الحرب على "الأسطول السري" الروسي تطال المتوسط

تعرضت الناقلة "آركتيك ميتاغاز" إلى هجوم بطائرات مسيرة بحرية والاستهداف يعتبرا حدثا غير مسبوق

رويترز
رويترز
سفينة تابعة للبحرية الفرنسية قرب ناقلة النفط "غرينش"، التي اعترضتها فرنسا في البحر المتوسط للاشتباه في تشغيلها تحت علم مزيف وانتمائها إلى الأسطول الروسي السري الذي يمكّن روسيا من تصدير النفط رغم العقوبات، فرنسا في 25 يناير 2026

الحرب على "الأسطول السري" الروسي تطال المتوسط

وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استهداف ناقلة الغاز الروسية "آركتيك ميتاغاز" قبالة السواحل الليبية بداية شهر مارس/آذار الجاري بالإرهاب الدولي والقرصنة البحرية. واتهمت روسيا غريمتها أوكرانيا بشن هذا الهجوم ضمن ما يعرف بعمليات ملاحقة وتتبع "أسطول الظل" وهو شبكة سرية من السفن تعتمدها روسيا للتحايل على العقوبات المفروضة على صادراتها النفطية... ويشير الاستهداف إلى توسع المدى الجغرافي لهذه الحرب بشكل لافت ليبلغ البحر الأبيض المتوسط الذي يعد أحد الممرات البحرية الأكثر أمانا نسبيا في العالم وهو ممر لم يشهد أي هجوم على سفينة تجارية غير عسكرية منذ الحرب العالمية الثانية.

تؤكد هذه العملية جدية المخاوف والتحذيرات من التبعات الوخيمة لسيناريو توسع نطاق الحملات الأوكرانية على البنى التحتية واللوجستية للطاقة الروسية والتي تجاوزت فعلا خلال الأشهر القليلة الماضية حدود البحر الأسود وشملت أهدافا بحرية في عدة بحار وفق وكالة "فرانس برس"، إذ تعتبر هذه الحادثة فقط خامس استهداف لسفن أسطول الظل وهي ثاني هجوم عسكري على ناقلة روسية في البحر الأبيض المتوسط بعد ناقلة النفط "قنديل".

المتوسط أهم الممرات العالمية لنقل الطاقة

تعرضت الناقلة "آركتيك ميتاغاز" إلى هجوم بطائرات مسيرة بحرية والاستهداف يعتبرا حدثا غير مسبوق سواء من حيث الموقع الجغرافي للهجوم (من الداخل الليبي على الأرجح) أو طبيعة السفينة المستهدفة (غاز طبيعي مسال) حسب الخبير الدولي في الطاقة والانتقال الطاقي والهيدروجين، عماد درويش، الذي فسر لـ"المجلة" أن هذه التطورات تضيف مستوى جديدا من المخاطر إلى أسواق الطاقة العالمية.

وقال درويش في تصريحه: "مجرد وقوع مثل هذا الهجوم في البحر الأبيض المتوسط يحمل دلالات استراتيجية مهمة، فهذه المنطقة تعد واحدة من أهم الممرات العالمية لنقل الطاقة، إذ تمر عبرها ناقلات النفط والغاز القادمة من الولايات المتحدة ومن الخليج العربي ومن شمال أفريقيا قبل أن تعبر مضيق جبل طارق أو تتجه نحو الموانئ الأوروبية".

روسيا تمتلك عددا محدودا من ناقلات الغاز الطبيعي، وأي ضرر في هذه السفن قد يؤثر على القدرة التصديرية

وتابع درويش: "هذه العملية قد تحمل رسالة استراتيجية من أوكرانيا مفادها أن استهداف المصالح الروسية لن يقتصر على البحر الأسود بل قد يمتد إلى الممرات البحرية الأبعد مثل البحر الأبيض المتوسط".

