شي جينبينغ… الزعيم الصيني لا يطمئن إلى جيشه

الزعيم الصيني بنى منظومة حكم تقوم على الشك الدائم وغياب الثقة داخل المؤسسة العسكرية

شينخوا / لي غانغ
شينخوا / لي غانغ
الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال تفقده وحدة من "جيش التحرير الشعبي" الصيني في منطقة ماكاو، جنوب الصين، في 20 ديسمبر 2024

شي جينبينغ… الزعيم الصيني لا يطمئن إلى جيشه

بعد إقصاء اثنين من كبار الجنرالات، تشانغ يوشيا وليو تشنلي، أواخر يناير/كانون الثاني، لم يبق في اللجنة العسكرية المركزية الصينية سوى الزعيم شي جينبينغ ونائب رئيس واحد هو تشانغ شنغمين. وعلى مدى العامين الماضيين، خضع عدد كبير من كبار ضباط جيش التحرير الشعبي لتحقيقات مطولة، وتشير إحصاءات غير مكتملة إلى خفض رتبة أكثر من اثني عشر جنرالا من كبار القادة الذين ما يزالون في الخدمة.

وتحرك شي جينبينغ ضد جنرالاته بشدة تفوق ما اعتمده في تعامله مع المسؤولين المدنيين. وتبرز هذه الشدة بوضوح في حملة التنظيف المنهجية داخل اللجنة العسكرية المركزية، وهي أعلى هيئة قيادة في جيش التحرير الشعبي.

وفي أروقة السلطة، نادرا ما تخلو الساحة من شخصية تحيط بها شبهة فساد، غير أن السؤال الجوهري يبقى ما إذا كانت القيادة تختار التحرك. ولم يعزف أسلاف شي جينبينغ عن مكافحة الفساد لافتقارهم إلى الإرادة، بل كان الفارق الحاسم في بنية السلطة ذاتها. فقد أقام شي نظاما للسلطة الفردية لا يضاهيه سوى نظام ماو تسي تونغ، إلا أن هذا المقال ليس معنيا بالخوض في كيفية تشكله.

(رويترز)
الزعيم الصيني شي جينبينغ لدى وصوله إلى مراسم إحياء "يوم الشهداء"، قبل يوم من العيد الوطني، في ساحة تيانانمن ببكين، 30 سبتمبر 2025

يميل خصوم شي جينبينغ إلى وصف حكمه بالشمولي، وهو توصيف قد يصلح تعبيرا عن استنكار أخلاقي، لكنه لا يعكس، من زاوية تحليلية أدق، طبيعة النظام القائم. فالنظام الذي يقوده شي لم يبلغ شمولية حكم ماو تسي تونغ أو الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، والفارق هنا لا يتعلق بمستوى الشمولية، بل باختلاف جزئي في النوع.

تحرك شي ضد جنرالاته بصرامة أكبر مما فعل مع المسؤولين المدنيين، هذه الحماسة واضحة بشكل خاص في عملية "التنظيف" المنهجي لأعلى هيئة قيادية في الجيش

تقوم الشمولية الكلاسيكية على ثلاث سمات رئيسة. أولها مشروع واسع لإعادة تشكيل المجتمع والطبيعة البشرية، ويظهر غالبا من خلال التعبئة الجماهيرية. وثانيها وضع السياسة في موقع القيادة المطلقة، بما يؤدي إلى تسييس كامل للحياة الخاصة. أما ثالثها، فيتمثل في حكم قائم على الترهيب، تتحول فيه الشرطة السرية إلى الأداة المركزية، بما يتيح اعتقال الخصوم أو معاقبتهم أو تصفيتهم بصورة اعتباطية، من دون التقيد بإجراءات قانونية لازمة أو سليمة. وتضيف الشمولية الشيوعية بعدا اقتصاديا إلى هذه السمات، يتمثل في إلغاء الملكية الخاصة وفرض ملكية عامة شاملة.

يشبه نظام شي جينبينغ هذا النموذج في بعض جوانبه، لكنه يفتقر إجمالا إلى التعبئة المستمرة عبر حركات جماهيرية تستهدف إعادة تشكيل المجتمع. كما يفتقر إلى القدرة التي ميزت حقبة ماو تسي تونغ، تنظيميا ونفسيا، على تحويل الضغط السياسي إلى زخم جماهيري على مستوى البلاد كلما أرادت القيادة ذلك. لذلك، قد يكون الوصف الأدق هو أنه استبداد معزز، أي تعزيز تكنولوجي وتنظيمي للحكم السلطوي التقليدي في العصر الرقمي.

