بدا ملاحظا في عدد من النصوص الحديثة، سواء في الرواية أو القصة القصيرة، المكتوبة في دول الخليج العربي، من الكويت حتى عمان، مرورا بالإمارات، اهتمام بعض الكتاب بعرض آثار القرية القديمة، ورصد التغيرات التي أحدثتها المدينة في حياة المجتمع على اختلاف بيئاته وثقافته. هنا عرض لبعض تلك التجارب.
"ما لم يرد ذكره من سيرة أضحية"
تقدم مثايل الشمري من الكويت في روايتها الأولى "ما لم يرد ذكره من سيرة أضحية" (منشورات تكوين)، حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها من خلال قصة تجمع ثلاث شخصيات، سلطان وسالم وأضحية، ويبدو أن لكل واحد منهم عالمه الخاص، نتعرف من خلال أصغرهم سالم الى ذلك العالم، بكل ما فيه من غموض وغرابة، منذ سطور الرواية الأولى، حيث حادثة اختفاء "سلطان وأضحية وابنهما"، وكيف يتعامل سالم من خلال استدعاء ذكرياته وتعريفنا بتفاصيل ذلك الاختفاء. تحضر هنا أضحية من البادية، من قرية من قرى الكويت لكي يتزوجها سلطان ابن المدينة، ولكن يبدو أثر القرية باقيا على البنت/العروس، التي ترفض الانصياع له في أول الأمر، لكنه يجبرها على الامتثال لطلباته، حتى ينجب منها الولد، ويحدث له ما أراد، لكن الأمور لا تستقيم على هذا الحال.
تتحول "سيرة أضحية" من مجرد حكاية لامرأة تخرج من قريتها إلى بيت في المدينة، إلى أمثولة تصور بشكل مجازي تلك العلاقة الملتبسة بين عالم القرية وعالم المدينة في الكويت. فسلطان لم يبحث عن أصوله ولم يشأ أن يتزوج من مدينته التي عاش فيها وتعود عليها، وإنما اختار أن يقترن بتلك الفتاة التي تمثل ذلك الأصل البعيد والغريب في الوقت نفسه، فيما بقي سالم متأملا لذلك العالم الذي تحمله أضحية، حريصا على استكشاف ما تبوح به. لم يجد غيرها ليحكي حكاياته، اقترب منها بحذر وبدا أن اقترابه هو السبب في تلك النهاية التي لا يعرف كيف جاءت، فيما بقيت أضحية بكل ما تمثله من ثراء وغرابة وغموض، ابنة للصمت الذي تتلحف به، ورغم قدرتها على أن تأتي بالولد رغما عنها، إلا أنها استطاعت أيضا أن تختفي بتلك الطريقة الغريبة التي لم يتمكن السارد من محو آثارها.





