خاض الفن اللبناني، ومن ضمنه المسرح، كثيرا في مسألة الحرب، وذلك بفعل واقع الحروب المتراكمة في لبنان، سواء تمثلت في العدوان الإسرائيلي المتكرر أم في الحرب الأهلية اللبنانية. ولا بد أن جيلا من الفنانين خرج من كل هذه التجارب وهو يحلم بطرد شبح الحرب المهيمن على الحياة كما الفن. لكن الحرب الأخيرة كأنما أعادته إلى نقطة الصفر وجعلته مدموغا بثيمتها، رغما عنه.
مرّ نحو عام على الحرب الأخيرة التي تعد الأعنف من بين الاعتداءات التي طاولت لبنان، على الأقل منذ نهاية الحرب الأهلية. لم يكن وقع الدمار الهائل الذي أحدثته الحرب وحده الأعنف على النفس، بل هو الاحتمال الذي بات واقعا بإمكان أن تمحى الحياة برمتها، بقراها ومدنها، ومسارحها ومقاهيها، وكتبها، وغيرها.
تلك الحرب، وإن خفتت وتيرتها، هي حتى اللحظة لم تنته فعليا، بل يبدو أنها ستراوح ابدا على هذه الحال. تلك الظروف تجعل الحرب حاضرة من خلال الصدمة التي أيقظتها على نحو لا يحمل المراوغة أو التشتت. لا بد أن هناك إشكالية فعلية بإنتاج فن مستمد من هذه الصدمة – اليقظة، من دون أن تتوفر المسافة الزمنية الكافية التي قد تسمح بتفكيكها ومعالجتها. الإشكالية لا تعني في الضرورة أن ما ينتج منها من فن أو أدب هو أقل اكتمالا، بل أنه ببساطة يحمل تلك الإشكالية في طياته، ويطرحها كمعضلة.
"ثلاث آيات" في بيروت
ذلك ما يمكن حدسه في عملين مسرحيين عرضا أخيرا في بيروت، أولهما "ثلاث آيات في الوحدة" للمخرجة مايا زبيب. قد يكون العنوان الرئيس للعمل يتناول الوحدة، فيما الأرجح أن الشعور الذي يتجسد مسرحيا هو القلق. القلق بكل معانيه، الحسية والسمعية والبصرية. غير أن الوحدة لا تقع فعليا بعيدا من القلق، بل هي قوقعته. لا تهدف مايا زبيب إلى إمتاع المشاهد في هذا العمل بل فعليا إلى محاصرته وحثه على الخوض في عالمها الداخلي، وذلك يجبره عبر لعبة المرآة على مواجهة ما هو كامن في داخله. العمل ينجح في مبتغاه، فهو في جوهره يهدف إلى أن يجسد بناء الوحدة في كل تقلباتها ضمن شخوص وكوريغرافيا وموسيقى ونص حميمي يأخذنا بسلاسة إلى ذلك العالم الداخلي المشحون الذي يتكشف لنا تدريجيا.



