الصين وسقوط مادورو... بين حماية المصالح والتحرك الاستراتيجيhttps://www.majalla.com/node/329175/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%B3%D9%82%D9%88%D8%B7-%D9%85%D8%A7%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%88-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A
كان المبعوث الصيني الخاص إلى أميركا اللاتينية، تشيو شياوتشي، أحد أبرز المسؤولين الدوليين الذين التقاهم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل ساعات قليلة من اعتقاله على يد قوات أميركية خاصة داخل ملجئه المحصّن في كاراكاس.
يفتح هذا التوقيت الباب أمام احتمالين متمايزين: أولهما أن واشنطن سعت إلى إحراج بكين، عبر توجيه رسالة مفادها أن الحضور الدبلوماسي الصيني لا يوفر حصانة لحلفائها في مواجهة الحسم بالقوة، بما يحمله ذلك من دلالات أوسع تتعلق بحدود النفوذ الصيني وفاعلية تحركاته الخارجية. أما الاحتمال الثاني، الأكثر حساسية، فيفترض أن تكون بكين على علم مسبق بالعملية، وأن زيارة مبعوثها هدفت إلى دفع مادورو نحو التنحي أو مغادرة البلاد، تفاديا لمواجهة أشمل. في كل الأحوال، وأيا كانت طبيعة مهمة تشيو في كاراكاس، فإن العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا لم تضع حدا لحكم مادورو ولما يقارب 27 عاما من الحقبة الشافيزية فحسب، بل شكّلت أيضا رسالة مباشرة إلى الصين.
ويجمع الخبراء على أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي أعادت وضع هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي في صدارة أولويات السياسة الخارجية ضمن "استراتيجية الأمن القومي الأميركي" الصادرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لم تستهدف فنزويلا بوصفها شريكا استراتيجيا للصين بحدّ ذاتها، إلا أن الحضور الصيني المتنامي في أميركا اللاتينية يجعل بكين لاعبا محوريا في المشهد، وبالتالي طرفا معنيا مباشرة بتداعيات ما أطلقت عليه تلك الاستراتيحية "ملحق ترمب" لـ"مبدأ مونرو"، الذي لطالما برر التدخلات السياسية والعسكرية والاقتصادية في أميركا اللاتينية باعتبارها "منطقة نفوذ" يجب حمايتهما من القوى المنافسة.
أما الاحتمال الثاني، الأكثر حساسية، فيفترض أن تكون بكين على علم مسبق بالعملية، وأن زيارة مبعوثها هدفت إلى دفع مادورو نحو التنحي أو مغادرة البلاد، تفاديا لمواجهة أشمل
ورغم أن فنزويلا لا تشكّل ركيزة أساسية في مشروع "الحزام والطريق" الصيني، وأن حجم التبادل التجاري بين البلدين، بما في ذلك النفط، يظل محدودا نسبيا، كما أن مستوى التعاون العسكري والأمني لم يتجاوز حدوده الدنيا، إلا أن العملية الأميركية ضدها قد ترقى إلى كونها محطة مفصلية في مسار التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين.
ويعتمد ذلك إلى حد بعيد إلى طريقة تعامل إدارة ترمب مع مصالح الصين في فنزويلا. غير أن المؤشرات الأولية ليست مبشرة. فإعلان واشنطن نيتها "إدارة فنزويلا" و"إعادة هيكلة" اقتصادها وقطاعها النفطي بما يلائم المصالح الأميركية، يشير إلى أن هدفها من استخدام القوة العسكرية هو تعويض الإخفاق في فرض هيمنتها على نصف الكرة الغربي وبناء شراكات أمنية واقتصادية مستدامة مع دولها، والعجز عن منع الصين من اختراق "باحتها الخلفية" بأدوات الاقتصاد والاستثمار والتجارة طويلة الأمد.
وهذه المعادلة التي تقتصر حاليا على نصف الكرة الغربي، قد تطبق لاحقا في مناطق أخرى، حيث قد تلجأ واشنطن إلى القوة العسكرية لتغيير البنية السياسية والاقتصادية لدول مستهدفة، في محاولة لتعزيز موقعها في السباق الاقتصادي العالمي مع بكين.
