ما علاقة معارك "قسد" في سوريا بمفاوضات الأكراد في تركيا؟

هناك تغير واضح على تفضيلات الولايات المتحدة لشركائها الأمنيين في سوريا

أورهان قريمان/ رويترز
أورهان قريمان/ رويترز
صورة أرشيفية لتجمع في الحسكة شمال شرقي سوريا، رفع فيه مقاتلو "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) صورة عبد الله أوجلان رئيس "حزب العمال الكردستاني" المسجون في تركيا.

ما علاقة معارك "قسد" في سوريا بمفاوضات الأكراد في تركيا؟

غيّرت العملية العسكرية التي أطلقها الجيش السوري ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) من حلب في الأسبوع الأول من يناير/كانون الثاني، المشهد السياسي والأمني ​​في سوريا، وأعادت رسم خارطة البلاد. فقد طُردت "قوات سوريا الديمقراطية" من حلب ودير الزور والرقة، وحُوصرت في جزء من محافظة الحسكة. واستولى الجيش السوري على سدي تشرين والطبقة، وعلى المعابر الحدودية، وحقول النفط، مع استثناءات قليلة للغاية.

وأُجبرت "قوات سوريا الديمقراطية"، التي وقعت اتفاق العاشر من مارس/آذار قبل عام إلا أنها امتنعت عن تنفيذه، أُجبرت اليوم على توقيع "اتفاقية وقف إطلاق النار والاندماج الكامل" في 18 يناير.

وعقب الاجتماع الذي عقد بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي في دمشق يوم 20 يناير، أُعلن وقف إطلاق النار لمدة أربعة أيام. وما زال وقف إطلاق النار صامدا إلى حد كبير، بيد أن القتال بين الجيش و"قوات سوريا الديمقراطية" مستمر في مناطق متفرقة.

وتعمل "قوات سوريا الديمقراطية" على تقييم المقترحات التي طرحت في ذلك الاجتماع، وأعلنت ردها خلال يومين. فإذا ما رفضت "قوات سوريا الديمقراطية" التوصل إلى جميع بنود الاتفاق، فسوف يُستأنف القتال، مع ما ينطوي عليه هذا الاحتمال من وقوع خسائر فادحة في صفوف القوات الحكومية، وتداعيات على البلدان المجاورة ذات الوجود الكردي، إلا أن "قوات سوريا الديمقراطية" ستهزم في النهاية.

ورغم الشكوك التي تلوح في الأفق، فمن المرجح أن تبدي "قوات سوريا الديمقراطية" استجابة إيجابية. وستعتمد إمكانية تحقيق سلام دائم على مدى تنفيذ الاتفاق.

ولا بد لنا من النظر أيضا إلى التطورات في سوريا من منظور يتجاوز حدودها ضمن السياق الأوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

إن تأثير الجهات الفاعلة الخارجية، وفي مقدمتها تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل والخليج، مع الدور المحوري الذي تضطلع به الولايات المتحدة، لا يقل أهمية عن الديناميكيات الداخلية في تحديد مستقبل سوريا.

فإسرائيل، التي وسعت احتلالها ليشمل مرتفعات الجولان بأكملها، أعلنت منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا عمليا، وتدير التطورات في تلك المنطقة من خلال نفوذها على الدروز. وخلال المعارك الأخيرة، التزمت الصمت، وأوقفت عملياتها العسكرية في سوريا، في الوقت الراهن على الأقل.

يمكن ربط صمت إسرائيل بمحادثاتها مع سوريا التي رعتها الولايات المتحدة في باريس، حيث وقع البلدان اتفاقا لإنشاء آلية تنسيق وتواصل مشتركة، والتي يبدو جليا أنها بدأت تؤتي ثمارها. ويمكن تفسير موقف إسرائيل هذا على أنه استجابة لمعالجة مخاوفها بشأن حكومة الشرع والوجود التركي في سوريا.

