"المجلة" تستكشف مدى فعالية وحضور المراكز الثقافية العربية في العالمhttps://www.majalla.com/node/329638/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D9%85%D8%AF%D9%89-%D9%81%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D8%B6%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85
أدركت الشعوب والدول مبكرا أهمية المراكز الثقافية كمرتكز أساس لتقديم ثقافتها الى العالم، لما لها من تأثير عميق في العلاقات الدولية ودور محوري في التقارب الإنساني والإبداع الحضاري. وفي عصر العولمة والتواصل الحضاري المتسارع، يطرح سؤال جوهري حول مدى قدرة الثقافة العربية على إثبات حضورها الفاعل والمؤثر خارج نطاقها الجغرافي.
في هذا السياق يلاحظ ضعف أو غياب النشاط البارز لمراكز ثقافية عربية في أوروبا وأماكن أخرى في العالم، حيث غالبا ما تقتصر أدوار بعض تلك المراكز على الترويج السياحي. "المجلة" استطلعت آراء خبراء ومثقفين للوقوف على دور هذه المراكز في مد الجسور الثقافية بين المنطقة العربية والعالم.
فرنسا... خطاب عاطفي في مواجهة منطق مادي
تمثل المراكز الثقافية العربية في العالم، مرافئ فكرية ومنارات بارزة، ولكنها تبقى قوة ناعمة مهملة في النظام الثقافي الغربي وغائبة عن التواصل مع المجتمع المدني الأوروبي. وفي هذا السياق، يعلق المدير العام لـ"معهد العالم العربي" في باريس، الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير بأن المسألة تتعلق بالخطاب العربي في الغرب، واصفا إياه بأنه "عاطفي، ارتجالي، يجهل حقيقة الغرب وكيف يتعامل مع أسئلة الاستعمار والعنصرية والدين".
في حين، يعتقد الناقد والروائي السعودي الدكتور معجب بن سعيد الزهراني، الذي تولى سابقا إدارة المعهد، أن هذا الأخير "جزء من شبكة قوى ناعمة فعالة جدا في فضاءاتها الغربية المفتوحة". ويوضح في حديثه إلى "المجلة" أن "كون المركز مهملا بعض الشيء وأن حضوره في الوعي العربي العام، خفت بعض الشيء، لا يغير الكثير في المعادلة... بل قد يكون في هذا الغياب بعد حميد لأنه يعني حرية هذه البنى واستقلاليتها". ويؤكد "لن أعمم فأنجرف نحو العاميات التي لا يبررها سوى الجهل المغلف بدعاوى المعرفة".
حضور المعهد تعزز بعد انتقاله إلى مبناه الجديد في الحي اللاتيني، حيث ينظم أكثر من 360 فعالية سنويا
معجب الزهراني
لطما شكل التفاعل مع الآخر مصدر إثراء للحياة الثقافية، وفد أثبت التاريخ صحة ذلك على مدى العصور والحضارات، بل إن التطور الحضاري في عمر البشرية مدين في أساسه للتفاعل والتأثير والتأثر بين الحضارات جميعها. ومن هنا، يشير عبد الأمير إلى "جهل كبير في فهم العرب للشخصية الغربية". أما الزهراني فيتحدث عن صعوبات واجهته في التواصل مع بعض المراكز الثقافية العربية في أوروبا قائلا: "واجهتني صعوبات كثيرة، خصوصا أن لتلك المراكز توجهات وهي تعتمد في غالب الأحيان على الانتماءات والولاءات للأفكار والتوجهات المتبعة".
مدخل وواجهة "معهد العالم العربي" في باريس، 3 يناير 2024
ويعد تأسيس "معهد العالم العربي" في قلب عاصمة الأنوار علامة مؤسسية وجسرا رمزيا مع أوروبا. لكن بعض الآراء يشير إلى أن المعهد عانى من الضعف بسبب عجزه عن إشباع حماسة الجمهور الثقافي الفرنسي. يرى شوقي عبد الأمير أن تلك المفاهيم "عفا عليها الزمن"، موضحا أن العالم اليوم "مادة، وعالم تحديات، وعالم علم، ومعرفة وسياسة في أحلك مبادئها، فهي لا تحفل لا بالإنسان ولا بالقيم". وبحسب الشاعر عبد الأمير "العربي لا يملك إلا أن ينادي باسم القيم وباسم المبادئ، هذه نقطة أساس".
