعتماد على الموارد الطبيعية الرخيصة من أفريقيا، وتدفقات الطاقة من الشرق الأوسط، وتكنولوجية الصين واستثماراتها المالية، وقوة الدفاع العسكري لـ"حلف شمال الأطلسي" (الناتو) بقيادة أميركا.

وكل هذه الموارد وهذا الدعم ومعه التدفقات الاستثمارية، رهن باستقرار عالمي، وإسكات البنادق في أكثر من صراع في أكثر من قارة، وفي مقدمها حربا غزة وأوكرانيا التي تلعب فيها أدوارا هامشية، ولا تملك القارة العجوز قدرة على حسمها، حتى عندما يتعلق الأمر بمناطق كانت في فترة من الفترات من بقايا مستعمراتها.

كيف وصلنا إلى هذه الحال بعدما كنا قبل 15 سنة نطمح لمنافسة الولايات المتحدة؟ لقد تطور الاقتصاد الأوروبي 6% فقط، بينما قفز الاقتصاد الأميركي 82% خلال هذه الفترة

لوسي روبيكاين، صحافية فرنسية كانت مراسلة صحيفة "لي إيكو" في نيويورك

تتساءل لوسي روبيكاين، وهي صحافية فرنسية كانت مراسلة صحيفة "لي إيكو" في نيويورك "كيف وصلنا إلى هذه الحال بعدما كنا قبل 15 سنة نطمح لمنافسة الولايات المتحدة؟ لقد تطور الاقتصاد الأوروبي 6 في المئة فقط، بينما قفز الاقتصاد الأميركي 82 في المئة خلال هذه الفترة. بل تراجع الاستهلاك في منطقة اليورو، وزاد لدى الأسر الأميركية 9 في المئة، مما يفرض علينا أن نعيش أقل ثراء، وأكثر ارتباطا بالآخرين في أمننا ومصادر عيشنا".

إقرأ أيضا: لعنة البونابرتية تلازمها في غير زمنها: فرنسا إلى أين؟

سيكون على حكومات منطقة اليورو كذلك التزام قواعد الموازنة المالية، وخفض العجز إلى ما دون 3 في المئة، وسقف المديونية إلى ما دون 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في حلول 2027. وهي شروط وضعتها المفوضية الأوروبية وسيصادق عليها البرلمان الأوروبي لاحقا لوقف نزيف الاقتصاد المحلي، والعودة إلى "الأرثوذكسية المالية" التي تم التخلي عنها عام 2020 زمن الجائحة لأجل زيادة الإنفاق الحكومي وتسهيل الاقتراض.

أثارت خطابات دونالد ترمب الحماسية أمام مناصريه في الحملة التمهيدية للانتخابات الرئاسية، جدالا كبيرا في وسائل الإعلام ولدى السياسيين الأوروبيين، حول المضمون الاستراتيجي "لربط حماية حلف "الأطلسي" عسكريا لأي بلد عضو، بالوفاء بتسديد الالتزامات المالية".

وعلى الرغم من أن الكلام مجرد حديث افتراضي ومجرد قصة مختلقة، حول مدى وقوف واشنطن إلى جانب حلفائها في حال غزو روسي محتمل، إلا أن تكراره يجعل قادة قمة بروكسل في توجس وحيرة يدفعانهم إلى الحيطة والحذر من تخلي حلف "الأطلسي" عن أصدقائه، بعدما تجاوزت العلاقات مع روسيا كل الخطوط الحمراء، بإيعاز أميركي، ومنها 66 مقاطعة اقتصادية وتجارية ضد موسكو، تبين أن الاتحاد الأوروبي كان أول ضحاياها بعدما حقق الدب الأبيض نموا فاق 3 في المئة.

من وجهة نظر المستشار الألماني، أولاف شولتز، فإن التهديد الروسي وعدم اليقين الذي يلف مستقبل حلف "الأطلسي" في حال عودة ترمب الى السلطة، يضعان الاتحاد الأوروبي في حال طوارئ

إعادة التسلح الألماني

بالنسبة الى وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، "علينا أن نتوقع أن يقوم فلاديمير بوتين يوما ما بمهاجمة دولة أو أخرى من حلف الأطلسي". ومن وجهة نظر المستشار الألماني، أولاف شولتز، أن "التهديد الروسي وعدم اليقين الذي يلف مستقبل "حلف شمال الأطلسي" في حال عودة ترمب الى السلطة، يضعان الاتحاد الأوروبي في حال طوارئ"، والمقصود هنا زيادة الإنفاق العسكري ولو على حساب التوازنات التي تطالب بها بروكسل.

