"نورمبرغ"... قوة العدالة أم عدالة القوة؟

فيلم يغوص في الأسئلة الشائكة ولا يقدم أجوبة جاهزة

 Frazer Harrison / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
Frazer Harrison / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
جيمس فاندربيلت يحضر العرض الأول لفيلم "نورمبرغ" ضمن مهرجان AFI FEST 2025 في مسرح TCL الصيني في هوليوود، كاليفورنيا، في 24 أكتوبر 2025

"نورمبرغ"... قوة العدالة أم عدالة القوة؟

يصعب على السينمائيين تقديم جديد في شأن محاكمات نورمبرغ الشهيرة. فهذه اللحظة التاريخية الرمزية، التي كتبت نهاية حقبة سوداء، وجدت طريقها إلى الفن السابع عبر عشرات الأعمال، خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار النفوذ اليهودي المتجذر في هوليوود، الذي دعم هذا الاتجاه بقوة، لترسيخ السردية المعروفة حول "معاداة السامية"، واستثمار مذابح "الهولوكوست" سياسيا.

مساحة السؤال

هذا الاستهلال يترك انطباعا بأن فيلم "نورمبرغ" الجديد للمخرج الأميركي جيمس فاندربيلت سيقع في فخ التكرار، فكل ما يتعلق بهذه المحاكمات ظهر في أفلام سابقة. لكن هذا الانطباع سرعان ما يتبدد مع المشاهد الأولى للفيلم الذي يستغرق نحو ساعتين ونصف الساعة، وفق إيقاع تصاعدي متناغم لا يخلو من الترقب والتشويق.

لا يقدم الفيلم توصيفات نمطية أو استنتاجات جاهزة، بل يذهب إلى مساحة أكثر إثارة وإرباكا: مساحة السؤال والشك بدل الحكم المسبق والتلقين، دون أي تقليد للثيمة التي تهيمن على هذه النوعية من الأفلام، والتي يمكن اختزالها بـ"التقديس الأخلاقي"، المسلم به، بمعنى أن النازية المهزومة كانت شرا مطلقا، فيما يمثل "الحلفاء" المنتصرون الخير المطلق.

تتجلى هذه الرؤية الرافضة للمسلمات في حوار إشكالي يرد على لسان الضابط النازي هيرمان غورينغ (راسل كرو) مخاطبا طبيبه النفسي الأميركي دوغلاس كيلي (رامي مالك): "لا تعتقد أنك متفوق أخلاقيا علي، أنت فقط انتصرت في الحرب"، وكأنه يقول له: لو انتصرت في الحرب، لكنت أنا الآن أحاكمك كمجرم.

هذا الطرح، الذي يختزل الكثير من مضامين الفيلم، يتجاوز الاستفزاز إلى الطعن في فكرة العدالة ذاتها، وهو لا يقدم في سياق الفيلم بوصفه "حقيقة"، بل يعري منطق الشر وهو يبرر ويدافع عن نفسه، تاركا المشاهد في حيرة، إذ يذكره بأن العدالة الدولية، سواء في محاكمات نورمبرغ أو غيرها، ومهما بلغت من النبل والنزاهة، لا تنفصل عن موازين القوة، حيث يفصل "المنتصرون" معايير العدالة، دائما، على مقاسهم، أو كما يقال ببساطة: "التاريخ يكتبه الأقوياء".

الفيلم لا يتمحور حول المحكمة بوصفها حدثا قانونيا فقط، بل يذهب إلى الهامش المغفل، أي ما يدور خلف الكواليس في الزنازين المعتمة وممرات السجن والغرف المغلقة

ولأن هذه المحاكمات أشبعت درسا ومعالجة، فإن الفيلم المقتبس من كتاب "النازي والطبيب النفسي" للصحافي الأميركي جاك الهاي، لا يتمحور حول المحكمة بوصفها حدثا قانونيا فقط، ولا يغرق في تصوير القاعات ومجريات التقاضي، رغم تخصيص مساحة وافية لها، بل يذهب إلى الهامش المغفل، أي ما يدور خلف الكواليس في الزنازين المعتمة وممرات السجن والغرف المغلقة وجلسات التقييم النفسي.