هدف ملائم لاستراتيجية غير مناسبة
اختارت واشنطن لبدء هذه الاستراتيجية الهجومية والمثيرة للجدل هدفا بدا من منظورها ملائما، الأمر الذي لا يضعها بمواجهة مباشرة مع بكين. فقد مثّل مادورو خطرا متعدد الأبعاد: خطرا داخليا مرتبطا بملفات تهريب المخدرات وتمرير المهاجرين غير النظاميين؛ وخطرا أمنيا من خلال تعاونه مع إيران و"حزب الله"؛ وخطرا استراتيجيا عسكريا بصفته حليفا متقدما لروسيا ومتلقيا للسلاح منها؛ وأخيرا خطرا استراتيجيا اقتصاديا ناجما عن دوره في تزويد المجمع الصناعي الصيني بنفط رخيص، يتيح لبكين الحفاظ على هوامش ربح مرتفعة.
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (في الوسط) برفقة عملاء إدارة مكافحة المخدرات الأميركية داخل مقر إدارة مكافحة المخدرات الأميركية في مانهاتن السفلى، نيويورك، في 3 يناير 2026
وما يعزز هذا الخيار الأميركي أن الصين نفسها كانت تنظر إلى مادورو بمزيج من الحذر والتحوّط. فبعد أقل من عامين على توليه السلطة خلفا لهوغو شافيز، تراجع الاهتمام الصيني بفنزويلا، وخفّضت بكين العلاقة مع كاراكاس..
ففي عام 2014 ومع انخفاض أسعار النفط العالمية، بدأ نموذج "النفط مقابل القروض"، أي سداد القروض الصينية التي بلغت حينها نحو 60 مليار دولار عبر شحنات نفط، يتعرض لضغوط متزايدة، مع تقلص القيمة الفعلية للنفط الذي تحصل عليه الصين مقابل قروضها.
ومنذ ذلك الوقت، استمرت بكين في التعامل التجاري مع كاراكاس، إذ بلغ متوسط وارداتها من النفط الفنزويلي في عام 2025، نحو 470 ألف برميل يوميا، ما يشكل قرابة 4.5 في المئة من إجمالي وارداتها من النفط المنقول بحرا، وبخصم تراوح بين 10 و15 دولارا للبرميل مقارنة بسعر خام برنت.
هذا التناقض بين التحوّط الاقتصادي الصارم والاستفادة النفطية أسهم في جعل الصين مكشوفة لحظة إسقاط مادورو، فهو لم يكن شريكا يستحق الدفاع عنه، لكنه ظل مفيدا بما يكفي لتفضيل بقائه. ومن هذا المنطلق، مثّلت إطاحته خسارة مزدوجة لبكين: فقدان ترتيب نفطي مرن يلائم احتياجاتها الاقتصادية، وفتح الباب أمام انتقال كاراكاس إلى الفلك الأميركي، بما قد يفرض قيودا إضافية على الحضور الصيني في فنزويلا.
ما يعزز الخيار الأميركي أن الصين نفسها كانت تنظر إلى مادورو بمزيج من الحذر والتحوّط
مع إدراك بكين لحساسية الموقف، اتسم ردها الدبلوماسي بالحساب الدقيق والتدرج، في مزيج يعكس حماية المصالح والتحرك الاستراتيجي الهادف إلى كبح الاستراتيجية الأميركية. فبعد صمت في الساعات الأولى، انتقلت إلى إدانة واضحة لاستخدام القوة واعتبارها انتهاكا للقانون الدولي ولسيادة فنزويلا، داعية إلى وقف سياسة الإملاءات الأميركية والإفراج عن مادورو.
وفي مجلس الأمن، نسّقت بكين مواقفها مع موسكو، رافضة مبدأ دوائر النفوذ، ومتحدّية الهدف الأميركي المتمثل في الهيمنة على أميركا الجنوبية، عبر إعلان استعدادها للتعاون مع دول المنطقة للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن مصالحها في فنزويلا تبقى محمية بموجب القانون. ورغم الحذر الأوروبي الشديد، بدت واشنطن إلى حد كبير معزولة داخل المجلس، إذ قالت فرنسا إن العملية العسكرية الأميركية تقوض أساس النظام الدولي، وهو ما وصفه منظر الواقعية في العلاقات الدولية جون ميرشايمر بأنه انتقاد فرنسي غير معهود منذ العدوان الثلاثي على السويس لعملية عسكرية أميركية، وتحول تاريخي في تماسك الموقف الغربي.
أما التصعيد الأوضح فجاء عبر تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، التي وصفت تعامل واشنطن مع ملف النفط الفنزويلي وإعلانها الصريح نيتها السيطرة عليه لسنوات طويلة بأنه "تنمّر اقتصادي" ومحاولة لفرض خيارات اقتصادية قسرية على الدول. وأكدت بذلك أن ما يجري يتجاوز فنزويلا، ليشكّل نموذجا أوسع لإعادة هندسة العلاقات الاقتصادية الدولية في إطار المنافسة الأميركية–الصينية.