ويتجلى ذلك في رقابة اجتماعية أدق تفصيلا، وانضباط أشد يفرض على الجهاز البيروقراطي، وتنسيق أكثر مركزية للسياسات والدعاية. ولا شك في أنه يمارس ضغطا سياسيا ويقمع الفكر والتعبير، لكنه، في أقصى حدوده، يسعى لإعادة تشكيل الحزب الشيوعي الصيني وتطهيره، لا إلى إعادة صياغة الطبيعة البشرية.

(رويترز)
قوات الشرطة المسلحة الشعبية خلال عرض عسكري لإحياء الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، في بكين، 3 سبتمبر 2025

وتظهر هذه العملية بوضوح داخل جيش التحرير الشعبي، حيث أعاد شي جينبينغ ترتيب السلطة على نحو أكثر فردية وأشد حزما، بذريعة صون الأمن. ويقترب هذا الترتيب من الشمولية داخل المؤسسة العسكرية التي كانت، في السابق، أكثر استقلالا وأميَل إلى الانغلاق. ويتجسد ذلك في نظام مسؤولية رئيس اللجنة العسكرية المركزية، وهو إطار طرحه شي عام 2014 ويكرس السيطرة الكاملة للزعيم على جميع الشؤون العسكرية.

نظام شي يفتقر إلى التعبئة الجماهيرية الهادفة إلى إعادة تشكيل المجتمع، كما يفتقر إلى قدرة حقبة ماو على تحويل الضغط السياسي إلى تحرك شامل

ورفع شي جينبينغ هذا النظام إلى مستوى أعلى مؤسسة سياسية في الجيش، وجعله المبدأ السياسي الأسمى فيه، ليغدو أداة للسيطرة المحكمة. ومن خلال الأيديولوجيا والتنظيم والقواعد والإجراءات وآليات المساءلة، يتغلغل هذا الترتيب في جميع مفاصل جيش التحرير الشعبي، فيرسخ القيادة المطلقة لـ"الحزب الشيوعي الصيني" على الجيش. وهكذا، لا تنصرف غاية الولاء إلى حزب مجرد، بل إلى الزعيم، ولا تتوقف الطاعة عند قرار جماعي، بل عند حكم فردي.

يبدو تصميم شي جينبينغ محكما، لكن تطبيق قيادة مطلقة داخل المؤسسة العسكرية يصطدم بتناقض بنيوي لا مفر منه. فالنظام الرئاسي، من حيث المبدأ، يفترض تركيز القيادة والإدارة في يد الرئيس وحده، غير أن الواقع يجعل هذا التركيز مستحيلا إذا تولى الزعيم بنفسه أداء جميع تلك المهام.

إذ لا يملك شي جينبينغ الوقت ولا القدرة على متابعة التفاصيل الدقيقة، كما يفتقر إلى الخبرة اللازمة لإدارة مجالات شديدة التقنية مثل العمليات والتدريب والتجهيز والجاهزية والإصلاح على أساس يومي. لذلك يظل دوره محصورا في موقع صاحب القرار الأعلى والمرجع النهائي. وبناء على ذلك، يعهد بإدارة الشؤون اليومية للجيش إلى نواب يثق بهم، ويحتل نواب رئيس اللجنة العسكرية المركزية موقعا محوريا في هذه الهيكلية. عمليا، يعمل شي عبر هؤلاء النواب، وهم مزيج من جنرالات في الخدمة ومفوضين سياسيين يحملون رتبة جنرال. أما نظريا، فيضع شي التوجهات العامة ويصدر القرارات النهائية، فيما يتولى نوابه التنفيذ الفعلي.

(رويترز)
ليو تشنلي، عضو اللجنة العسكرية المركزية الصينية، يصل للمشاركة في "منتدى شيانغشان" في بكين، 30 أكتوبر 2023

وهنا تكمن المعضلة. إذ يريد شي جينبينغ أن يقتصر دور نواب الرئيس على التنفيذ، وأن يظلوا جنرالات مهنيين أكفاء لا ينافسونه على السلطة ولا يشكلون مراكز نفوذ مستقلة. غير أنه لا البشر، ولا المؤسسات، تعمل بهذه البساطة. فالوكلاء، بحكم مواقعهم، يرسخون قدرا من السلطة الخاصة، وتمنحهم خبرتهم المهنية هامشا من التقدير والتفسير. ومن خلال تطبيق الأوامر بانتقائية، أو الالتزام الشكلي بها مع الالتفاف عليها بهدوء، يكتسبون نفوذا خاصا. ولا ينطوي ذلك بالضرورة على معارضة أو تقويض مباشر لسلطة شي، إذ قد يكون في أحيان كثيرة تعبيرا عن حكم مهني يهدف إلى جعل التنفيذ أكثر عملية، وإن ابتعد في الوقت نفسه عن مقصوده الأصلي. فالجنرالات، في نهاية المطاف، يعرفون ما يستطيع الجيش إنجازه وما يعجز عنه على نحو أدق مما يمكن لرئيس الدولة أن يعرفه.