بدوره، يرى الزهراني في هذه الآراء "تعميما لا سند له أو مبرر"، مشيرا إلى أن "حضور المعهد تعزز بعد انتقاله إلى مبناه الجديد في الحي اللاتيني، حيث ينظم أكثر من 360 فعالية سنويا تستقطب زهاء مليون ونصف مليون متابع".
ومن جهته، يبين الأكاديمي الجزائري الدكتور موسى بن قاصير أن أنشطة المعهد "تسهم في تعريف فرنسا ومن خلالها أوروبا والعالم بالصورة الحقيقية للعالم العربي والإسلامي".
وعن الحوار العربي مع الغرب يقول شوقي عبد الأمير: "في واقع الأمر، نحن في حوارنا مع الغرب نخاطبهم بالعواطف وهم يدرسوننا، ويعرفون عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، هم يعرفون ماذا يريدون منا، ولا يريدون شيئا غير الثروة والهيمنة".
إسبانيا... البيت العربي بين النجاح والتحدي
منذ العصور الوسطى، مثلت الحضارة العربية إشعاعا قويا في مراكز مثل الأندلس وصقلية والقيروان، وكانت إسبانيا والبرتغال شهدتا أطول وجود عربي إسلامي على أراضيهما (711-1495م)، وشكل ذلك تأثيرا هائلا على المستويات الثقافية والسياسية والاجتماعية. وقد التقى التاريخ الإسباني بالتاريخ العربي على مدى 8 قرون في ما يعرف بتاريخ الأندلس.
وفي العقود الأخيرة شهدت إسبانيا تأسيس البيت العربي في مدريد وقرطبة بهدف تقديم التراث العربي للجمهور الإسباني. ويقول مديره العام، الديبلوماسي الإسباني ميغيل مورو أغيلار: "منذ تأسيس البيت العربي عام 2006، عمل بشكل حازم على بناء جسر متين بين العالم العربي والمجتمع الإسباني". ويضيف أن هذه التجربة "ليست مجرد مبادرة رمزية، بل منصة حقيقية وفعالة للديبلوماسية العامة، ومكان للقاء والحوار والتعاون".
نحن في حوارنا مع الغرب نخاطبهم بالعواطف وهم يدرسوننا، ويعرفون عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا
شوقي عبد الأمير
ولا يوافق أغيلار على فكرة أن أنشطة البيت العربي تقتصر على الجوانب الفولكلورية، "صحيح أن جزءا من برامجنا يركز على الجوانب الثقافية الشعبية، لكن اختزال عملنا في هذه الجوانب فقط رؤية غير مكتملة"، مشيرا إلى أن البيت العربي يعمل على تنظيم مؤتمرات وندوات حول مواضيع كتاريخ الفكر العربي الإسلامي والتحديات الراهنة، والتعاون مع الجامعات ومراكز البحث".
الكاتب السوري ياسين الحاج صالح خلال مقابلة في "البيت العربي" بمدريد، 17 أبريل 2018
وعن رسالة البيت العربي إلى الجاليات العربية في إسبانيا، يقول مديره العام: "نسعى إلى أن يكون فضاء شاملا مفتوحا للجمهور العام والجاليات العربية".
ولكن للمستعرب والأكاديمي الإسباني أغناطيوس غوتيريث دي تيران غوميث بينيتا، أستاذ اللغة والأدب العربيين والتاريخ المعاصر في العالم الإسلامي بجامعة "أوتونوما"، رأيا أخر، إذ يقول: "لم أجد فعاليات البيت العربي موجهة إلى الجالية العربية ما عدا بعض الأنشطة مثل تدريس العربية لأبناء العرب المقيمين هنا".
وفي ظل التحولات السياسية والثقافية التي تشهدها أوروبا اليوم، وظهور الخطابات الهوياتية والانغلاق، يرى ميغيل أغيلار، أن "الديناميات الأيديولوجية التي تشهدها أوروبا أخيرا تشكل تحديا جديا للحوار بين الثقافات".