وفي السياق نفسه، كتبت صحيفة "الشعب" اليومية، بقلم تشونغ شنغ، وهو اسم مستعار تستخدمه الصحيفة الناطقة باسم "الحزب الشيوعي الصيني" للتعبير عن مواقفها في السياسة الخارجية، أن إعلان واشنطن عزمها "إدارة" فنزويلا والسماح لكبرى شركات النفط الأميركية بالدخول إليها هو "تصريح فجّ بالنهب أسقط آخر أوراق التمويه".
وبهذا الموقف، تحولت الصين إلى الفاعل الدولي الأكثر وضوحا في معارضة العملية الأميركية، في ظل امتناع معظم دول العالم النامي عن انتقادها، خشية ردود فعل انتقامية من رئيس أميركي يتعامل مع السياسة الخارجية بمنطق شخصي، وبالتوازي مع حذر أوروبي وروسي من استفزاز ترمب في سياق حرب أوكرانيا.
الديون والنفط والمعادن الحيوية
ورغم ما ينطوي عليه ردّ الفعل الصيني من محاولة لتحويل نكسة فنزويلا إلى فرصة استراتيجية، فإنه لا يعكس نجاحا فعليا في احتواء تداعياتها. إذ يشير الكاتب والباحث الصيني تشاو تشي جيون، في حديثه لـ"المجلة"، إلى أن فنزويلا راكمت ديونا ضخمة بالدولار لصالح الصين، محذرا من أن أي إعادة هيكلة رسمية مستقبلية لهذه الديون لن تتم من دون موافقة وزارة الخزانة الأميركية. وهو ما يعني أن تسديد الديون الصينية قد يواجه عراقيل مباشرة من واشنطن.
غير أن إريك أورلندر وهو صحافي أميركي ورئيس تحرير بودكاست "شاينا غلوبال ساوث بروجيكت"، المتخصص في علاقات الصين مع الدول النامية لاسيما آسيا وأفريقيا، قلل من أهمية هذا العامل، موضحا أن الصين نجحت منذ 2015 وصولا إلى 2023 لخفض مبلغ الديون من الفنزويلية من 60 مليار دولار إلى 10 مليارات، وهو برأيه مبلغ مهم لكن وفق المعايير الصينية يمكن تحمل خسارته.
من ناحية أخرى، يوضح تشاو أن فنزويلا ليست المورد الأول للنفط الخام للصين، إلا أن نفطها الثقيل يتمتع بأهمية استراتيجية لمصافٍ صينية محددة، مضيفا أنه في حال دعمت الولايات المتحدة نظاما جديدا يفرض سيطرته على موارد النفط والغاز الفنزويلية، فإن ذلك سيشكّل صدمة لسلاسل توريد الطاقة الصينية.
وتقع الطاقة في قلب المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، إذ تعتمد التكنولوجيا الحديثة بشكل متزايد على إمدادات الطاقة، ما يجعل السيطرة على مصادرها عاملا مركزيا في صراعات النفوذ والقدرة الاقتصادية والاستراتيجية.
ومن المهم الإشارة في هذا السياق، إلى أنه إضافة إلى العراقيل الكثيرة التي قد تواجه واشنطن في إعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي الذي يحتاج وفق التقديرات الأولية إلى 100 مليار دولار من الاستثمارات لإعادة تأهيله، فإن الصين قادرة على تعويض أي فقدان لنفط فنزويلا من خلال مصادر أخرى لاسيما أن تحكّم واشنطن بنفط فنزويلا، إلى جانب هيمنتها على احتياطات غيانا، يمنحها نفوذا على نحو 30 في المئة من الإجمالي النفطي العالمي، وفق تقديرات "جي بي مورغان"، وهو ما قد يفضي إلى منافسة حادة في سوق النفط تضغط على الأسعار نزولا، الأمر الذي يصبّ في مصلحة الصين.
وإلى جانب الديون والنفط، يُرجّح أن يمتد الأثر إلى الحضور الصيني في قطاعات الطاقة الجديدة والمعادن الحيوية. فقد كانت بكين منخرطة في تطوير مناجم النيكل في فنزويلا، ولديها اتفاقات للتعاون في تعدين التنتالوم واتفاقات أخرى متفرقة. غير أن هذا الوجود يبدو مهددا في المرحلة المقبلة، إذ يشير تشاو إلى أن السلطات الفنزويلية الجديدة، أو هيئات الوصاية الأميركية، قد تعيد فحص المشاريع المرتبطة بالصين، وربما تجمّدها عمليا تحت عناوين قانونية مثل "الامتثال للعقوبات".