AFP
صورة التُقطت في نورمبرغ في 2 أكتوبر 1946 تُظهر أشخاصًا يطّلعون على الصحف التي أعلنت انتهاء محاكمة النازيين الألمان المدانين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال الحرب العالمية الثانية

فبعد هزيمة ألمانيا النازية التي أنهت الحرب العالمية الثانية، واعتقال رموزها، تُكلف القوات الأميركية الطبيب النفسي الشاب دوغلاس كيلي تقييم السلامة العقلية والذهنية للمعتقلين قبل المحاكمات، وهنا تنسج حكاية الفيلم الذي يرصد نشوء علاقة ذهنية معقدة بين الطبيب والرجل الثاني بعد هتلر، الضابط الرفيع، المعتد بنفسه، هيرمان غورينغ.

مواجهة أخلاقية

تتحول جلسات التقييم النفسي إلى مواجهة فكرية وأخلاقية وسياسية، عبر حوارات مشغولة بعناية وحذر تكشف كيف يمكن لعقول "سوية" أن تبرر جرائم جماعية باسم "الوطنية والأمجاد"، وتبلغ المواجهة ذروتها حين تصطدم البلاغة المراوغة للشر، كما يظهر في كلام الضابط النازي، بالحقيقة العارية لجرائم الإبادة، التي يصعب إيجاد تفسير منطقي لها.

يغوص المخرج عميقا في قراءة نفسية المسؤول النازي الرفيع، ويتيح له أن يسترسل ويعبر عن فكره وفلسفته حيال ما حدث، كاشفا عن عنصر جديد في فهم هذه الجرائم، وهو الكاريزما والجاذبية الشخصية. فالمآسي لا تأتي من الأيديولوجيات المتطرفة التي تلهب عقول الشعوب، فحسب، بل، قبل ذلك، من قدرة أصحابها على الاقناع والحديث بثبات وثقة، والمكر السياسي الذي يبتكر ذرائع تحول الجرائم إلى "ضرورة وطنية تاريخية".

هذا بالضبط ما تعكسه شخصية غورينغ، التي جسدها كرو بكثير من المهارة والحرفية، بل يمكن اعتبار هذا الدور، الأكثر اكتمالا، منذ دوره في فيلم "المصارع"، للمخرج ريدلي سكوت، والذي نال عنه جائزة الأوسكار لافضل ممثل.

Sony Pictures Classics
راسل كرو في فيلم "نورنبرغ"

لا يقدم المخرج شخصية هذا الضابط النازي باعتباره وحشا أو مجرما متعطشا للدماء، بل نجده رجلا ذكيا نبيها، يحاور بلباقة وبعض السخرية، ويتمتع بحضور طاغ وثقة عالية بالنفس، متمسكا بقناعة أنه لن يهزم، وسيخدع القضاة، حتى وهو ينتظر حكم الإعدام، وهذا ما يتحقق، فعليا، حين يقدم على الانتحار بالسم، دون أن يتيح لخصومه فرصة التشفي بإعدامه.

ولا تكمن خصوصية هذا الدور في أدوات كرو الفنية، التي أجاد في توظيفها، بل في قدرته على إرباك المشاهد الذي يصغي إليه، ويعجب بذكائه، بل ويتعاطف معه، لاسيما ان المخرج أفرد خطا دراميا لزوجته وابنته، وكيف يتم تبادل الرسائل بينهما، سرا، من طريق الطبيب النفسي، والتي تعبر عن روحه الإنسانية الهشة حين يتعلق الأمر بالعائلة والفراق والشوق، ثم يرتد المشاهد فجأة إلى الوعي بحجم الجرائم التي يمثلها.

