عن الممانعة النصية أو "الكتاب الذي يرفض أن يقرأ"

من "عوليس" إلى "المسخ"

shutterstock
shutterstock
كتاب عملاق للترويج للثقافة والقراءة في تورينو، إيطاليا، أكتوبر 2019

عن الممانعة النصية أو "الكتاب الذي يرفض أن يقرأ"

ما الأدب دون غموض، دون أن يثير فينا أسئلة مفتوحة على كل الإمكانات؟ لا يصير النص أدبيا إلا حينما يتحرر من صيغة المباشرة وينعرج ذهابا في دروب المجاز والاستعارة ويلج جغرافيا التأويل المشرع على كل الاحتمالات. إذ يتحرر النص من قيود التواصلي، ويزيل عنه أثقال الفهم المغلق الذي يقيد في حيز الزمن والمكان الضيق، فيموت. فالنص الأدبي يحيا في قابلية إعادة قراءته المستمرة، أي في استحالة القبض على معناه. أمر شبيه بمفهوم الإرجاء الدريدي (نسبة إلى جاك دريدا)، غير أنه يعمل على الإقامة الدائمة في مسمى "المفتوح" أو "العصي على القراءة". ليس معنى الامتناع عن فكر شفراته اللغوية واللسانية، لكن وقوعه في فضاء مكشوف وغامض في آن، بقدر ما نقترب من معانيه تتولد لدينا ثغرات وتنكشف حفر، علينا أن نسدها في متاهة هرمسية في عود أبدي.

المتاهة الهرمسية

في هذا المعنى تحديدا، نقف عند نصوص تشبه أبوابا مغلقة، من زمن أولى الخربشات على الجدران، مرورا بالملاحم والمقامات وصولا إلى المنجز التفاعلي... كأن الكلمات فيها حجب والجمل اختبارات تقيس قدرة القارئ على التماهي معها. بعض هذه النصوص يبدو أنه يعلن رفضه للقراءة، وفي هذا الرفض يكمن التحدي الأكبر: هل النص يقاوم القارئ أم أن القارئ غير مستعد لالتقاء العمق الذي يفتحه النص؟ يحيلنا هذا السؤال مباشرة إلى العلاقة بين النص والمتلقي، حيث يصبح الفهم عملية متوترة بين الإمكان والتحقق، بين ما يعطى وما ينتج، بين النص كمادة ومنظومة دلالية تفرض على القارئ حركة مستمرة في القراءة. الأمثلة الأدبية المعاصرة على هذا النوع من النصوص عديدة، من "عوليس" لجيمس جويس، إلى نصوص كافكا وبيكيت، وحتى الشعر الرمزي الذي أشار إليه بول فاليري حين اعتبر أن العمل الأدبي يظل مشروعا دائما لا يكتمل، فالنص ليس قطعة جاهزة للامتلاك وإنما حقل تجريبي يتشكل من خلال تجربة القارئ.

هذا النص المقاوم لا يرفض القراءة بشكل عشوائي، فهو بخلاف ذلك يضع شروطا على فعل القراءة ذاته، مما يجعل النص فضاء ليليا دلاليا (موريس بلانشو)، لا يسمح بمرور سهل، ويجعل القارئ شريكا في صناعة المعنى، يعيد النظر في التفسير ويعيد ترتيب علاقته بالكلمات والجمل. هكذا تصبح المقاومة النصية ممارسة بنيوية، وليست نتيجة قصور فهم القارئ، إذ تتحقق في التوتر بين النص وقراءة القارئ، في مساحة تفاعلية تتضمن التاريخ الثقافي، المعرفة السابقة، وسياق التلقي.