وفي حال نجحت الولايات المتحدة في بسط نفوذها على قطاع المعادن الحيوية الفنزويلي، أو في تعطيل قنوات التعاون الصيني–الفنزويلي في هذا المجال، فإن ذلك سيمنحها رافعة استراتيجية إضافية في معركتها الأوسع لتقويض هيمنة الصين على سلاسل توريد المعادن الحيوية، التي تشكّل ركيزة أساسية في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي.
وكانت بكين قد وجهت ضربة مؤثرة خلال الحرب التجارية مع إدارة ترمب، حين فعّلت ورقة المعادن الحيوية في مواجهة الرسوم الجمركية والقيود الأميركية، ما أدى نظريا إلى تعطيل سلاسل توريد مرتبطة بمشاريع دفاعية أميركية حساسة، ودفع البيت الأبيض في نهاية المطاف إلى التراجع وطلب هدنة.
وتُعدّ الصين اللاعب المهيمن عالميا على سلاسل توريد المعادن الحيوية، إذ تستحوذ على الحصة الأكبر من القدرات العالمية في مجال معالجة وتكرير هذه المعادن، بنسبة تتجاوز 80–90 في المئة في الكثير من الحالات. وبناء عليه، فإن خسارة أي استثمارات صينية في هذا الإطار داخل فنزويلا تبقى محدودة الأثر استراتيجيا، ولا تمسّ جوهر تفوق بكين في هذا القطاع على المستوى العالمي.
تأثير الدومينو
من زاوية أوسع، يرى أندرو كوريبكو، وهو محلل سياسي أميركي مقيم في موسكو ومتخصص في دراسة التحول الجيوسياسي العالمي نحو التعددية القطبية، في حديثه لـ"المجلة"، أن الانكشاف الصيني في فنزويلا قد يبعث برسائل مقلقة إلى شركاء آخرين لبكين. فبعض هؤلاء قد يسعى إلى تحسين شروط تعامله معها في ملفات الديون أو الطاقة، فيما قد يُغري آخرين بتقديم عروض "انشقاق" للولايات المتحدة ضمن مناخ الحرب الباردة الجديدة، مقابل دعم مالي وسياسي وأشكال مختلفة من المساندة، إذا ما قُرئت تجربة فنزويلا ما بعد مادورو كنموذج قابل للتكرار، في ما يشبه تأثير الدومينو.
تظاهرة لمعارضي الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في دورال، فلوريدا، في 4 يناير 2026
ويطرح هذا الوضع تساؤلات أمام دول أميركا اللاتينية نفسها، ولا سيما في ظل حاجتها المتزايدة إلى الصين بوصفها شريكا اقتصاديا وتجاريا لا غنى عنه، وحدود قدرتها في الوقت ذاته على الحفاظ على استقلال قرارها الاقتصادي وشراكاتها الدولية.
ويرى الدكتور نيو هايبين، مدير مركز دراسات أميركا اللاتينية في معهد شنغهاي للدراسات الدولية، أن ما جرى في فنزويلا ومحاولات واشنطن استخدام القوة للتدخل في الشؤون الداخلية والعلاقات الخارجية لدول أميركا اللاتينية قد يقيّد قدرة هذه الدول على الانخراط بشكل مستقل في شراكات اقتصادية وتجارية طبيعية مع شركاء دوليين مثل الصين.
ويقول لـ"المجلة": "رغم أن واشنطن قد تنجح في انتزاع تنازلات من هذه الدول على المدى القصير، فإنها ستقوّض على المدى الطويل مصداقيتها الدولية، ولن تتمكن من إجبار مجمل دول أميركا اللاتينية على الاصطفاف إلى جانب أحد الطرفين في المنافسة بين الصين والولايات المتحدة".
ويضيف أن "دول أميركا اللاتينية تجمع، في آن واحد، بين حاجتها إلى الصين وتوافقها على تطوير التعاون معها، وبين أملها في قيام علاقات صحية وبنّاءة بين بكين وواشنطن".