إلا أن التحول الأبرز هو التغير الذي طرأ على تفضيلات الولايات المتحدة لشركائها الأمنيين في سوريا، فبدلا من "قوات سوريا الديمقراطية" تحالفت مع الجيش السوري وتركيا. قبل بضعة أيام، نشر السفير توم باراك، الممثل الخاص للولايات المتحدة في سوريا، بيانا على وسائل التواصل الاجتماعي يوضح فيه كيف تنظر الولايات المتحدة إلى "قوات سوريا الديمقراطية" في الوقت الحالي، بالإضافة إلى خارطة طريق ودعوة للأكراد السوريين.

إعلان القيادة المركزية الأميركية عن نقل سبعة آلاف معتقل من تنظيم "داعش" من سوريا إلى العراق، بالتنسيق مع الشرع، يوضح الجهود الدبلوماسية متعددة الأطراف التي تبذلها الولايات المتحدة بفعالية كبيرة

وقال السفير باراك إن الوضع قد تغير بشكل جذري بانضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، ونتيجة لذلك "انتهى الغرض الأصلي لـ(قوات سوريا الديمقراطية) باعتبارها القوة الرئيسة المناهضة لتنظيم (داعش) على الأرض إلى حد كبير".

ويقول توم باراك أيضا: "ثمة فرصة فريدة للأكراد الآن حيث يوفر الاندماج في الدولة السورية الجديدة حقوق المواطنة الكاملة، والاعتراف بهم كجزء لا يتجزأ من سوريا، ويؤمن الحماية الدستورية للغة والثقافة الكردية، بالإضافة إلى المشاركة في الحكم"، وهو ما يصفه بأنه "أكثر بكثير من الحكم الذاتي الجزئي الذي تمتعت به (قوات سوريا الديمقراطية) وسط فوضى الحرب الأهلية".

كما أشار الرئيس دونالد ترمب إلى السياسة الأميركية الجديدة بشكل مباشر، وبأسلوبه الفريد، قائلا إنه يحب الأكراد ويحميهم ويعمل الآن مع الحكومة السورية على القضايا الأمنية.

إن إعلان القيادة المركزية الأميركية عن نقل سبعة آلاف معتقل من تنظيم "داعش" من سوريا إلى العراق، بالتنسيق مع الشرع، يوضح الجهود الدبلوماسية متعددة الأطراف التي تبذلها الولايات المتحدة بفعالية كبيرة.

سانا/ أ ف ب
الرئيس أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي لدى توقيع اتفاق 10 مارس/اذار في دمشق

ومما لا شك فيه أن "قوات سوريا الديمقراطية" اقترفت عدة أخطاء في حساباتها وتقديراتها، وفي مقدمتها المبالغة في تقدير قوتها والاستهانة بقدرات الجيش السوري. فموقفها المتشدد في المفاوضات مع دمشق بخصوص تنفيذ اتفاق العاشر من مارس وتصرفاتها المتهورة على الأرض أحبطت الجميع، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ولعل أحد أخطر أخطائها تجلى في تجاهل مخاوف تركيا ومطالبها.

وقد طفت على السطح الاختلافات داخل صفوف "قوات سوريا الديمقراطية"، و"وحدات حماية الشعب"، و"حزب العمال الكردستاني"، مع النظر إلى مظلوم عبدي على أنه أكثر واقعية وانفتاحا على التسوية، وأكثر ميلا إلى الاستماع إلى الولايات المتحدة.

حيث اتخذت جماعات خاضعة لنفوذ كوادر "حزب العمال الكردستاني" في جبال قنديل موقفا متشددا مؤيدا لمواصلة القتال، ووصف زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان الأحداث في سوريا بأنها محاولة لتقويض عملية السلام في تركيا، وقال إن قنديل تتجاهل توجيهاته.