المعلوم أن "المتوسط" هو حلقة وصل حيوية تلتقي حوله قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا ولا يوجد طريق آخر في العالم تتقارب فيه 3 قارات بهذا الشكل. ويعد هذا الممر البحري أحد الطرق التجارية الرئيسة في العالم التي يمر عبرها ما يقارب ثلث التجارة العالمية من قناة السويس إلى مضيق جبل طارق أو البوسفور ومن المحيط الأطلسي إلى البحر الأسود وفق المعهد الأوروبي للبحوث المتوسطية.

وإثر الحادث، توقفت ناقلات الغاز الطبيعي الروسية المشاركة في نقل الغاز لمشروع "LNG-2" عن المرور عبر المتوسط وغيرت مساراتها: الناقلة "آركتيك بايونير" التي كانت تغادر قناة السويس وقت وقوع الحادث، رست قبالة ميناء بورسعيد (مصر) ولا تزال راسية هناك (حتى تاريخ 12 مارس/آذار). أما الناقلة "آركتيك فوستوك" فقد غيرت مسارها بعد أن قررت تجنب قناة السويس والالتفاف نحو "الطريق الطويل حول أفريقيا" وفق موقع "مارين ترافيك" لتتبع السفن.

أ.ف.ب
صورة جوية تظهر حطام ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية "أركتيك ميتاغاز"، التي تنجرف بين مالطا ولامبيدوزا، في 15 مارس 2026

يعود ذلك إلى أن روسيا تمتلك عددا محدودا من ناقلات الغاز الطبيعي على حد قول خبير الطاقة الروسي ستانيسلاف ميتراخوفيتش الذي شدد في سياق متصل على أن أي ضرر في هذه السفن قد يؤثر على القدرة التصديرية لبلاده.

استهداف عسكري غير مسبوق

وقع الهجوم على الناقلة الروسية يوم 3 مارس. ومنذ ذلك التاريخ تعددت التصريحات من كبار القادة الروس بدءا من الرئيس بوتين إلى وزير خارجيته سيرغي لافروف مرورا بمسؤولين ودبلوماسيين. وهي تصريحات شكلت سردية روسية منددة بالهجوم ومحذرة من تبعاته ومتوعدة برد انتقامي.

آخر هذه التصريحات كانت من ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية بتاريخ 9 مارس وقدمت فيه تفاصيل جديدة عن الهجوم وعن الناقلة التي تم الإعلان في البداية عن تعرضها لانفجار نجم عنه غرقها، قبل أن تؤكد إدارة الموانئ واليخوت المالطية بتاريخ 11 مارس أنها "ليست تحت السيطرة" وأنها انجرفت وسط البحر المتوسط. ويشير تحديث جديد للمعطيات (13 مارس) إلى أنها أصبحت على بعد أميال من جزيرة لامبيدوزا الإيطالية...

فوفق زاخاروفا، تعرضت "آركتيك ميتاغاز" التي كانت تحمل مئة ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال لهجوم بواسطة طائرات مسيرة. كما لفتت إلى أن الهجوم حدث في "مياه محايدة" بالبحر الأبيض المتوسط "على بعد 168 ميلا بحريا جنوب شرقي ساحل مالطة"، وإلى أن الناقلة فقدت الطاقة والقدرة على الدفع وأن ذلك أدى إلى اندلاع حريق وانفجار غازي على متنها.

"آركتيك ميتاغاز" مثل كل سفن "أسطول الظل"، من البواخر القديمة (عمرها 23 سنة)، وقد شهدت تغييرات سريعة في الملكية والتسجيل بهدف التحايل على العقوبات

الناقلة غادرت، حسب وزارة النقل الروسية، ميناء مورمانسك (شمال روسيا) يوم 24 فبراير/شباط 2026 وكانت متجهة إلى قناة السويس المصرية، وهو ما نفته وزارة البترول المصرية.