كيف ينعكس ذلك على تايوان؟
في المقابل، لا يرى كوريبكو أن ما يصفه بـ"العملية الأميركية الخاصة" في فنزويلا، في إشارة إلى التسمية الروسية لغزو أوكرانيا، يشكّل حافزا للصين للجوء إلى استخدام القوة ضد تايوان. ويوضح أن امتناع بكين حتى الآن عن هذا الخيار يعود، على الأرجح، إلى استمرار قناعتها بأن المخاطر العسكرية–الاستراتيجية وتكاليفها المحتملة لا تزال غير مقبولة، ولا سيما في ظل احتمال تدخل الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين لدعم تايبيه، وهي حسابات لا يبدو أنها تغيّرت بعد إسقاط مادورو.
بل على العكس، يحذّر كوريبكو من سيناريو أكثر تعقيدا: فإذا ما لحقت إيران بفنزويلا، وترافقت الضغوط الأميركية على دول أخرى في مجموعة "بريكس" مثل البرازيل وجنوب أفريقيا مع استمرار عرقلة مشروع "البترويوان"، وابتعاد شركاء أفارقة أقل وزنا عن الصين، فإن الكلفة غير المباشرة لأي استخدام محتمل للقوة تجاه تايوان قد تصبح باهظة إلى حد غير قابل للتحمل بالنسبة لبكين، إذ قد تجد نفسها مقيدة عن الوصول إلى الطاقة والأسواق الضرورية لاستدامة نموها الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه تتمسك الصين باعتبار تايوان شأنا داخليا، وقد انعكس هذا الموقف في تشديد معلقين مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة "ويبو"، على ضرورة عدم إقامة أي ربط بين تايوان وفنزويلا، على قاعدة أن تايوان شأن داخلي صيني، وأن أي تحرك تجاهها لا يمكن مقارنته باعتداء واشنطن على دولة ذات سيادة مثل فنزويلا.
الكلفة غير المباشرة لأي استخدام محتمل للقوة تجاه تايوان قد تصبح باهظة إلى حد غير قابل للتحمل بالنسبة لبكين، إذ قد تجد نفسها مقيدة عن الوصول إلى الطاقة والأسواق الضرورية لاستدامة نموها الاقتصادي
وباعتبار أن ما جرى في فنزويلا يُمثّل أول تطبيق عملي لملحق ترمب لـ"مبدأ مونرو"، فإن سلوك إدارة ترمب هناك سيحدد، إلى حدّ بعيد، تداعيات هذا الملحق على توازنات النظام الدولي. ويتمثل السيناريو الأول المحتمل في سعي ترمب، عبر هذه الاستراتيجية، إلى "تصحيح" موازين قوى دولية باتت تشير إلى تآكل نموذج الهيمنة الأميركية التقليدي، وذلك من خلال معالجة اختلالات تراها واشنطن تصبّ في مصلحة الصين. في هذا الإطار، تبدو بكين قادرة إلى حدّ كبير على التكيّف، وتوظيف مزيد من الموارد والأدوات بما يتلاءم مع السلوك الأميركي، في سياق المنافسة الاستراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.
يكتسب هذا السيناريو واقعيته في ضوء امتناع ترمب، الذي لطالما تفاخر بمعارضته لحرب العراق وانتقد طريقة إدارة واشنطن لتداعيات تفكيك الدولة العراقية، عن إسقاط نظام مادورو بالكامل، بما يفتح المجال أمام حلول وسطية تُعيد ضبط النفوذ الأميركي من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع بكين، مع الإبقاء على هامش لإعادة ترتيب مصالح الفاعلين الدوليين في المنطقة.
في المقابل، يفترض السيناريو الثاني أن يمضي ترمب في تطبيق معادلة صفرية في فنزويلا، تقوم على إقصاء الصين بالكامل، وتكرار هذا النهج في مناطق أخرى مرشحة لأن تكون هدفا لملحق مبدأ مونرو، الذي لا يبدو أنه سيبقى مقصورا على النصف الغربي من الكرة الأرضية لاسيما في ظل ضربة أميركية متوقعة لإيران وحديث عن مطالب أميركية من طهران مرتبطة بالنفط والمعادن الحيوية. ويعزز إصرار إدارة ترمب على السيطرة الكاملة على قطاع النفط الفنزويلي هذا الاحتمال، وهو ما قد يدفع الصين إلى تبنّي سياسات أكثر هجومية، وتسريع بلورة نموذج بديل للنموذج الأميركي الذي بات أقل جاذبية، بما يضعها في موقع اللاعب المحوري في رسم ملامح النظام الدولي الجديد قيد التشكل.