هذا التوتر بين الإعجاب المؤقت والنفور الأخلاقي هو أحد أهم إنجازات الفيلم، فالمسؤول النازي ليس "شيطانا"، بل شخص متماسك نفسيا، مما يجعل السؤال عن طبيعة الشر أكثر إزعاجا وعمقا، خصوصا إذا ما علمنا أن هذا الضابط النازي هو الذي أسس جهاز المخابرات، "الغستابو"،  الأكثر دموية وبطشا في التاريخ، وهو المسؤول عما سُمي بـ"الحل النهائي" الذي أرسل بموجبه اليهود إلى المحرقة.

هل يكفي أن يكون الإنسان "عاقلا ورزينا"، كما هو الحال بالنسبة للمسؤول النازي، حتى يعارض الشر، أم أن العقل نفسه قد يكون أداة للشر؟

وفي مقابل هذا الضابط، الذي يفرض سطوته حتى وهو سجين، يقف كيلي، الطبيب النفسي الذي يؤدي دوره رامي مالك بأداء داخلي متحفظ، وهادئ. فليست مهمته ان يحاسب الضابط، بل أن يراقبه، محاولا اكتشاف ذهنية النازية، ليواجه للمرة الأولى محدودية أدواته وعلمه. مهمة كيلي بسيطة، وهي التأكد من السلامة العقلية للمتهمين كي يمثلوا أمام المحكمة، لكن مهمته الفعلية، التي يكتشفها تدريجيا أكثر تعقيدا، فهو يحاول فهم كيف يمكن لعقول "سليمة" أن تنتج أفعالا بهذا القدر من الوحشية.

Sony Pictures Classics
رامي مالك في "نورنبرغ"

هنا يضع الفيلم المشاهد أمام مأزق أخلاقي حاد، فهل يكفي أن يكون الإنسان "عاقلا ورزينا"، كما هو الحال بالنسبة للمسؤول النازي، حتى يعارض الشر، أم أن العقل نفسه قد يكون أداة للشر؟ الفيلم لا يحسم الإجابة، بل يظل السؤال معلقا، ويعيد إلى الأذهان صورا لطغاة عبر التاريخ امتلكوا قدرا عاليا من الذكاء والاتزان الظاهري، لكن عقولهم لم تكن عائقا أمام ارتكاب أفظع الجرائم.

AFP
صورة تعود إلى نحو ديسمبر 1945 تُظهر هيرمان غورينغ يقرأ داخل زنزانته في سجن نورمبرغ

العلاقة بين كيلي وغورينغ، التي تمثل جوهر الفيلم، قائمة على الفضول، والانجذاب الفكري المتبادل، فالضابط النازي يستمتع بالحديث والمجادلة واستعراض ذكائه أمام طبيب شاب يمثل، في نظره، الطرف المنتصر، فيما كيلي، وبعد أن ينجح في دفعه إلى البوح، ينجذب إلى شخصية تكسر توقعاته العلمية، التي علمته أن هذه النوعية من الأشحاص تعاني من عقد نفسية عميقة، لكن المسؤول النازي ليس مختلا، بل يدافع عن نفسه بحجج ومبررات منطقية، حتى عندما تكون مرعبة في برودها.

بعد كل هذه الجلسات، يصل الفيلم إلى ذروته الدرامية بل والأخلاقية، حين يُدرج لقطات أرشيفية حقيقية لمعسكرات الإبادة... هذه المشاهد "المرعبة" تكسر، بعنف، أي نقاش نظري أو أي انزلاق نحو تجريد فلسفي مفرط، فلا يمكن "تزيين الجريمة"، أو تجميل القبح أو تلطيف الكارثة.

ولا بد من الإشارة، هنا، إلى أن الفيلم يتفادى السقوط في فخ الدعاية، فالصور الأرشيفية "المفزعة" لا توظف كأداة ابتزاز عاطفي، بل كحد نهائي للنقاش، فالمخرج لا يتعامل مع محاكمات نورمبرغ بوصفها مادة لإعادة إنتاج خطاب المنتصر، ولا يسعى إلى تلقين المشاهد خلاصات جاهزة عن الخير والشر، بل يختار مقاربة مختلفة تقوم على الشك والسؤال، تاركا المشاهد وحيدا أمام تعقيد التاريخ، والتوتر الدائم بين العدالة والسلطة.

