في مقالين سابقين، تعرضنا في الأول منهما لثلاثي عالم الاجتماع الألماني ج. زيميل (الزاهد – البخيل – المبذر) حيث يثبت أن كل واحد من الأطراف الثلاثة يحدد بـــ"نوع العلاقة بالمال" (رفض، تكديس، إنفاق)، وفي المقال الثاني، قارنا شخصية أخرى هي شخصية المقامر، بهذا الثلاثي، حيث تبينا أن علاقته بالمال مختلفة، فهو ليس عنده غاية ولا وسيلة، بل حدث، ولعبة ورهان.
ما القول في شخصية خامسة هي شخصية "المكدي" والمتسول؟ نعلم أن هذه الشخصية مألوفة لدينا، لا في واقعنا الاجتماعي فحسب، وإنما لما لها من حضور واسع في أدبنا العربي، وهي شخصية لا تخلو من أهمية، لكونها تمثل جهة الهامش الاجتماعي من جهة، ومن جهة أخرى، لكونها تجسد في كثير من الأحيان، خطاب الحكمة أو السخرية أو التمثيل الرمزي للفقر والزهد. يكفي أن نتذكر المداحين والمكديين في العصر العباسي، وما امتلأ به كتاب "الأغاني" من ذكر لهؤلاء وهم يطوفون بالمدائح والأشعار طلبا للعطاء. لم يكونوا متسولين عاديين، بل شعراء يزاوجون بين الكدية والفن.
عند أبي عثمان الجاحظ إشارات عديدة، سواء في كتاب "البخلاء" أو "البيان والتبيين"، إلى هؤلاء المتسولين أصحاب الحيل، يصف فيها مجتمعا يحترف الكدية بأساليب لغوية وتصرفات تعتمد التحايل. الأمر ذاته نجده عند ابن الجوزي في "أخبار الحمقى والمغفلين"، حيث يروي قصص مكديين يبتكرون حيلا لإثارة العطف أو الضحك، مما يبين أن الكدية كانت ظاهرة اجتماعية منظمة.
الشحاذ الإلهي
تتخذ صورة المكدي أحيانا هيئة الحكيم الزاهد أو "الشحاذ الإلهي" الذي يجوب الطرق، كما في أشعار الحلاج أو في مقامات المتصوفة حيث "التسول" رمز للتجرد من الدنيا، وطلب "النفحات" لا الدراهم. هنا يتحول المكدي إلى صورة روحية ويغدو "سائلا باب الله".


