هل يتعظ "الحوثيون" مما يجرى في إيران ولبنان؟

قد تكون مسألة الثأر والانتقام لمقتل خامنئي فكرة راسخة في وجدانهم

رويترز
رويترز
يرتدي أحد أتباع الحوثيين سترة تحمل صورة زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي خلال عرض عسكري أُقيم ضمن حملة تعبئة "الجيش الشعبي" التي أطلقها الحوثي، في صنعاء، اليمن، 7 فبراير 2024

هل يتعظ "الحوثيون" مما يجرى في إيران ولبنان؟

بعد مقتل "المرشد الأعلى" لإيران، علي خامنئي، وترنُّح نظام حكمه بين السقوط المحتمل ومحاولة التوثب من جديد، وفي ضوء إمكانية زوال "حزب الله" اللبناني كقوة عسكرية، تجد ميليشيات الحوثيين نفسها، بعد فقدان هذه الأطراف الثلاثة، في حالة انعدام وزن سياسي أو عسكري دون حليف خارجي، وخارج نطاق الجاذبية الوطنية مع الداخل اليمني وحتى على المستوى الإقليمي والدولي.

لا تبدو جماعة الحوثيين أمام هذه الصدمات العنيفة الثلاث، السريعة والمفاجئة والمتلاحقة خلال ثلاثة أيام فقط، قادرة على تحمل صعوباتها مهما حاولت تصنّع الهدوء والتظاهر بالحكمة وضبط النفس، سواء إلى حين أو إلى أجل غير مسمى، كما لا تبدو- لأسباب كثيرة عدة، داخلية وخارجية- قادرة على القيام بأي عملية "إسناد" للحليفين الإيراني واللبناني، خصوصا أنها ترى أمام ناظريها وعلى مقربة من شواطئ البلاد حشودا غير مسبوقة من قوات الجيش الأميركي، وتدرك في الوقت ذاته مدى "العنفوان" الذي بلغته إسرائيل في استهداف طهران وبيروت.

الموقف الحالي للجماعة

باستثناء تعازيه "الحارة" في مقتل "المرشد الأعلى" الإيراني علي خامنئي، وعدا عن مواساته لـ"أسرة الفقيد" والشعب الإيراني ومؤسساته الرسمية، إضافة إلى "الحرس الثوري والأمة الإسلامية" فقد خلت "المحاضرة الرمضانية" اليومية لزعيم ميليشيات الحوثيين في اليمن (عبدالملك الحوثي) من أي تهديد أو وعيد بالثأر أو القيام بأي عمل عسكري ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة، وذلك خلافا لما كانت وكالة "أسوشييتد برس" قد ذكرته عن تلويح جماعة الحوثيين باستئناف هجماتها في البحر الأحمر، وهو الأمر الذي سارعت الجماعة إلى نفيه بشدة.

الانهيار أو الموت السريري المحتمل لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران سوف يعقّد طموح الحوثي، وحتما سوف يُوهن الجماعة في جوانب مهمة، فما تحصل عليه الجماعة من إيران ليس هيّنا

حتى الأمس القريب كان الحوثي يعد نفسه واحدا من أقوى الأذرع في ما يسمى "محور المقاومة" ووصل به الأمر حد المطالبة بالاعتراف به كممثل للشعب اليمني والتعامل معه كقوة إقليمية وعالمية.

رد الفعل المحتمل

في الوقت الحاضر، تتوهم جماعة الحوثيين أن اعتماد مبدأ "التقية" الذي دأبت على اللجوء إليه عندما تكون الأمور في غير صالحها يمكن أن يجنبها الانزلاق "وحيدة" هذه المرة إلى مواجهة خطيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وخصومها المتربصين بها في الداخل اليمني من ناحية أخرى، لكن أمرا كهذا يظل غير مضمون النتائج فثمة "حساب" لكل تلك الأطراف معها لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، ولا بد من تصفيته عاجلا خلال هذه الحرب أو آجلا بعد نهايتها.

‏بكل تأكيد لا أحد في اليمن يريد انجرار الحوثيين إلى مغامرة أخرى باستهداف الملاحة الدولية إسنادا لإيران في مواجهة الهجوم العسكري الأميركي-الإسرائيلي عليها وانتقاما لمقتل "مرشدها الأعلى"، لكن من المشكوك فيه إلى حد بعيد أن يكون امتناع الحوثيين عن فعل ذلك ناتجا عن مراجعة لعلاقتهم العقائدية بـ"جمهورية الولي الفقيه" التي تسببت في كثير من الحروب والأزمات والأذى البالغ لبلادهم، لكن ذلك قد يكون محاولة للتظاهر بالنأي بأنفسهم عن تلك العلاقة تحسبا واستباقا لما قد يمكن أن تؤول إليه الأمور في حال سقوط نظام الحكم في طهران جراء الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية الضخمة التي يتعرض لها، وكذلك في حال زوال "حزب الله" اللبناني.