لا تكتمل نظرة أي ناقد غربي للثقافة العربية وفق ما يراه في هذه المراكز الثقافية، وتظل ناقصة ما لم يقرأ الفكر العربي الإسلامي الحديث الذي بات أكثر تحضرا وأعمق رؤية من خلال التحليل السليم للتأويلات الإسلامية. لذلك من أولى مهام هذه البيوت العربية أن تفتح نوافذها أمام القراءات السليمة. وعن صعود الخطابات الهوياتية في إسبانيا، يقول المستعرب غوميث بينيتا: "اليوم وأكثر من أي وقت مضى يمكن أن تقوم البيوت العربية بوظيفة جوهرية لصياغة جديدة لحوار الحضارات. ذلك أن التحامل على الإسلام والمسلمين بلغ مستويات خطيرة"، ومن هنا يؤكد: "لا بد من تفعيل دور هذه المؤسسات لكي تقدم الصورة الحقيقية لهذا الحوار البناء وليس المبني على التصادم".
جسور للحوار والتعريف بالهوية
تتصدى المراكز الثقافية العربية في أوروبا لمهمة بالغة الخطورة وهي ترجمة عيون الكتب العربية وأكثرها تأثيرا إلى اللغات الأوروبية، مما يجعل من تلك المراكز جسورا ثقافية بنيانها الكتب المترجمة حيث تكمن أهميتها في تعريف المواطن الأوروبي بالثقافة العربية بكل أبعادها الغنية، متجاوزة الصور النمطية السلبية. ويذكر الأكاديمي الجزائري في جامعة "قسنطينة 3" الدكتور موسى بن قاصير أن من أبرز أمثلتها "مركز الدراسات العربية في جامعة كويمبرا البرتغالية، والمعهد العربي في ميلانو الإيطالية، ومعهد اللغة العربية في ألمانيا، والمركز العربي البريطاني الذي يركز على الثقافة بعيدا من السياسة أو التوجه الديني".
لا بد من تفعيل دور هذه المؤسسات لكي تقدم الصورة الحقيقية لهذا الحوار البناء وليس المبني على التصادم
أغناطيوس غوميث بينيتا
في الآونة الأخيرة ظهر حراك ثقافي عربي- غربي، مما دفع الغربيين للاطلاع أكثر على اتجاهات التفكير العربي والإسلامي. إلا أن بعض المراكز الثقافية العربية في الغرب لم تسهل المهمة، إذ يظل حضورها خجولا.
مشهد عام لمدينة كويمبرا في وسط البرتغال عند الغروب، 27 يوليو 2003
وفي صدد ذلك يقول الشاعر والناشر العربي المقيم في ألمانيا بدر السويطي: "واجهتني صعوبات جمة في التواصل مع المراكز الثقافية العربية في أوروبا"، ويستثني بعض المراكز التي "تتبنى مشاريع ثقافية تساهم في تعزيز الثقافة والوعي، وتدعم الأدباء وتقرب بين الثقافات".
وعن الفعاليات الجاذبة للأوروبيين، يقول السويطي في حديثه إلى "المجلة "إنها تلك التي تركز على الواقع العربي من خلال الأدب والفكر والحضارة والقضايا المتعلقة بالإنسان".
ويتعاظم الدور المنوط بالمراكز الثقافية العربية من خلال بناء علاقات حسن الجوار مع الحضارات. ويبقى السؤال إلى أي مدى تقوم تلك المراكز في أوروبا بهذا الدور؟
يقدم الروائي السوري المقيم في النمسا، ثائر الناشف، رؤيته من خلال تجربته الشخصية، فيقول: "لا شك في أنني اكتسبت تجربة كبيرة من خلال إقامتي في النمسا"، مشيرا إلى أن المجتمع النمساوي أبدى "اهتماما لافتا بالتعرف إلى الثقافة العربية".
