لا يمكن الحديث عن تجربة الكاتب الفرنسي آرنو برتينا (1975) السردية دون أن نستحضر انشغاله بالكتابة بوصفها بحثا في هوية متحركة، أي كتابة تنصت إلى الواقع وتعيد تركيبه عبر أصوات متجاورة، لا عبر راو واحد يملك الخلاصة. وما روايته الأخيرة، "قذائف، أرداف، وأطراف اصطناعية"، سوى واحدة من هذه المغامرات التي يلتقط فيها شرارة واقعية ويحولها إلى سرد متعدد المناظير: فندق فخم على الساحل التونسي، ناجون من حرب ليبيا بآثارها الجسدية القاسية، ونساء يتعافين من عمليات تجميل... مشهد يبدو غرائبيا، لكنه يفتح أسئلة حادة عن الجسد والنجاة، وما الذي يبقى من الإنسان حين يحاصر في مكان واحد يزدحم بالعنف والترف معا.
يعد برتينا من الأصوات الأدبية الفرنسية التي برزت منذ مطلع الألفية، كتب الرواية والنص الوثائقي، وهو أيضا من مؤسسي مجلة Inculte، ومنذ سبتمبر/ أيلول عام 2024 أصبح أول حامل للكرسي الفني في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS) حيث يرافق البحث الأكاديمي بعمل على الوثائقي الأدبي كتابة وقراءة. أما كتابه الوثائقي، "أولئك الذين يتحملون الكثير"، فقد نال جائزة أفضل مؤلف عن عالم العمل لعام 2022. هنا حوار معه.
بأي معنى جعلت الجسد مركزا للسؤال الأخلاقي والسياسي في روايتك "قذائف، أرداف، وأطراف اصطناعية"، وأين ترسم الحد بين صدمة تكشف وأخرى تحكم قبضتها على التفاصيل الإنسانية؟
لقد لخصت بدقة جانبا مهما من رهانات الرواية. أما دافعي الأول للكتابة فهو الاهتمام بالشخصيات الأربع قبل أي شيء، إذ أردت الاشتغال على فرادة رفيقة، عاملة الفندق التي تعمل أيضا معلمة، وعلى ماجد، الجراح الذي تعرض لبتر وفقد بصره فلم يعد يلتقط العالم إلا عبر السمع. ثم تأتي نعيمة، امرأة فائقة الجمال لكنها ستطلب من طبيبة التجميل علاجا غير متوقع تماما. وأخيرا حسن الشاب، الموقوف للتحقيق والذي يصرخ ببراءته.
كنت أسأل نفسي: ما مأساة كل واحد من هؤلاء؟ لماذا ينوجدون في هذا الفندق الفخم؟ ولماذا يريدون مغادرته أو البقاء فيه رغم طابعه الكئيب؟ ما الحيوية الخاصة التي تملكها نعيمة، أو تلك التي تملكها رفيقة؟ لم أخش أن يؤدي هذا إلى تفكيك الكتاب لأن العمل يجري في مكان مغلق، وهذا وحده كفيل إعادة الشخصيات لتلتقي داخل ما سميته "توترا كبيرا واحدا". لهذا استطعت التقدم في تعرجات الرواية: أن أفتح أسئلة جراحة التجميل، وأن أقترب من أسئلة الحرب في ليبيا، وأن أمنح نفسي وقتا لمراقبة الشخصيات، وأن أكون رقيقا معها وأحترم بؤسها، وأن أصف كيف تتشبث الحياة بالبقاء. وفي النهاية يمكن القول إنهم أشبه بوحوش داخل قفص ويعيشون تجربة جماعية واحدة.