يمكن اعتبار النص الذي يرفض أن يقرأ تجربة معرفية وفلسفية وأدبية في الوقت نفسه، تجربة تحرر القارئ من وهم السيطرة على المعنى

يرفض الأدب المقاوم الانصياع لسلطة التأويل الأحادي، ويطرح الغموض بوصفه صيغة إيتيقية للنص. غير أن الغموض هنا ليس من باب اللهو العضالاتي بالمفاهيمي والألفاظ، وإنما هو عملية تندرج ضمن الألعاب اللغوية بالمعنى الذي أرساه فيتغنشتاين، حيث يعمل النص على تحرير نفسه من كل قيود القول المباشر ليبني لنفسه مساحة حرة من الألغاز الإستتيقية. فالأدب يتحرر من اليومي والتداولي عبر صيغ التداعي الحر، ليمارس حماية تعددية المعنى، ويمنع الاستهلاك السريع الذي يحصر النص في رسالة جاهزة. ويبلغ هذا التحدي أقصاه في حالات الترجمة، حيث تصبح مقاومة النص أكثر وضوحا، كما أبرز والتر بنيامين، إذ لا يمكن نقل النص من لغة إلى أخرى دون إعادة إنتاج دلالته، بما يفرض على المترجم، شأن القارئ، التفاوض مع مقاومة النص واستقلاله الدلالي.

FRANCOIS GUILLOT / AFP
الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا يلقي محاضرة عن ماركس في باريس، 27 فبراير 2003

في هذا السياق، يمكن اعتبار النص الذي يرفض أن يقرأ، تجربة معرفية وفلسفية وأدبية في الوقت نفسه، تجربة تحرر القارئ من وهم السيطرة على المعنى، وتضع القراءة في قلب عملية إنتاجية مستمرة. بالتالي، فالمقاومة النصية ليست صفة عارضة، إذ هي شرط هيكلي للنص الأدبي الحديث، شرط يجعل من القراءة عملا إستتيقيا وإيتيقيا وتأويليا في الوقت نفسه، حيث يصبح الغموض والاختلاف والرفض المبدئي للقراءة أدوات لتعميق تجربة المتلقي المعرفية وإعادة تعريف العلاقة بين النص والقارئ.

صناعة المعنى المفتوح

عندما يتجاوز النص حدود اللغة والفكرة، تصبح مقاومته جزءا من حضوره الثقافي، وبيانا مبدئيا لخلوده، وطريقة لكتابة أسطورته المتفردة. إذ لا يمكن فصله عن تاريخ القراءة أو السياق الذي يطالبه بالظهور. النصوص العصية على القراءة وعلى التأويل المباشر عبر العصور، من الشعر الرمزي إلى الرواية الحداثية، تكشف أن المقاومة ليست ظرفية، فهي علاقة متغيرة بين النص وقرائه، تتشكل وفق أفق التلقي لكل مجتمع وزمن، وتجعل تجربة القراءة مسارا متدرجا يتطلب صبرا وتأملا متواصلا. في هذا السياق، تتحول المقاومة النصية إلى معيار لتقييم النصوص، حيث يبرز التحدي في الترجمة كأقصى صورها، فتصبح الحدود بين لغات وثقافات مختلفة اختبارا لمتانة النص وعمقه، ويغدو فعل الترجمة عملية تأويلية بقدر ما هو نقل دلالي، ويكشف النص عن قدرته على فرض نفسه ككيان مستقل عن اللغة الأصلية.

النص هنا ليس مجرد وسيلة لنقل رسالة جاهزة، بل هو كيان ديناميكي يختبر وعي القارئ، ويجعل منه شريكا فاعلا في تشكيل الدلالات

تعكس المقاومة هنا قدرة النص على الدفاع عن تعدديته الدلالية ضد محاولات السيطرة على المعنى، وتجعل القارئ أمام واجب إنتاج المعنى لا استقباله. كأن كل قراءة جديدة هي إعادة اختراع للنص، كل مرة ضمن أفق ثقافي مختلف. هذا يجعل النصوص التي رفضت أن تقرأ على مر العصور، جزءا من تاريخ الثقافة نفسها، تاريخ للحوار بين النص والجمهور، للحركة بين الاستيعاب والفهم الجزئي، وللإدراك بأن القراءة ليست استهلاكا، إذ أنه عكس ذلك ممارسة معرفية وإستتيقية، تتطلب من القارئ أن يكون شريكا في صناعة المعنى.