يفتقر شي إلى الوقت والطاقة، ولا يمتلك خبرة العمليات والتدريب والتجهيز للقيام بوظائف القيادة والإدارة اليومية بنفسه، لذلك يبدو دوره أقرب إلى صانع قرار وحكم نهائي

لكن هذا المسار يفضي إلى مأزق آخر. فكلما تعاظم دور الوكلاء، نشأت من حولهم دوائر ولاء خاصة. صحيح أن الكلمة النهائية في تعيين كبار الضباط تبقى للزعيم شي جينبينغ، إلا أن نوابه يمتلكون، بحكم مواقعهم، تأثيرا حاسما في الترشيح والاعتراض، ولا سيما في الملفات الواقعة ضمن نطاق إشرافهم. ومع تبلور هذه الدوائر، يتشكل حول نائب الزعيم مركز قوة ثانوي. وهو ما يعتبره تهديدا.

هنا، لا تعود السلطة العسكرية عبارة عن خط اتصال مباشر بين الزعيم والقوات، بل تتشكل بينهما طبقة وسيطة، تمر عبرها الوقائع إلى الزعيم بعد تصفية، وتنفذ الأوامر بعد تأويل مهني، ومع مرور الوقت قد تنصرف ولاءات الكوادر إلى من يوفر لهم الحماية والدعم داخل المؤسسة، لا إلى الزعيم نفسه. وهو مسار يتعارض مع منطق القيادة المطلقة الذي يسعى إليه شي جينبينغ.

ولهذا امتدت حملة شي جينبينغ لمكافحة الفساد داخل الجيش إلى مستوياته العليا. فالمحرك، في الغالب، لا يكون حجم ما سُرق، بقدر ما يكون إدراك شي أن قنوات القيادة باتت خاضعة لنفوذ الوكلاء، وأن ما يصله من معلومات لم يعد موثوقا، وأن أوامره لا تنفذ كما قصد. عندئذ، يغدو التحرك تحت عنوان "مكافحة الفساد" الخيار المتاح لاستعادة السيطرة. وكانت هذه، في جوهرها، معضلة تشانغ يوشيا وليو تشنلي وغيرهما، إذ إن الأدوار التي أُنيطت بهم في إطار النظام الذي بناه شي حولتهم، بحكم مواقعهم، إلى مشكلة بالنسبة إليه.

(رويترز)
عناصر من بحرية الجيش الصيني خلال بروفة تسبق عرضا عسكريا لإحياء الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، في بكين، 3 سبتمبر 2025

وهذا يفسر أيضا قسوة الحملة داخل المؤسسة العسكرية قياسا بنظيرتها في القطاع المدني. فتنظيم جيش التحرير الشعبي على أساس ولاء شخصي يفرض، عمليا، الاعتماد على شخصيات وسيطة مثل نواب الرئيس، ما يمنحهم مزيدا من النفوذ.

كلما تشكل الجيش كنظام ولاء شخصي، ازداد اعتماده على شخصيات وسيطة مثل نواب الرئيس، وزادت القوة التي يطورونها دون قصد

في حالة شي جين بينغ، يؤدي ترسيخ المركزية إلى تعميق الاعتماد على الوكلاء، وهو اعتماد يرافقه قلق متزايد. ومع تصاعد هذا القلق تتكرر حملات التطهير، غير أن اتساعها يجعل العثور على وكلاء يجمعون بين الكفاءة المهنية والاستعداد لتحمل المسؤولية، ويشكلون في الوقت نفسه عامل أمان سياسي، أمرا أكثر صعوبة. ويبدو هذا المسار، ظاهريا، معززا للأمن العسكري والسياسي، لكنه يفضي تدريجيا إلى هشاشة أكبر بفعل تضاؤل المعلومات الموثوقة وتراجع القدرات الفعلية.

font change

مقالات ذات صلة