أ.ف.ب
مسيرة تأبينية نظمها أنصار الحوثيين في صنعاء، بعد يوم من اغتيال خامنئي خلال غارات أميركية وإسرائيلية على طهران، صنعاء 1 مارس 2026

الأرجح أن يكون عدم انخراط الحوثيين حتى الآن في المواجهة الدائرة بين كل من طهران وواشنطن وتل أبيب عائدا إلى قرار إيراني بتأجيل ذلك وفقا لأولويات طهران خلال مجريات الحرب، وليس لأن الحوثيين باتوا يدركون أن رد الفعل عليهم هذه المرة سيكون أشد عنفا مما كان عليه في المرات السابقة وأفدح ضررا عليهم، وليس لأنه سوف يمثل تكرارا لانتهاك سيادة اليمن وتدميرا لما تبقى من مقدراته الشحيحة وبناه التحتية الهشة.

صعوبات الانضمام لمساندة إيران

يرى الباحث في شؤون الجماعة الحوثية لدى المعهد الملكي البريطاني (تشاتام هاوس) عدنان الجبرني أن "مقتل خامنئي، وأركان نظامه، والانهيار أو الموت السريري المحتمل لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران سوف يعقّد طموح الحوثي، وحتما سوف يُوهن الجماعة في جوانب مهمة، فما تحصل عليه الجماعة من إيران ليس هيّنا، خصوصا ماديا وتقنيا ولوجستيا".

غير بعيد كذلك أن يكون تردد الحوثيين في خوض غمار الحرب إلى جانب ايران و"حزب الله" ناجما عن إدراكهم لاختلاف الظروف داخليا عما كانت عليه عند اندفاعهم لاستهداف إسرائيل وخطوط الملاحة التجارية في البحار المحيطة باليمن عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مؤازرة لسكان قطاع غزة أمام الحرب الوحشية التي شنها الجيش الإسرائيلي على القطاع.

وضع كالذي تعيشه مناطق سيطرة الحوثيين لا يشجع أبدا على تحمل أعباء إضافية، بل سيحيل أي انخراط عسكري للجماعة لإسناد إيران إلى مأزق وجودي

المتوقعُ إذن هو أن تحاول جماعة الحوثيين في المدى القريب إعادة توجيه بوصلتها نحو أمرين اثنين:

 أولهما: الاستمرار، كما يرى الخبير العسكري الجبرني، في تحصين نفسها في مواجهة أعدائها المحليين من خلال تفادي زعيم الجماعة "المصير الذي سبقه إليه قادة المحور الإيراني وساحاته، بينما يواصل الاعتقاد بتفرّده وقدرته على الاستعصاء، مع ميل متوقع نحو تأجيل أي مواجهة مدمرة، ريثما يحقق تقدما أكبر في تطوير صواريخ ودفاعات جوية أكثر فعالية والإعداد الاستراتيجي للبنية التحتية الجهادية".

 ثانيهما: أن تستغل جماعة الحوثيين الضائقة الاقتصادية والمعيشية التي تمر بها البلاد. خصوصا في المناطق الخاضعة لميليشياتها، وذلك لافتعال توترات مع الجارة المملكة العربية السعودية، وذلك بتوجيه اللوم إليها بالتسبب في تلك الضائقة بزعم الحصار المفروض على الجماعة بمقتضى القرار الدولي 2216 الذي يفوّض الرياض بقيادة تحالف دعم الشرعية في اليمن.

يقول الكاتب السياسي اليمني ياسين التميمي: "إن وضعا كالذي تعيشه مناطق سيطرة الحوثيين لا يشجع أبدا على تحمل أعباء إضافية، بل سيحيل أي انخراط عسكري للجماعة لإسناد إيران إلى مأزق وجودي، خصوصا إذا كانت رداتُ الفعل الأميركية-الإسرائيلية كما عهدناها فورية وقوية ومدمرة".

ويضيف التميمي: "إن الإسناد العسكري لإيران لن يكون فرصة للتحلل من الأعباء الاقتصادية كما كان الحال في معركة إسناد غزة، بالنظر لما لغزة وفلسطين من مكانة عالية في وجدان اليمنيين، بل سيكون كارثة حقيقية مفتوحة الاحتمالات على كافة المستويات".