AFP
بورتريه غير مؤرخ للكاتب المسرحي الإيرلندي صموئيل بيكيت ضمن معرض وثائقي في دبلن، 7 أبريل 2006

في هذا الصدد، تتحول النصوص المقاومة إلى مختبرات للمعنى، حيث يواجه القارئ تحديات بنيوية ومعرفية في آن واحد، ويصير الغموض أداة لحماية النص، والتعددية شرطا لتفاعله، والمقاومة آلية لإبقاء النص حيا داخل الثقافة، ممتدا عبر العصور والأجيال، محرضا على القراءة الطويلة والتمعن المتواصل، ومثيرا للتأمل في حدود الفهم وحدود السلطة التأويلية نفسها. النص هنا ليس مجرد وسيلة لنقل رسالة جاهزة، بل هو كيان ديناميكي يختبر وعي القارئ، ويجعل منه شريكا فاعلا في تشكيل الدلالات، بحيث يمسي كل لقاء مع النص تجربة فريدة، متجددة، ومفتوحة على إمكانات غير محدودة.

النص المقيم في الآتي

هناك إذن، نصوص تشبه من بعيد أبوابا مغلقة، كأن الكلمات فيها حجب، والجمل اختبارات تقيس قدرة القارئ على التماهي معها، لكن ما أن يلج إليها القارئ حتى يسقط في متاهاتها المتشعبة، ويصعب عليه الخروج ماسكا بخيط معنى ثابت ومستقر. فبعض هذه النصوص يبدو أنه يعلن رفضه للقراءة، حيث يصبح الفهم عملية متوترة بين الإمكان والتحقق، بين ما يعطى وما ينتج، بين النص كمادة ومنظومة دلالية تفرض على القارئ حركة مستمرة في القراءة، فيستبدل الفهم بالتأويل. فالنص ههنا ليمنح نفسه بسهولة، يرغمك كقارئ على أن تصارعه معرفيا وثقافيا، مما يخرجه من دائرة الزمن والراهن لينفتح على ما سيأتي، على النص الآتي، بتعبير موريس بلانشو. فينصب الاهتمام -تبعا لبلانشو نفسه- هنا على البحث عن الحركة التي تنبثق منها جميع النصوص، والتي تحمل، بطريقة لا تزال خفية، مستقبل التواصل، والتواصل بوصفه المستقبل. يكمن سر الأدب، بعده حاجة ومعنى، ومساره المستقبلي، في صميم هذا المسعى.

العمل المسرحي الشكسبيري لا يقرأ بوصفه مأساة أخلاقية فحسب، وإنما خلاف ذلك، باعتباره معملا دلاليا تنتج فيه اللغة سلطتها الرمزية

يمتد هذا المنطق نفسه داخل نصوص كبرى شكلت تاريخ الأدب العالمي، حيث تتجسد "مقاومة القراءة" هذه بوصفها بنية داخلية لا خاصية عرضية. في عمله المسرحي "ماكبث"، يؤسس وليام شكسبير الدلالة على خطاب حكائي ملتبس، تتحرك فيه اللغة بوصفها نظاما إغرائيا لا إخباريا. فخطاب الساحرات الثلاث، منذ بداية المسرحية، لا يعمل وفق منطق المرجع الواقعي وإنما وفق منطق الأداء اللغوي، حيث يصنع القول الفعل ولا يصفه. فالنبوءة هنا لا تكشف المستقبل، وإنما تخلقه عبر إدخال الشخصية في دائرة رغبة معرفية قاتلة. أما اللغة فتصبح جهازا توليديا للقدر، لا وسيلة تفسير له، مما يضع قول الساحرات كما دورهن في العمل المسرحي في مساحة لا منغلقة من التأويل.