تقاس المسافات بالأمتار وتقاس الحوارات بالكلمات والنيات الثقافية الحسنة، وهنا يلفت الناشف إلى أن هناك مسافة لا تزال قائمة بين الثقافتين، وأبرز مظاهرها "ضعف نشاط ترجمة الفعاليات الأدبية العربية أثناء انعقادها". أما عن تأثير هذه المراكز في تغيير نظرة الأوروبيين، فيعتقد الروائي السوري أن هناك تأثيرا لكنه "نسبي". ويشرح السبب بأن "المواطن الأوروبي أكثر انسياقا لما يشيعه الإعلام الغربي عن العرب، ولا تستطيع المراكز العربية تجاوز دور الإعلام الغربي في مسألة التأثير"، ويؤكد الناشف أن تلك المراكز لا تزال تحاول مد الجسور مع التيارات الثقافية الأوروبية الأكثر انفتاحا على المشرق.
روسيا... غياب شبه تام
بدأت الصلات بين روسيا والعالم الإسلامي في عهد الدولة العباسية (705-1517م)، عبر تبادل السفارات، وكان الحج إلى بيت المقدس أحد أهم مصادر المعرفة عن العرب. إضافة إلى رحلة العالم والرحالة أحمد بن فضلان (877-960م)، إلى إمارة البلغار على ضفاف الفولغا في مطلع القرن العاشر الميلادي. وقد تعزز الوجود الثقافي العربي في روسيا بفضل علماء عرب قدموا منذ القرن التاسع عشر، مثل الشيخ المصري محمد عياد الطنطاوي، الذي عمل في جامعة بطرسبورغ، وأحمد حسين المكي من مكة، الذي عمل في جامعة قازان منذ عام 1825م، بالإضافة إلى الفلسطينيين بندلي جوزي وكلثوم عودة.
المواطن الأوروبي أكثر انسياقا لما يشيعه الإعلام الغربي عن العرب، ولا تستطيع المراكز العربية تجاوز دور الإعلام الغربي في مسألة التأثير
ثائر الناشف
أما اليوم، فيجمع المراقبون على ضعف الحضور الثقافي العربي في روسيا. ويقول الصحافي الفلسطيني المقيم في موسكو رائد جبر: "خلافا للوضع في أوروبا، لم تتطور في روسيا تجربة ثقافية عربية أو اغترابية ناضجة، نظرا لأن روسيا لم تكن دولة مهجر أو لجوء في أي وقت من تاريخها".
منظر لبرج سباسكايا وأبراج الكرملين في موسكو من كاتدرائية المسيح المخلّص، 20 أكتوبر 2025
ويشير جبر إلى أن الظروف الموضوعية في بلد اعتمد منذ العهد السوفياتي على تصدير الأيديولوجيا، لا على دمج الثقافات والتعرف على الآخر، قد "حالت دون تبلور مراكز ثقافية أو مؤسسات مجتمعية تنشغل بالهم الثقافي".
وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ظهرت محاولات أولى لمتابعة الحراك الثقافي العربي الروسي، إذ "برزت محاولات محدودة، منها صالون ثقافي أقامه عدد من المبدعين العرب المرتبطين بروسيا بفضل ماضيهم اليساري". لكنها بحسب جبر "لم تعمر طويلا".
وبالرغم من تلك الصعوبات، لم يسيطر اليأس على المهتمين، إذ شهدت السنوات الأخيرة محاولات لإثبات الحصور الثقافي العربي، كما يقول جبر، مثل إقامة أول مهرجان سينمائي فلسطيني في روسيا، وإحياء رسمي واسع النطاق لليوم العالمي للغة العربية، وفعاليات عدة مماثلة.
في حين يقول الأكاديمي السوري/الروسي الدكتور محمود الحمزة "إن النشاطات العربية والاهتمام العربي عموما بتعريف المواطن الروسي على الثقافة العربية، ضعيفة جدا". ويضيف: "كانت هناك مدرسة سعودية في موسكو، كان لها نشاط ثقافي ملموس، لكنها أغلقت للأسف".
ويشير الحمزة إلى أن الحقبة السوفياتية شهدت اهتماما كبيرا بترجمة الكتب العربية إلى الروسية، بينما يظل النشاط محدودا جدا في الاتجاه المعاكس.