أما الرواية الأوكرانية الرسمية الوحيدة فمصدرها الاستخبارات الأوكرانية التي أكدت أن ناقلة "آركتيك ميتاغاز" الروسية هي واحدة من 12 سفينة تنقل الغاز الطبيعي المسال الروسي الخاضع للعقوبات من مشروع "arctic SPG-2" إلى محطة "Beihai" الصينية، وأوضحت أن الناقلة كانت تستخدم تقنية تسمى "spoofing" أي إرسال بيانات مضللة لنظام التعريف الآلي للسفن (Ais) الشيء الذي تعتبره أوكرانيا انتهاكا للقانون البحري الدولي.

من جهته، وصف رئيس جهاز الأمن الأوكراني فاسيل ماليوك هذه الهجمات بـ"الضربات العسكرية المباشرة"kinetic sanction) )، وهو وصف يعكس نتائجها الفورية. ومن ذلك تضاعف أسعار التأمين على السفن العاملة في البحر الأسود ثلاث مرات نهاية عام 2025 وتضاعفت مرة أخرى بنسق تصاعدي منذ شهر يناير/كانون الثاني 2026 مما تسبب في تراجع صادرات النفط الروسي عبر البحر الأسود بنسبة 30 في المئة، حسب دراسة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية (مقره لندن) التي ذكرت أيضا أن 11 استهدافا وقعت في البحر الأسود و4 استهدافات بالبحر المتوسط بين سواحل ليبيا وتركيا وإيطاليا (جراء لغم بحري أو مصادرة) خلال العام الماضي. وهي الأولى منذ الحرب العالمية الثانية.

الأسطول السري

تعد هذه الناقلة الروسية واحدة من مئات السفن التي تستعملها روسيا ضمن ترسانة أسطولها السري الذي ينقل الغاز والنفط الخاضعين لعقوبات دولية أوروبية وأميركية خاصة.

و"آركتيك ميتاغاز" كمجمل سفن "أسطول الظل"، من البواخر القديمة (عمرها 23 سنة)، وقد شهدت تغييرات سريعة في الملكية والتسجيل بهدف التحايل على العقوبات وفق موقع "أكواسيس" الدولي المختص والذي كشف أيضا أن الناقلة غيرت اسمها أربع مرات ورايتها الوطنية سبع مرات ومديرها ثماني مرات.

سارعت السلطات الليبية إلى طمأنة مختلف المتدخلين على سلامة واستمرارية العمليات البحرية. ولفتت إلى أن حركة ناقلات النفط في الموانئ الليبية تسير بشكل طبيعي

من جهتها، كشفت صحيفة "تايمز أوف مالطة"، نقلا عن مصادر أوروبية تفاصيل عن الشراءات التي مكنت روسيا من تعزيز أسطولها البحري الذي قالت إنه يتكون حتى شهر فبراير 2026 من 1337 سفينة.

لكن الأهم من توسع الأسطول هو بلا شك ما أصبح يمثله في معادلة اقتصاد الحرب بعد أن تحول من مجرد وسيلة للالتفاف على العقوبات إلى قوة جيوسياسية يقول المركز الأوروبي للسياسات (مقره بروكسل) إنها تزعزع استقرار أسواق الطاقة العالمية. فعلى المستوى الدولي يدير أسطول الظل أكثر من 12 في المئة من التجارة البحرية ويمثل قرابة نصف عدد ناقلات النفط الكبيرة (أكثر من 1300 ناقلة).

كما يؤمّن أسطول الظل الروسي بين 65 و70 في المئة من صادرات النفط البحري أي نحو 3.7 مليون برميل يوميا، محققا عائدات سنوية تتراوح بين 87 و100 مليار دولار، وفق تقرير مركز السياسات الأوروبية الذي أشار إلى نجاعة استراتيجية اقتصاد الحرب الروسي في إضعاف أوروبا ككل.

أ.ف.ب
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء مشاركته في مراسم وضع إكليل من الزهور عند نصب "الوطن الأم" في مقبرة بيسكاريفسكوي التذكارية في سانت بطرسبرغ، يناير 2026

ويختم التقرير توصياته بجملة لافتة جاء فيها: "إذا أرادت أوروبا أن تؤخذ على محمل الجد يجب أن تصادر هذه السفن وتمدد الحظر على كل الخدمات البحرية ليشمل الغاز الطبيعي المسال".

