يصعب على السينمائيين تقديم جديد في شأن محاكمات نورمبرغ الشهيرة. فهذه اللحظة التاريخية الرمزية، التي كتبت نهاية حقبة سوداء، وجدت طريقها إلى الفن السابع عبر عشرات الأعمال، خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار النفوذ اليهودي المتجذر في هوليوود، الذي دعم هذا الاتجاه بقوة، لترسيخ السردية المعروفة حول "معاداة السامية"، واستثمار مذابح "الهولوكوست" سياسيا.
مساحة السؤال
هذا الاستهلال يترك انطباعا بأن فيلم "نورمبرغ" الجديد للمخرج الأميركي جيمس فاندربيلت سيقع في فخ التكرار، فكل ما يتعلق بهذه المحاكمات ظهر في أفلام سابقة. لكن هذا الانطباع سرعان ما يتبدد مع المشاهد الأولى للفيلم الذي يستغرق نحو ساعتين ونصف الساعة، وفق إيقاع تصاعدي متناغم لا يخلو من الترقب والتشويق.
لا يقدم الفيلم توصيفات نمطية أو استنتاجات جاهزة، بل يذهب إلى مساحة أكثر إثارة وإرباكا: مساحة السؤال والشك بدل الحكم المسبق والتلقين، دون أي تقليد للثيمة التي تهيمن على هذه النوعية من الأفلام، والتي يمكن اختزالها بـ"التقديس الأخلاقي"، المسلم به، بمعنى أن النازية المهزومة كانت شرا مطلقا، فيما يمثل "الحلفاء" المنتصرون الخير المطلق.
تتجلى هذه الرؤية الرافضة للمسلمات في حوار إشكالي يرد على لسان الضابط النازي هيرمان غورينغ (راسل كرو) مخاطبا طبيبه النفسي الأميركي دوغلاس كيلي (رامي مالك): "لا تعتقد أنك متفوق أخلاقيا علي، أنت فقط انتصرت في الحرب"، وكأنه يقول له: لو انتصرت في الحرب، لكنت أنا الآن أحاكمك كمجرم.
هذا الطرح، الذي يختزل الكثير من مضامين الفيلم، يتجاوز الاستفزاز إلى الطعن في فكرة العدالة ذاتها، وهو لا يقدم في سياق الفيلم بوصفه "حقيقة"، بل يعري منطق الشر وهو يبرر ويدافع عن نفسه، تاركا المشاهد في حيرة، إذ يذكره بأن العدالة الدولية، سواء في محاكمات نورمبرغ أو غيرها، ومهما بلغت من النبل والنزاهة، لا تنفصل عن موازين القوة، حيث يفصل "المنتصرون" معايير العدالة، دائما، على مقاسهم، أو كما يقال ببساطة: "التاريخ يكتبه الأقوياء".