AP
المستشار الألماني أولاف شولتز يتحدث مع جنود الجيش الألماني أمام دبابة من طراز(Leopard 2A6)، خلال تدريبات عسكرية في أوستنهولز، ألمانيا، الإثنين 17 أكتوبر 2022

سيدفع ذلك ألمانيا إلى التسلح وإنفاق 2 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على موازنة الدفاع التي كانت تقدر بـ1,46 في المئة فقط عام 2022، حيث رصدت الحكومة الفيديرالية صندوقا لإعادة التسلح بقيمة 100 مليار يورو إضافية حتى عام 2027، وهي ستحتاج إلى رفع الموازنة سنويا بين 25 و30 مليار يورو، لتبلغ 82 مليار يورو عام 2025، وهو اكبر إنفاق عسكري منذ العام 1990، أي منذ سقوط حائط برلين وتوحيد الألمانيتين، وهو ما يصطلح عليه بالألمانية تبدل الأزمنة. وتوقعت صحيفة "تاغس شبيغل" الألمانية أن تقع حرب جديدة أخرى في أوروبا خلال السنوات الخمس أو الست المقبلة.

إشكالات ثلاثية

رفع الإنفاق العسكري في دولة مثل ألمانيا أصبح اقتصادها الثالث عالميا (2024) بعد الولايات المتحدة والصين، يمكن تحمله من خلال التوسع الصناعي والصادرات التكنولوجية ذات القيمة الفائضة، ولو بنمو متواضع، بفضل مديونية ضعيفة لا تتجاوز 66 في المئة من الناتج.

على دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة ضخ 380 مليار يورو سنويا في موازنتي الدفاع وحلف "الأطلسي"

في المقابل، ستحتاج فرنسا ومجموع دول الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط المثقلة بالديون (أكثر من 100 في المئة من الناتج) إلى جهود إضافية صعبة التحصيل، كونها تقع في إشكالية ثلاثية الأبعاد: أولا، يتعين ضخ 2 في المئة من الناتج الإجمالي لحساب موازنة حلف "الأطلسي". ثانيا، يجب التزام قواعد الموازنة كما تسطرها بروكسل، بما فيها المديونية والعجز المالي. ثالثا، يجب الإنفاق على المطالب الاجتماعية لضمان الاستقرار وتجنب السقوط في براثن حكم أقصى اليمين، وبعضه مقرب من موسكو.

للمزيد إقرأ: المشهد السياسي الأوروبي في ضوء الحرب الأوكرانية

أما دول أوروبا الشرقية، وهي غير متجانسة المواقف من حرب أوكرانيا، فقد تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه، إما الوفاء بتعهدات بروكسل المالية، أو دفع مستحقات حلف "الأطلسي" خوفا من تهديد ترمب. في كل الحالات، على دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة ضخ 380 مليار يورو سنويا في موازنتي الدفاع وحلف "الناتو".

نهاية الاتحاد الأوروبي؟

يعتقد أكثر المحللين تفاؤلا أن الاتحاد الأوروبي في صيغته الحالية قد يتعرض لكثير من الهزات والتحديات، تجعله أقل صمودا مما كان يتوقعه المؤسسون الأول، الذين راهنوا على الأمن والسلام لتطوير الاقتصاد وإرساء شروط الرفاه والاستقرار. فالجغرافيا وحتى التاريخ وحدهما، لا يكفيان لتوحيد الشعوب والمصالح حول قضايا أصبحوا مختلفين حولها. وقد تشكل الانتخابات الأوروبية في الصيف المقبل لتجديد البرلمان في ستراسبورغ، امتحانا صعبا يكشف عن بوصلة أمزجة الشعوب وخياراتهم.

font change

مقالات ذات صلة