Vivien Killilea / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
ليديا بيكهام، كولين هانكس، جيمس فاندربيلت، مايكل شانون، رين شميت، رامي مالك، مارك أوبراين، ورسل كرو، يحضرون العرض الأول على السجادة الحمراء لفيلم "نورمبرغ" ضمن مهرجان AFI Fest في مسرح TCL الصيني في هوليوود، كاليفورنيا

المخرج السيناريست

من الواضح أن فاندربيلت استثمر خبرته الطويلة في كتابة السيناريو، كما في أفلام مثل "زودياك"، و"أسود في مواجهة الحملان"، لبناء هذا الفيلم بأسلوب يجمع بين العمق النفسي والدقة التاريخية بسلاسة تسجل له، إذ تمكن من تصوير العلاقة المعقدة بين كيلي وغورينغ بطريقة درامية متماسكة، من دون أن تبدو مشوشة أو مزدحمة.

الحوارات المنتقاة بعناية، والإيقاع المتناغم، والانتقال من جلسات التقييم النفسي إلى اللقطات الأرشيفية ومداولات المحكمة... كل ذلك يعكس قدرته على توظيف تقنيات السرد السينمائي لتسليط الضوء على التوتر النفسي والأبعاد الأخلاقية للشخصيات، مع الحفاظ على وضوح الخط السردي، بل وتبسيطه رغم ثقل هذا الموضوع التاريخي.

Sony Pictures Classics
مشهد من فيلم "نورنبرغ"

أما على المستوى الإخراجي، فيتسم أسلوب فاندربيلت في الفيلم، بالزهد البصري. فالكاميرا غالبا ثابتة، قريبة من الوجوه، مهتمة بالتفاصيل الصغيرة: حركة بسيطة، ابتسامة، نظرة، صمت قصير بين جملتين، كما أنه ينقل مآسي الحروب من دون أن يذهب إلى ساحات القتال، حيث الجثث والدماء وأزيز الرصاص وهدير الدبابات، مراهنا بدلا من ذلك على الأداء والحوار، الذي قد يراه البعض عبئا ممن لا يفضلون كثيرا التنظير عن الحروب، ويتطلعون إلى "الأكشن".

الفيلم لا يهدف إلى مساواة الجلاد بالضحية، لكنه يذكر بأن محاكمات نورمبرغ كانت لحظة تأسيس نظام قانوني فرضه الأقوياء

ويسهم المونتاج والموسيقى التصويرية والديكور في تكريس هذه المشهدية المتقشفة، فالمونتاج يتجنب الإيقاع المتسارع أو القطع الاستعراضي، بل يتوخى لقطات طويلة تتيح للحوار أن يتنفس، ويتكشف تدريجيا، وهو ما يعزز الإحساس بالاحتجاز داخل الزنازين وغرف التحقيق حيث يبدو الزمن معلقا وثقيلا.

أما الموسيقى التصويرية، فتأتي في حدها الأدنى، شبه هامسة، تُستخدم بحذر دون فرض شعور محدد على المتفرج، بل تكتفي بتأطير المشهد بنبرة كئيبة وباردة، فيما ينهض الديكور بدور سردي داعم، إذ يعاد بناء فضاءات السجن وغرف المحكمة بواقعية صارمة تخلو من الزخرفة، فلا شيء سوى الخرسانة، والحديد، والإضاءة الخافتة التي تعكس مناخا خانقا ينسجم تماما مع طبيعة الفيلم.

الفيلم لا يهدف إلى مساواة الجلاد بالضحية، لكنه يذكر بأن محاكمات نورمبرغ كانت لحظة تأسيس نظام قانوني فرضه الأقوياء، وهو ما يعيد الى الواجهة جدلية العلاقة بين العدالة والقوة، ويمنح الفيلم بعدا يتجاوز الإطار التاريخي ويجعله معاصرا على نحو مقلق.

font change