وعن ندرة المراكز الثقافية في روسيا، يلفت الأكاديمي السوري إلى أن "هناك غيابا واضحا للمنصات الثقافية العربية في روسيا"، معتبرا أن "روسيا تتجه ثقافيا نحو الشرق العربي والإسلامي، ولكن لا يوجد توجه مماثل من الدول العربية تجاه روسيا".
الصين... إعادة هيكلة جذرية
تعد الصين من البلدان التي استوقفت العلماء والمفكرين والمؤرخين العرب والمسلمين، وأثارت اهتمام الرحالة والمغامرين عبر العصور، إذ كانت في العصور الإسلامية الأولى إحدى وجهات المسلمين، إذ اندمج كثير منهم في المجتمع الصيني ودخلوا في خدمة الدولة منذ العصر العباسي الأول. كما شكل طريق الحرير شريان حياة للتقريب بين ثقافات المنطقة الممتدة من البحر المتوسط إلى بحر الصين. أما اليوم، فيلاحظ ضعف الحضور الثقافي العربي في الصين مقارنة بالمؤسسات الغربية. فالمراكز الثقافية العربية تبدو في أفق آخر تماما. فمهمتها هي الترويج لثقافة دولها فقط.
لم تتطور في روسيا تجربة ثقافية عربية أو اغترابية ناضجة، نظرا لأن روسيا لم تكن دولة مهجر أو لجوء
رائد جبر
ويقول المستعرب الصيني البروفسور سعيد جمال الدين ماينغ جغ، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة "صون بات صن" إن "الحضور العربي أقل تأثيرا مقارنة بالمؤسسات الغربية، حيث تعاني المراكز العربية من محدودية الانتشار والموارد، مما يحول دون تكوين صورة متوازنة لدى الجمهور الصيني". وبالرغم من العلاقات التاريخية الودية التي توثقها رحلات سليمان التاجر وابن بطوطة (1304-1368م)، وغيرهما، يرى الكثير من الخبراء أن المراكز الثقافية العربية لم تنتقل بعد من دورها التقليدي في العرض التعريفي إلى بناء شراكات معرفية وأكاديمية طويلة الأمد مع الجامعات والمؤسسات الصينية.
طلاب من الإيغور يستمعون إلى درس نص عربي في مدرسة أورومتشي، شينجيانغ
وفي هذا السياق، يقول المترجم الصيني المتخصص بالدراسات العربية والإسلامية البروفسور شوي تشينغ غوه: "لم تتفاعل هذه المراكز بشكل نشط مع معاهد اللغة العربية والثقافة العربية في الصين، فضلا عن التفاعل النشط مع المجتمع الصيني، لذا، لا أظن أن هذه المراكز نجحت في خلق صورة متوازنة عن الثقافة العربية لدى الجمهور الصيني".
وحول انتقال معظم المراكز العربية من دورها التقليدي في العروض التعريفية المناسباتية إلى بناء شراكات أكاديمية مستدامة. يوضح ماينغ جغ: "بشكل عام، لم تنتقل المراكز العربية إلى بناء شراكات وبرامج بحثية مشتركة وعميقة مع جامعات صينية أو تبادل منهجي للمعرفة".
وعن أعداد هذه المراكز ونشاطها، يقول شوي تشينغ غوه: "حسب علمي، لا يوجد في الصين إلا مراكز ثقافية عربية معدودة تتبع لبعض السفارات العربية". فهناك من يرى أن "المراكز الثقافية العربية في الصين تعمل في إطار رسمي ولا بد من الانتباه لذلك في مسألة تقييم أدائها". فالفعاليات التي تقيمها هذه المراكز "قليلة جدا، لا تتجاوز التمثيل الديبلوماسي واستقبال الوفود وإقامة فعاليات مناسباتية محدودة".
أما أبرز التحديات التي تواجه هذه المراكز، فيشير البروفسور سعيد جمال الدين ماينغ جغ إلى "ضعف التمويل المخصص، وحاجز اللغة وقلة المحتوى المترجم بجودة عالية، وضعف الاستراتيجيات الترويجية التي تجذب الجمهور الصيني". ويقترح حلولا منها "تطوير شراكات مع القطاع الخاص، والاستثمار في إنتاج محتوى رقمي بلغة صينية جذابة، وتدريب كوادر متخصصة في الثقافة الصينية".