من هذا المنظور، يتحول النص إلى فضاء تأويلي لا يتيح معنى مستقرا، لأن كل قراءة تعيد إنتاج النبوءة داخل أفق جديد من الرغبة والسلطة والعنف. فالعمل المسرحي الشكسبيري، والحال هنا "ماكبث"، لا يقرأ بوصفه مأساة أخلاقية فحسب، وإنما خلاف ذلك، باعتباره معملا دلاليا تنتج فيه اللغة سلطتها الرمزية، وهو ما يلتقي مع تحليلات ستيفن غرينبلات في إطار "التاريخانية الجديدة"، حيث يفهم النص بوصفه شبكة قوى رمزية لا بنية مغلقة على دلالة أخلاقية واحدة.

غلاف رواية "المسخ"

ويمكن أيضا قياس هذه الاستحالة والغموض المولد للنص العصي على القراءة، في رواية "التحول" (المسخ) لفرانز كافكا، حيث يتخذ النص شكلا أكثر راديكالية في مقاومة القراءة، فتنهار العلاقة التقليدية بين المعنى والمرجع. إذ أن التحول الجسدي لغريغور سامسا لا يعمل كرمز مغلق، فهو في هذا البعد بنية انزياحية تنتج سلسلة لا نهائية من التأويلات: وجودية ونفسية واجتماعية وأنثروبولوجية.  

Getty Images
منحوتة رأس فرانتس كافكا الدوارة المؤلفة من 42 طبقة في براغ، 4 سبتمبر 2022

هنا لا يمنح النص قارئه مفاتيح تفسيرية جاهزة، إذ يضعه داخل جهاز تأويلي مفتوح، حيث يصبح المعنى نتيجة حركة القراءة نفسها. فالنصوص الكبرى، وفق نظرية التلقي، تشتغل عبر "أفق انتظار" يتفكك مع كل قراءة جديدة، وكافكا يمثل النموذج الأعلى لهذا التفكك، لأن نصوصه تنتج قطيعة مستمرة مع أفق القارئ وتدفعه إلى إعادة بناء معنى النص في كل مرة. ليغدو التحول ههنا منطقا معرفيا يضرب استقرار الهوية والدلالة في العمق، ويتحرر من كونه حدثا سرديا. فنحن كقراء لا نعي ولا نفهم كيف تحول غريغور إلى حشرة، لأن الرواية نفسها تتجاوز هذا المنطق التحولي ولا تبرره، إنها تلغي عنه صيغة السحر لتضعه في باب القبول المبدئي، مما يربك فعل التأويل. هل نحن أمام نص عجائبي أم واقعي أم رمزي؟ لا يقدم النص جوابا، وإن كان يفتح الدروب المسدودة على كل المسالك، ولكل قارئ فينا مسلكه الذي يعبر عبره إلى النص.

"عوليس" لا تفهم بوصفها رواية عن دبلن أو عن ليوبولد بلوم، وإنما كنظام دلالي مفتوح يعيد تعريف العلاقة بين اللغة والوعي والزمن

غير أن ذروة النص المتاهي تتمثل في منجز "عوليس" لجيمس جويس، حيث تتكثف مقاومة القراءة داخل بنية لغوية متعددة الأصوات وفق مفهوم باختين. اللغة في هذا العمل لا تؤدي وظيفة الإبلاغ، وإنما وظيفة التوليد المستمر للمعنى عبر التناص والتفكيك الأسلوبي والتشظي السردي. فالقارئ يتحرك داخل نص لا مركز له، فيه المعنى موزع عبر شبكات لغوية وثقافية وتاريخية. كل قراءة للنص السردي، تنتج نصا جديدا داخل النص، وهو ما يجعل العمل تجسيدا لما يسميه رولان بارت "النص القابل للكتابة" مقابل "النص القابل للقراءة"، حيث يتحول القارئ إلى منتج للمعنى لا مستهلك له. فالنص القابل للكتابة، "قليلا ما نجده في مكتباتنا... وهو حاضر دائم، لا يمكن وضع كلمة متسقة عليه (من شأنها أن تحوله حتما إلى الماضي).

