روسيا الرابح الأكبر من حرب إيران

النفط الروسي الخاضع للعقوبات يُتداول بعلاوة أعلى من المؤشر العالمي الأكثر تداولا

"المجلة"
"المجلة"

روسيا الرابح الأكبر من حرب إيران

في 28 فبراير/شباط المنصرم، أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا شديد اللهجة دانت فيه "العدوان المسلح المتعمد والمخطط له سلفا وغير المبرر على دولة ذات سيادة واستقلال وعضو في الأمم المتحدة." ووصفت الولايات المتحدة وإسرائيل بالدولتين "المعتديتين،" معتبرة أن "المسؤولية عن تداعيات هذه الأزمة المصنوعة، بما في ذلك التفاعلات المتسلسلة غير المتوقعة ودوامة العنف المتصاعدة، تقع عليهما بالكامل".

وبدا هذا البيان الحاد منسجما مع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعتها موسكو وطهران قبل أكثر من عام بقليل، لتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي، إلى جانب التزام مزيد من المناورات العسكرية المشتركة والتعاون في استراتيجيات مقاومة العقوبات وجمع المعلومات الاستخباراتية وغير ذلك.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن الدعم الروسي الفعلي لحليفتها الاستراتيجية لا يزال محدودا بعد نحو شهر على اندلاع النزاع. بل سارع المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أخيرا إلى نفي التقارير التي تحدثت عن أن موسكو تشارك طهران صورا عبر الأقمار الاصطناعية وتقنيات محسنة للطائرات المسيّرة. وعلى العكس من ذلك، توحي المؤشرات على نحو متزايد بأن روسيا تجني من هذه الحرب مكاسب عدة.

هدية الحرب

مع مرور أكثر من أربع سنوات من العقوبات، بدأ الاقتصاد الروسي يتباطأ بشكل تدريجي. وعلى الرغم من ارتفاع أحجام الصادرات، تراجعت عائدات النفط والغاز 24 في المئة في عام 2025، لتبلغ أدنى مستوياتها منذ عام 2020. وجاءت الحرب في إيران لتوفر للكرملين "هدية" ومتنفسا هو في أمس الحاجة إليه. فقد بُنيت موازنة الاتحاد الروسي لعام 2026 على افتراض أن يبلغ متوسط سعر برميل النفط الروسي المصدر 59 دولارا. وبعد أسبوعين على اندلاع النزاع في الشرق الأوسط، تضاعف هذا السعر، من دون أن تظهر حتى الآن مؤشرات إلى عودته إلى مستوياته السابقة.

تظهر المؤشرات على نحو متزايد أن روسيا تجني من هذه الحرب مكاسب عدة، وجنت نحو 6 مليارات يورو من صادرات الوقود الأحفوري خلال الأسبوعين من الحرب

فوق ذلك، خففت الولايات المتحدة العقوبات في 13 مارس/آذار، مما أتاح لدول أخرى شراء النفط الروسي والمنتجات البترولية الروسية التي شُحنت بالفعل على متن الناقلات، في مسعى إلى الحفاظ على "الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية،" وفق ما قاله وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت.

وتتفاوت التقديرات في شأن حجم الأموال التي ستجنيها روسيا من زيادة صادرات النفط بأسعار أعلى. وتفيد بيانات حديثة بأن روسيا جنت نحو 6 مليارات يورو من صادرات الوقود الأحفوري خلال الأسبوعين اللذين أعقبا اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وذلك وفق تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" في 12 مارس/آذار الجاري. وتشير التقديرات إلى أن هذه العوائد تضمنت زيادة إضافية بنحو 672 مليون يورو في مبيعات النفط والغاز والفحم خلال شهر مارس/آذار، مدفوعة بارتفاع متوسط الأسعار اليومية المجمّعة بنسبة 14 في المئة مقارنة بشهر فبراير/شباط. وبحسب بيانات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA)، فإن الحصة الكبرى من هذه الزيادة ، التي تُقدّر بنحو 625 مليون يورو، جاءت من تجارة النفط.

أ.ف.ب.
خزانات الوقود في سانت بطرسبرغ، روسيا 26 سبتمبر 2025

وكان تقدير "فايننشال تايمز" أعلى من ذلك، إذ أكدت الصحيفة في تقرير لها أن روسيا، التي كانت تجني 150 مليون دولار يوميا، حققت حتى الآن ما بين 1.3 و1.9 مليار دولار من النزاع. ورجّح التقدير أن الرقم قد يرتفع إلى ما يقرب من 5 مليارات دولار إذا استمرت الحرب حتى نهاية مارس/آذار.

إلا أن حساب هذه الأرقام بدقة ليس بهذه البساطة، وفق سيرغي فاكيولينكو، الباحث البارز في مركز "كارنيغي روسيا وأوراسيا" والرئيس السابق للاستراتيجيا في "غازبروم نفت". إذ قال في مقابلة أُجريت معه في 16 مارس/آذار: "تستند هذه الحسابات إلى صفقات شراء فورية للنفط في الموانئ الروسية والهندية. لكن قسما كبيرا من النفط الروسي لا يُشترى بهذه الطريقة، إذ تُستخدم عقود طويلة الأجل تتضمن صيغة لتحديد الأسعار انطلاقا من خام برنت أو خام دبي سعرا مرجعيا. لا أحد يعرف أسعار هذه العقود، لكن ثمة شكوكا قوية في أن الحصيلة الفعلية أعلى بكثير".