وفي ظل مبادرة "الحزام والطريق" وما تحمله من بعد حضاري، يرى الدكتور ماينغ جغ أن المبادرة "تمثل فرصة ذهبية للتحول من الفعاليات المناسباتية إلى منصات دائمة للتفاهم الثقافي". وينصح بتطوير برامج مشتركة مع مؤسسات صينية فاعلة، وإنشاء كراس بحثية في الجامعات، واستهداف فئة الشباب عبر منح دراسية وبرامج تبادل، والاستفادة من المنصات الرقمية لتوسيع النطاق خارج النخبة الثقافية.
ويرى متابعون أن المراكز الثقافية العربية لا تؤدي دورها الأهم، وهو الإسهام في تعريف الشعب الصيني بالثقافة العربية والعكس، وفي صدد ذلك يؤكد تشينغ غوه أن المراكز الثقافية العربية في الصين "تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية من حيث النموذج التشغيلي والاستراتيجيات المتبعة، لبناء جسور ثقافية حقيقية". والسؤال هنا عن غياب دور الجامعة العربية، فينبه إلى أن "جامعة الدول العربية لا تشرف على أي فعالية ثقافية في الصين"، معتبرا أن تعريف الجمهور الصيني بالقضية الفلسطينية مثلا "ليس مهمة خاصة بدولة فلسطين فقط، إنما هو واجب عربي مشترك".
ويختتم بالقول "يجب ابتكار أساليب جديدة تتماشى مع تطور وسائل التواصل والتقنيات الجديدة، حتى تقترب الثقافة العربية من الجمهور الصيني وخاصة الشباب".
الهند... تعاون أكاديمي وتبادل ثقافي واعد
ترجع العلاقات العربية الهندية إلى فترات موغلة في القدم، فقد كانت بلاد العرب ترتبط بالهند عبر الطرق البحرية ورحلات التجار، وشكلت هذه الروابط أساسا متينا للتفاعل الثقافي والحضاري بين الجانبين. ومع مرور العصور، ظهرت محاولات لتقريب الأفكار الهندوسية والإسلامية، وشهدت المدن عمليات اندماج بين الثقافتين. أما اليوم، فينظر إلى المراكز والمؤسسات العلمية الهندية كجسور حيوية للتعاون الثقافي والأكاديمي مع العالم العربي.
من جهته، يرى الدكتور نشاد على الوافي، أستاذ مساعد ومشرف على بحوث الدكتوراه في كلية "جمال محمد بجامعة بهاراتي داسن"، أن العلاقات الثقافية والعلمية مع المنابر العربية "وطيدة ومثمرة". ويقول في حديثه إلى "المجلة": "هناك تعاون بناء مع المراكز الثقافية العربية في إثراء وتعزيز اللغة العربية وآدابها وثقافاتها في الهند ".
لم تنتقل المراكز العربية إلى بناء شراكات وبرامج بحثية مشتركة وعميقة مع جامعات صينية أو تبادل منهجي للمعرفة
سعيد جمال الدين ماينغ جغ
ومن جهته، يشير الدكتور ن. شمناد، أستاذ قسم اللغة العربية في الكلية التابعة لجامعة كيرالا، إلى "أن هذه المراكز والمؤسسات أسهمت بشكل واضح في تعزيز تعلم اللغة العربية لدى المواطنين الهنود". ويوضح: "انطلق هذا الاهتمام من الإرث التاريخي العريق للعلاقات العربية-الهندية التي مهدت لتقبل اللغة العربية كلغة علم وثقافة". ويذكر أمثلة ملموسة مثل برامج اختبار "همزة" الأكاديمي التابع لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، والمنح الدراسية في الجامعات السعودية. ولكن بالرغم من ذلك، "فإن المراكز الممثلة للعرب في الهند لم تستطع في الوقت الراهن أن تكون وسيطا فاعلا لنقل الثقافة والفكر العربيين في أماكنها". ولتعزيز هذا الدور وبناء جسر ثقافي أقوى، يقترح الدكتور شمناد، آليات عملية تشمل إبرام شراكات أكاديمية وثقافية طويلة الأمد مع الجامعات والمراكز البحثية في العالم العربي، وتنويع الأنشطة الثقافية بحيث تشمل معارض علمية وأدبية وفنية، والاستفادة من المنصات الرقمية ثنائية اللغة لزيادة التواصل المباشر.
