تراجع ترمب الأخير يوحي بأنه يريد إنهاء الحرب

اتساع الشرخ بين إسرائيل والولايات المتحدة

(رويترز)
(رويترز)
إضاءة علمي الولايات المتحدة وإسرائيل على جدران البلدة القديمة في القدس احتفالا بالمرحلة الأولى من خطة دونالد ترمب لإنهاء حرب غزة، 9 أكتوبر 2025

تراجع ترمب الأخير يوحي بأنه يريد إنهاء الحرب

في وقت مبكر من صباح 23 مارس/آذار، كتب دونالد ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي أنه يعلق، ولمدة خمسة أيام، ما وصفه بأن "جميع الضربات العسكرية ضد محطات الطاقة الإيرانية وبنية الطاقة التحتية". وبعد أقل من ساعة، أعلنت القوات الإسرائيلية أن طائراتها "تشن حاليا ضربات على أهداف تابعة لنظام الإرهاب الإيراني في قلب طهران".

لم تناقض تلك العبارة منشور ترمب مباشرة، إذ وعد المنشور باستثناء أهداف الطاقة الإيرانية وحدها من الضربات، وهي الأهداف التي هدد سابقا بضربها إذا لم توقف الجمهورية الإسلامية هجماتها على الشحن في مضيق هرمز، لكنها لم توقفها.

وتنسق إسرائيل هذه الغارات مع الأميركيين الذين يواصلون تزويد المقاتلات الإسرائيلية بالوقود جوا. لكن ترمب قال أيضا إن الولايات المتحدة تجري محادثات مع إيران بشأن "حل كامل وشامل لأعمالنا العدائية". ويمكن فهم بيان القوات الإسرائيلية على أنه تعبير عن قلق من أن الشريك الأكبر لإسرائيل في الحرب مع إيران قد يكون على وشك الانسحاب.

(أ.ف.ب)
سفينة شحن قبالة سواحل الفجيرة بالقرب من مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، 25 فبراير 2026

هل يفعل ذلك؟ ظهر ترمب على عدد من القنوات الاقتصادية الأميركية، وكرر حديثه عن "محادثات رائعة" مع إيران. وأنكرت إيران علنا وجود مثل هذه المحادثات، كما رفضت سرا العروض الأميركية، بحسب ما قاله مسؤول خليجي. وفي الأثناء، ما تزال وحدة من مشاة البحرية الأميركية في طريقها إلى الخليج، وقد تُستخدم ضد مواقع إيرانية تطل على مضيق هرمز، أو ضد جزيرة خرج، مركز الطاقة الإيراني الرئيس. ويأمل الإسرائيليون أن يكون ترمب، عبر تأجيل ضرب محطات الطاقة الإيرانية، يكسب الوقت فحسب لتهدئة أسواق الطاقة.

بيان القوات الإسرائيلية يُفهم على أنه تعبير عن قلق من أن الشريك الأكبر لإسرائيل في الحرب مع إيران قد يكون على وشك الانسحاب

لكن تراجع ترمب قد يشير أيضا إلى تباين في أهداف الحرب الأميركية والإسرائيلية. فإسرائيل ترى في هذه الحرب خطوة حاسمة نحو تحييد التهديد العسكري الإيراني، وبرنامجه النووي والصاروخي الباليستي، ودعم إيران لوكلائها في المنطقة، وهو هدف تعتقد أنه لا يتحقق إلا عبر تغيير النظام. وبدا ترمب أحيانا وكأنه يشاركها هذه الأهداف. غير أنه بدا في الآونة الأخيرة أكثر انشغالا بضمان استمرار تدفق النفط من الخليج. وانتقد إسرائيل مرتين خلال الحرب، وجاء ذلك بعدما قصفت طائرات إسرائيلية أهدافا مرتبطة بصناعة الطاقة الإيرانية.