مما لا شك فيه أن "قوات سوريا الديمقراطية" اقترفت عدة أخطاء في حساباتها وتقديراتها، وفي مقدمتها المبالغة في تقدير قوتها والاستهانة بقدرات الجيش السوري

وفي كلمته خلال اجتماع حزبه الأسبوعي، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن القتال ليس ضد الأكراد، بل ضد "حزب العمال الكردستاني".

أما التصريح الأكثر إثارة للدهشة فقد جاء من مسعود بارزاني، الزعيم الأكثر احتراما في العالم الكردي، الذي قال: "لقد أصبح (حزب العمال الكردستاني) عبئا على الأكراد".

إن أكثر ما تريده تركيا هو القضاء على "حزب العمال الكردستاني" في أراضيها، وفي سوريا، وفي كل مكان آخر. وينصب اهتمام الأتراك الذين يخوضون عملية تفاوض مستمرة مع الأكراد في تركيا على أن لا تتسبب التطورات في سوريا بعرقلة هذه العملية أو ترسي سابقة سلبية.

يتضمن الكثير من الوثائق التي جرى الاتفاق عليها أو إصدارها من جانب واحد خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة الماضية بنودا وقضايا بالغة الحساسية قد تكون قابلة للتأويل أثناء التنفيذ. فعلى سبيل المثال، تشير المادة الرابعة من اتفاقية الاندماج إلى "مراعاة الوضع الخاص للمناطق الكردية".

أ ف ب
مقاتلات من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في عرض عسكري في حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور، شرق سوريا في 23 مارس 2021

وبناء على ذلك، ستحتاج الحكومة السورية إلى وضع ترتيب يسمح للأكراد بممارسة حقوقهم الثقافية واللغوية، على النحو المنصوص عليه في المرسوم رقم 13 الذي وقعه الرئيس السوري الأسبوع الماضي. ويبقى أن نرى ما هي الصيغة التي يمكن التوصل إليها في ظل الظروف الحالية، فحتى في محافظة الحسكة، التي تضم أكبر تجمع سكاني كردي، لا يشكل الأكراد سوى حوالي 30 في المئة من إجمالي السكان هناك.

ثمة اختبار آخر بالغ الأهمية، يتجلى في رد فعل الدروز والعلويين على الاتفاق مع الأكراد. ولا يبدو مستبعدا أن يطالبوا بتوسيع نطاق الامتيازات الممنوحة للأكراد بغية أن تشملهم أيضا. ومن جانب آخر تعتبر كيفية إدراج هذه الامتيازات في الدستور الجديد قضية بالغة الأهمية يجب معالجتها.

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من النكسات والهزائم الجسيمة، فإن "قوات سوريا الديمقراطية" ما زالت موجودة ولم تختفِ كليا.

وعلى الرغم من أن واشنطن قد انحازت في هذه المرحلة إلى سوريا كحليف ضد تنظيم "داعش" وإلى شراكة أردوغان، فإنها ستبقى راغبة في إبقاء "قوات سوريا الديمقراطية" بوصفها "احتياطي" لاستخدام مستقبلي محتمل.

كما يمكن النظر إلى التوسط في إبرام اتفاقية تمنح حقوقا خاصة للأكراد السوريين وتدمج وحدات "قوات سوريا الديمقراطية" في الجيش السوري، حتى لو نصت الوثيقة على أن يتم الدمج على أساس فردي، على أنه إضفاء للشرعية على الهيكل القائم وتلميعه، وبالتالي الحفاظ عليه.

وإذا سارت الأمور بسلاسة، فسوف يسود السلام، الأمر الذي يسمح للحكومة السورية بأن تولي جلَّ اهتمامها لإعادة بناء البلاد، وإرساء نظام سياسي يمكنها من المضي قدما خلال الفترة الانتقالية، وجذب المستثمرين الأجانب الذين تشتد حاجة البلاد إليهم.

أما البديل فهو المزيد من المعاناة والخراب الذي سوف يرخي بظلال قاتمة على كافة الأطراف.

font change

مقالات ذات صلة