تلامذة صغار يقرأون كتبا بالعربية في مدرسة دينية قرب الحدود الهندية–النيبالية، 4 نوفمبر 2001
بدوره، يقدم البروفسور نشاد الوافي رؤية داعمة، مؤكدا أهمية التمويل والمشاركة المباشرة. كما يقترح عقد ورشات متخصصة وتشجيع الكتاب الهنود على النشر في الدول العربية.
يظهر من خلال آراء الخبراء أن المشهد الثقافي العربي في الهند، لا يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير التنظيمي والتمويل والاستراتيجيات الطويلة المدى لتحويل هذه المؤسسات إلى قوة ناعمة مؤثرة وجسر دائم للتقارب الشعبي والثقافي بين الهند والعالم العربي.
كندا... البيروقراطية المريرة
ينتشر في كندا العديد من المؤسسات غير الرسمية المهتمة بالثقافة العربية، غالبا ما تنبع من مبادرات فردية أو جماعية محدودة. غير أن السؤال الذي يظل قائما، هل ابتعدت هذه المراكز عن دورها في صنع الحوار الثقافي الحقيقي بين العرب والغرب، أم أنها لا تزال تساهم في تقريب المسافات؟
يجيب الكاتب والروائي السوري الكندي عبد الرحمن مطر، مؤسس ومدير "منتدى النورس الثقافي" في تورونتو، أن النتائج العامة مرضية بل وناجحة إلى حد كبير، لكن التحديات تظل كثيرة.
ويوضح مطر في حديثه إلى "المجلة" أن التحديات تكمن في التواصل مع المؤسسات العامة الغربية المعنية بالعمل الثقافي"، حيث تبرز "البيروقراطية المريرة" كعائق رئيس. وعن الفعاليات التي تنجح في جذب المواطن الكندي، يشير مطر إلى أن ما يجذب المواطن الغربي هو "الفعاليات ذات الطابع الشعبي، الأنشطة المفتوحة الموجهة للعموم، وفي الأماكن العامة، مثل مهرجانات الثقافات الموسمية والسينما والموسيقى". ويرى أن الفعاليات التي تنظم بمشاركة كتاب وفنانين من ثقافات أخرى وبلغتين (عربية وإنكليزية/فرنسية) هي الأكثر حظا في اجتذاب الجمهور، وفي التعريف بالثقافة العربية.
المراكز الممثلة للعرب في الهند لم تستطع في الوقت الراهن أن تكون وسيطا فاعلا لنقل الثقافة والفكر العربيين في أماكنها
ن. شمناد
تكمن قوة المراكز الثقافية بما تحويه من روائع الكتب العربية ونشاطات توعوية تفتح المجال للغرب للاطلاع على مآثر العرب على الثقافة الغربية. إلا أن تأثير هذه المراكز في تغيير نظرة الأوروبيين الى العالم العربي، يعتبرها مطر "مسألة معقدة"، مستندا إلى تجربته ليقول "هناك بالفعل تأثير ما، لكنه غير مباشر، ينجم عن الفعاليات الثقافية".
ويشرح مطر "ثمة حالات فردية يتاح فيها للبعض أن يتعرف إلى ثقافتنا، ويسمع أصواتنا، ويقرأ لنا، أو ينصت لموسيقانا". ويضيف أن تلك المراكز "أتاحت للجمهور الغربي التعرف الى الثقافة العربية، وأصبحت هناك رغبة لدى الكثيرين في التواصل الثقافي، وأضحت اللغة العربية والكاتب العربي موجودين في الفعاليات الثقافية بشكل أو بآخر". لكنه يحذر من أن تصحيح الصورة النمطية "لا يمكن أن يتم عبر مبادرات فردية، أو مجموعات صغيرة. إنما يحتاج إلى عمل مؤسسي واسع وفعال".