خلال حربها المستمرة على قطاع غزة نفذت القوات الإسرائيلية إبادة من نوع مختلف ومتزامن في حق الثقافة الفلسطينية استهدفت التراث الثقافي المادي وغير المادي بجانب المعالم التاريخية والثقافية المختلفة. وفي حين حسمت أروقة القانون الدولي توصيف ما جرى في قطاع غزة طوال التسعة وعشرين شهرا الماضية بوصفه إبادة، فإن عمليات المحو والإزالة والاستهداف المباشر لمعالم الثقافة الفلسطينية والتراث بشقيه المادي وغير المادي كما للمؤسسات الثقافية والمباني التاريخية، تشكل استمرارا لجرائم ثقافية لم تتوقف منذ النكبة حتى اللحظة. لقد ترافقت عملية سرقة البلاد خلال النكبة عام 1948 وطرد سكانها وتدمير القرى المهجرة وإعادة تشكيل المدن التاريخية الكبرى مع عمليات إبادة ثقافية من نوع مختلف تمثلت في سرقة المقدرات التاريخية الفلسطينية وهدم المعالم الثقافية والشواهد القديمة وتدمير اللقى الأثرية التي لا يمكن تحريف تاريخها وتطويعها ضمن سردية المحتل، بجانب سرقة كل مكونات الثقافة المعاصرة من مسارح ودور سينما ومطابع وصحف وصالات موسيقى واستوديوهات ومتاحف وما إلى ذلك.
تدمير ممنهج
تمثل هدف الإبادة الثقافية خلال الحرب الأخيرة على غزة منذ اليوم الأول بمحو معالم الثقافة الفلسطينية من خلال التدمير الممنهج للمواقع الأثرية والمباني القديمة وتلك ذات الأهمية التاريخية والدينية مثل المساجد والكنائس، بجانب تدمير جميع متاحف قطاع غزة الاثني عشر، فضلا عن سرقة الآثار واللقى التاريخية من أعمدة قديمة وجرار وتماثيل ومقتنيات يومية وغيرها.
وفيما كانت نشرات الأخبار والتقارير المصورة تفضح جرائم القتل وتدمير المباني على ساكنيها وتبث التغطيات الحية حول المجازر التي ترتكب خلال بث حي ومباشر وأمام كاميرات العالم، فإن الإبادة الثقافية كانت تتم بصمت ودون التفات أو تسليط الضوء لجملة أسباب أهمها بالطبع أن حياة الإنسان في كل الأحوال أهم من كل شيء آخر. وأمام هذه المفاضلة الصحيحة وغير العادلة في الآن نفسه، أجهزت إسرائيل على كل المعالم الثقافية في قطاع غزة ودمرت جزءا كبيرا من ذاكرة المنطقة وذاكرة العالم في الشريط الساحلي الجنوبي لفلسطين عند ملتقى الحضارات والقارات القديمة. الآن وبعد عودة الحديث المعسول عن السلام ووقف إطلاق النار وترتيبات اليوم التالي، فإن مجرد التفكير باستعادة المفقودات أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه غير مطروح على نحو جدي. للمفارقة فإن اللجنة التي شكلها مجلس السلام العالمي بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضمت نخبة من الكفاءات الفلسطينية الجيدة، خلت من أي إشارة أو مهمة تتعلق بالقطاع الثقافي أو التراثي ولم يتضمن تكليفها أو قائمة المهام المنوطة بها أي شيء يتعلق باستعادة وترميم وتشافي هذين القطاعين، فيما لم تهمل الجوانب العشائرية مثلا أو الدينية والعقائدية.