موضع القدم في ليبيا

سارعت السلطات الليبية إلى طمأنة مختلف المتدخلين على سلامة واستمرارية العمليات البحرية. فقد أكدت المؤسسة الوطنية للنفط أن حادث ناقلة الغاز الروسية لم يؤثر على إمدادات النفط والغاز وتوزيع الوقود في البلاد. ولفتت إلى أن حركة ناقلات النفط في الموانئ الليبية تسير بشكل طبيعي.

وأعرب محمد عون وزير الطاقة الليبي السابق في تصريح لـ"المجلة" عن أمله في أن لا تكون لهذه الحادثة ارتدادات على حركة وسلامة الملاحة بالبحر الأبيض المتوسط، محذرا من خطورة تكرارها لما ستخلف من أثر على الاقتصاد الليبي واقتصاد دول المنطقة.

مؤخرا، انضمت أوكرانيا مدفوعة ومدعومة من حلفائها، إلى قائمة الدول التي تبحث عن موضع قدم في القارة السمراء بهدف زعزعة النفوذ الروسي خاصة في ليبيا ومالي وبوركينافاسو

كما اعتبر أن مثل هذه العمليات تعكس تمدد "حرب الهيمنة على الطاقة إلى شمال أفريقيا" التي ذكر أنها تحتوي على كميات وصفها بالرهيبة من النفط والغاز" وأنها (شمال أفريقيا) قد تكون الهدف القادم.

وتابع: "يجب أن نتعظ من الدروس القادمة من دول أخرى وأن نأخذ احتياطاتنا الكاملة. واليوم فإن التحالف بين السعودية وباكستان ومصر هو أحد التحالفات التي من الممكن أن تواجه طموحات السيطرة وتوسع النفوذ والتغول الدولي".

في سياق متصل، ذكر الوزير السابق أن بلاده تعتبر مسرحا للتدخل الأجنبي، لافتا إلى أنه تُضاف إلى هيمنة تركيا على الجهة الغربية وروسيا ومصر على الجهة الشرقية، تدخلات عربية متعددة قال إنها تنطلق من المغرب لتصل إلى قطر، مضيفا: "التدخلات الخارجية تتسبب في بقاء الوضع على حاله في ليبيا وعدم استقرارها وانقسامها وكل ذلك سيساهم في هشاشة الأمن البحري".

رويترز
قارب نجاة برتقالي اللون تابع لناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية "أركتيك ميتاغاز"، التي تضررت في وقت سابق من هذا الشهر وهي الآن تائهة في البحر بدون طاقم، في مرسى، مالطا، 22 مارس 2026

مؤخرا، انضمت أوكرانيا مدفوعة ومدعومة من حلفائها، إلى قائمة الدول التي تبحث عن موضع قدم في القارة السمراء بهدف زعزعة النفوذ الروسي خاصة في ليبيا ومالي وبوركينافاسو، عبر تقديم أسلحة وطائرات مسيرة للمجموعات والتنظيمات المسلحة في مالي والسودان وبوركينا فاسو، علاوة على تزويدها بمدربين عسكريين ودعم استخباراتي الهدف الاستراتيجي منه هو فتح جبهات جديدة ضد مصالح موسكو، وفق منصة "RTVI" الدولية الناطقة بالروسية.

وقد أعلن النائب العام الليبي في شهر أغسطس/آب الماضي عن فتح تحقيق في إدخال طائرات مسيرة أوكرانية بشكل غير قانوني إلى ليبيا، وسط مخاوف من عودة النزاعات الداخلية مجددا، وحول إمكانية أن تتحول البلاد إلى منصة لاستهداف السفن الروسية في البحر المتوسط، مما سيغير من ديناميكية الأمن البحري في هذا الممر الحيوي.

font change

مقالات ذات صلة