غلاف رواية "عوليس"

النص القابل للكتابة هو نحن في فعل الكتابة، قبل أن يتم عبور اللعب اللانهائي للعالم (العالم كلعبة)، وقطعه، وإيقافه، وتشكيله بواسطة نظام واحد (أيديولوجيا، نوع أدبي، نقد) يقلل تعدد المدخلات، وانفتاح الشبكات، ولا نهائية اللغات"... من هذا المنطلق، لا تفهم رواية "عوليس" بوصفها رواية عن دبلن أو عن ليوبولد بلوم، وإنما كنظام دلالي مفتوح يعيد تعريف العلاقة بين اللغة والوعي والزمن.

هذا المنطق المتاهي لا ينتمي حصرا إلى الحداثة الغربية، إذ يظهر بقوة في نصوص تراثية كبرى مثل "ألف ليلة وليلة"، حيث تتشكل البنية السردية على مبدأ التوالد الحكائي والتضمين والتشعب الدلالي والحكاية الإطار والنص المولد والمتاهة السردية والنص غير المكتمل. فالحكاية لا تنتهي، والمعنى لا يستقر، والقراءة تتحول إلى حركة داخل شبكة قصصية لا مركزية. فوفقا لرؤية تودوروف للبنية الحكائية، يمثل نص "ألف ليلة وليلة" نموذجا لـ"السرد اللامتناهي"، حيث كل حكاية تؤجل النهاية وتنتج زمنا سرديا مفتوحا، مما يجعل النص مقاوما للقراءة الخطية والتفسير الأحادي. إذ لا تحكي شهرزاد من أجل السرد فقط، وإنما من أجل إنتاج زمن رمزي يعلق الموت والمعنى معا، فتتحول الحكاية إلى جهاز وجودي ومعرفي.

الأمر نفسه يتجلى في الملاحم الكبرى مثل "الإلياذة" أو "المهابهاراتا"، وغيرهما، حيث تتراكب الأزمنة والأساطير والأصوات داخل بنية سردية تتجاوز القراءة التاريخية البسيطة. فالملحمة لا تعمل كنص حكائي مغلق، وإنما كأرشيف رمزي يحمل طبقات أنثروبولوجية وأساطيرية ولغوية. كل قراءة تفعل طبقة مختلفة من هذا الأرشيف، مما يجعل المعنى في حالة حركة دائمة. يربط المؤرخ والمفكر ميرسيا إلياد هذا النوع من النصوص بما يسميه "الزمن المقدس"، حيث لا يكون السرد خطيا، وإنما دائري ومتكرر، وهو ما يمنح النص قابلية لا نهائية لإعادة القراءة والتأويل.

النصوص الكبرى لا تغلق معناها، ولا تمنحه، ولا تسلمه، وإنما تضع القارئ داخل اقتصاد دلالي مفتوح

في هذا السياق النظري تحديدا، يمكن فهم "النص الذي يقاوم القراءة" بوصفه بنية معرفية لا إستتيقية فقط. يتحول النص هنا إلى جهاز إنتاج معنى مشبع بالدلالة، حيث يصبح القارئ عنصرا بنيويا في تكوين الدلالة. والفهم بالتالي، تبعا لهذا البعد الهرميسي، عملية حوارية بين النص والقارئ داخل أفق تاريخي متغير، حيث المعنى يولد من التفاعل لا من النص وحده. ويعمق النص المقاوم للقراءة هذا البعد، لأن التفاعل لا يؤدي إلى استقرار دلالي، وإنما إلى حركة تأويلية دائمة.

في هذا المعنى، تصبح مقاومة التأويل خاصية إنتاجية لا عائقا معرفيا. النصوص الكبرى لا تغلق معناها، ولا تمنحه، ولا تسلمه، وإنما تضع القارئ داخل اقتصاد دلالي مفتوح، حيث المعنى نتيجة صراع معرفي وثقافي وتأويلي. بالتالي، تتحول القراءة إلى ممارسة إبستيمولوجية، لا إلى فعل استهلاك جمالي. النص لا يقرأ، وإنما ينتج داخل القراءة. حيث الأدب يتحول إلى أفق مفتوح على إمكانات لا تنتهي، ويصبح التواصل نفسه فعلا مستقبليا، لا واقعا منجزا.

font change

مقالات ذات صلة