رويترز
بحارة من البحرية الأميركية يضعن ذخائر على سطح حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن من فئة نيميتز، في موقع لم يُكشف عنه، في 28 فبراير 2026

قد يأخذ الحوثيون بأحد هذين الخيارين. أو بهما معا، لكن الواقع أنهم اليوم لا يملكون ترف الوقت للمفاضلة بينهما أو التخلي عنهما والذهاب إلى مواجهة الأميركيين والإسرائيليين عسكريا لدعم إيران و"حزب الله"، لكنهم قد يفعلون ذلك لاسيما أن ثمة ضغوطا يمارسها بعض الصقور داخل الجماعة تحث زعيمها على عدم التأخر في نصرة إيران والبقاء طويلا خارج دائرة المعركة أيا كان الثمن والعواقب المحتملة، وهذا بحجة أن الحرب دائرة عليهم ذات يوم قريب وأن دفع ذلك الثمن والعواقب مؤكد لا محالة سواء انخرطوا في الحرب القائمة ضد ايران و"حزب الله" أو لم يفعلوا.

لماذا يجب أن يذهب الحوثيون إلى المواجهة؟

صحيح أن العلاقة على المستوى الشخصي بين "السيدين" خامنئي والحوثي لم تكن على ذلك القدر من القوة والثقة والتواصل الذي كان قائما ببن الأخير وزعيم "حزب الله" اللبناني الراحل حسن نصرالله، حيث اقتصرت اتصالات خامنئي بالحوثي على تبادل الرسائل التي قام بنقلها من صنعاء إلى طهران كل من محمد عبدالسلام كبير مفاوضي الجماعة ومساعده عبدالملك العجري، المقرب نسبيا من الحوثي، اللذين التقيا خامنئي ثلاث مرات على الأقل بحضور سفير الحوثي لدى إيران إبراهيم الديلمي، وقد راجت شائعات بعد أول لقاء عن تعبير مبعوثي الحوثي عن مبايعة الجماعة لخامنئي، وذلك استنادا على ما يبدو إلى الحفاوة التي اتسم بها استقبال "المرشد" لهما، والكلمات الودية المتبادلة بينهم، غير أن الجماعة لم تنف أو تؤكد صحة ذلك.

يُعتقد أن خامنئي لم يكن مجرد حليف عسكري استراتيجي للحوثيين بل مرجعية روحية عقائدية في المقام الأول

لكن الحقيقة هي أن "ولاية الفقيه" في إيران طالما مثلت مصدر إلهام لعائلة الحوثي وبعض أتباعه "الهاشميين" في اليمن، ولقد استنسخ الحوثي المؤسس للجماعة حسين بدر الدين الحوثي، وخليفته أخوه عبدالملك، ذات التجربة، إذ أصبح الأخير بمثابة "المرشد". حيث أقام لنفسه جمهورية خاصة به وعلى مقاسه عيَّن على رأسها مرافقه ومدير مكتبه السابق (مهدي المشاط) رئيسا لجمهوريته الافتراضية ومنحه رتبة المشير، كما درج على تكليف بعض أنصاره بتشكيل حكومة شكلية لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشياته، ولم يفته أن يجمع بعض الأشخاص في ما يعرف بـ"المجلس السياسي" الذي يوازي "مجلس تشخيص مصلحة النظام، في إيران، وذلك دون صلاحيات أو تأثير يُذكر على غرار ما للمجلس المقابل في طهران.

لذلك كله، يُعتقد أن خامنئي لم يكن مجرد حليف عسكري استراتيجي للحوثيين بل مرجعية روحية عقائدية في المقام الأول، كما أن العلاقة مع "ولاية الفقيه" ليست فحسب علاقة مصالح مشتركة بين نظام ونظام بل كانت "قم" نموذجا لـ"صعدة" لدرجة تتجاوز مجرد التشابه إلى درجة التطابق فكرا وسلوكا، ومن هنا ما لم يقدم الحوثيون على المجازفة بدخول الحرب، فقد تكون مسألة الثأر والانتقام لمقتل خامنئي وهزيمة نظامه بمثابة فكرة راسخة في عقل ووجدان الحوثيين يجب العمل عليها كحق وواجب شرعي، كما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بكل الوسائل المتاحة، المشروع منها وغير المشروع، طال الزمن أم قصر!

font change

مقالات ذات صلة