ويبدو أن تركيز ترمب يتحول أكثر فأكثر إلى منع أزمة طاقة عالمية قد يُلام عليها، بما في ذلك عبر محاولة إبرام صفقة مع ما تبقى من نظام إيران. وبذلك تواجه إسرائيل احتمال أن تنتهي الحرب من دون تحقيق الهدف الرئيس الذي أعلنه بنيامين نتنياهو، رئيس وزرائها، وهو تمهيد الطريق لانتفاضة شعبية تطيح بالنظام الإيراني.

أربك اغتيال "المرشد الأعلى" علي خامنئي وقادة كبار آخرين، بينهم علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، آليات اتخاذ القرار في إيران. لكن الحكومة الإسرائيلية تشعر بالإحباط لأن مؤشرات انهيار النظام لا تظهر. كذلك لم يُدمَر برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.

وتقول إسرائيل إنها دمرت أو دفنت نحو ثلاثة أرباع منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، وسوت بالأرض خطوط إنتاج الصواريخ التابعة للنظام. لكن إيران، رغم تباطؤ وتيرة الإطلاق، ما تزال تطلق ما لا يقل عن اثني عشر صاروخا يوميا باتجاه إسرائيل. وتقول القوات الإسرائيلية إنها تواصل اعتراض أكثر من 90 في المئة منها، وهي نسبة لافتة. غير أن الصواريخ التي تخترق الدفاعات قد تلحق أضرارا حقيقية. ففي 21 مارس، أصابت ضربات صاروخية مباشرة مدينتي ديمونة وعراد الإسرائيليتين، وجرحت نحو 180 مدنيا.

(أ.ف.ب)
تشييع وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب في طهران بعد مقتله في غارة إسرائيلية، 20 مارس 2026

لم يدخل مخططو الحرب الأميركيون والإسرائيليون هذه الحرب وهم يعتقدون أن ترمب سيواصلها طويلا. ويكشف تاريخه عن ميل إلى عمليات سريعة واستعراضية، مثل اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني. وفي يونيو/حزيران الماضي، أمر على نحو مفاجئ بإنهاء حرب إسرائيل السابقة مع إيران بعد أقل من يومين من الضربة الوحيدة التي نفذتها قاذفات أميركية من طراز "بي-2" واستهدفت منشآت تخصيب نووي. وتركزت أهم الضربات الجوية في الحرب الحالية خلال أول مئة ساعة من الصراع، تحسبا لأن يقرر الرئيس وضع حد لها.

ترمب مشغول بضمان استمرار تدفق النفط من الخليج.. وانتقد إسرائيل بعدما قصفت طائرات إسرائيلية أهدافا مرتبطة بصناعة الطاقة الإيرانية

ومع ذلك، ومع تقدم الحرب، بدأ وزراء إسرائيليون يعتقدون أن ترمب سيبقى فيها ما دامت إسرائيل تريد ذلك. وفي 22 مارس، قال قائد الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، إن الحرب لا تزال "في منتصف الطريق"، وإنها ستستمر طوال مهرجان عيد الفصح الذي يبدأ مساء الأول من أبريل.

(أ.ف.ب)
أحد أفراد الجالية الإيرانية في أستراليا يرفع لافتة دعما لدونالد ترمب وبنيامين نتنياهو خلال مظاهرة في سيدني إثر الضربات على إيران، 14 مارس 2026

قد يحدث ذلك بالفعل، لكن البت بهذا الأمر قد لا يكون بيد ترمب أو نتنياهو وحدهما. فطول أمد الحرب على غير المتوقع، وكذلك تراجع ترمب الأخير، يقوضان فكرة أن نظام إيران هش وأن تغييره ممكن. وبدلا من ذلك، يبدو الأرجح أن هذه الحملة سيئة التقدير، إما أن تطول وإما أن تنتهي على نحو فوضوي، فيما تخرج إيران منهكة لكنها متمردة، وما تزال قادرة على إلحاق ضرر كبير بالمنطقة والعالم.

font change

مقالات ذات صلة