في مقابل كل زيادة 10 دولارات في سعر النفط، تحقق الشركات الروسية والحكومة 2.8 مليار دولار إضافية شهريا، تذهب منها 1.6 مليار دولار إلى الدولة

سيرغي فاكيولينكو، باحث مركز "كارنيغي روسيا وأوراسيا"

واقترح فاكيولينكو منهجه الخاص لتقدير الدخل الفائض الذي يجنيه الكرملين، موضحا أنه "عندما يرتفع سعر النفط دولارا واحدا، تجني الحكومة الروسية 58.5 سنتا إضافيا... ولا يبقى بعد ذلك إلا إجراء حساب بسيط جدا: يمكن احتساب الإنتاج اليومي البالغ 9.3 ملايين برميل، أو حجم الصادرات البالغ 7 ملايين برميل يوميا (...) ويقودنا ذلك إلى النتيجة الآتية: مقابل كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط، تحقق الشركات الروسية والحكومة 2.8 مليار دولار إضافية شهريا، تذهب منها 1.6 مليار دولار إلى الدولة. وإذا ارتفعت الأسعار 30 دولارا، فاضرب هذا الرقم في 3. وإذا كنت تعتقد أن هذا السعر سيبقى عند ذلك المستوى لمدة ستة أشهر، فاضربه في 18".

اتساع دائرة المشترين للنفط الروسي

أما من حيث المعروض، فإن خام الأورال الروسي يبدو جذابا بفضل نوعيته. وفي ذلك ذكر المحلل المستقل في شؤون الطاقة، جورج فولوشين،  أن "المصافي العالمية تبحث بيأس عن بدائل من الخامات المتوسطة الحموضة، وهي حاجة يلبيها تحديدا خام الأورال الروسي." وكان هذا الخام يُتداول بحسم كبير مقارنة بخام برنت بسبب العقوبات الغربية، غير أن الانفراج الذي أتاحه البيت الأبيض يعني أن الكرملين بات يملك عددا أكبر من المشترين، وصار في وسعه التفاوض على سعر أفضل.

.أ.ف.ب
سفينة تنقل النفط الروسي قبالة السواحل الفلبينية، في 26 مارس 2026

وفي 11 مارس/آذار الجاري، صرّح نيكولاس مولدر، الباحث في شؤون العقوبات ومؤلف كتاب "السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة في الحرب الحديثة" (The Economic (Weapon: The Rise of Sanctions as a Tool of Modern War، في حديث الى موقع "أكسيوس" أن "النفط الروسي الخاضع للعقوبات يُتداول بعلاوة سعرية أعلى من المؤشر العالمي الأكثر تداولا، وهذا أمر جنوني بكل بساطة".

وأضاف: "إذا كنت تاجر نفط روسيا أو شركة روسية، فلم يسبق لك أن حققت هذا القدر من الأرباح من بيع النفط كما هو الحال الآن، نتيجة هذا الاضطراب في سلاسل الإمداد".

إذا كنتَ تاجر نفط روسيا أو شركة روسية، فلم يسبق لك أن حققت هذا القدر من الأرباح من بيع النفط كما هو الحال الآن، نتيجة هذا الاضطراب في سلاسل الإمداد

نيكولاس مولدر، الباحث في شؤون العقوبات ومؤلف كتاب "السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة في الحرب الحديثة"

وأفادت وكالة "بلومبرغ" في 18 مارس/آذار بأن إحدى ناقلات النفط التي كانت في طريقها أصلا إلى الصين قامت بدورة عكسية في بحر الصين الجنوبي واتجهت نحو مشترين جدد في الهند. وأكدت شركة التحليلات "فورتيكسا" ما لا يقل عن سبع حالات من هذا النوع، مع شراء المصافي الهندية ما يقرب من 30 مليون برميل من النفط الروسي في غضون أسبوع واحد فقط.

كما أكدت وزارة الخزانة الأميركية أن ناقلتين روسيتين تتجهان إلى كوبا، على الرغم من أن الجزيرة لا يُسمح لها بشراء هذه المادة. وتُقدَّر حمولة إحداهما، وهي "أناتولي كولودكين"، بنحو 730 ألف برميل من النفط الخام، ومن المتوقع أن تكون وصلت إلى وجهتها في 23 مارس/آذار، ما لم تتدخل السلطات الأميركية.

أ.ف.ب.
محطة وقود في بلغراد، 12 ديسمبر 2025

ودخلت كوريا الجنوبية أيضا قائمة المشترين المحتملين للمرة الأولى منذ ديسمبر/كانون الأول 2022. وقال الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، في اجتماع مع كبار مساعديه الخميس: "ثمة حاجة الآن إلى جهود عاجلة لتأمين ولو قطرة إضافية واحدة من النفط الخام، واستكشاف مسارات إمداد مستقرة".

من جهته، دعا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الاتحاد الأوروبي إلى تعليق العقوبات المفروضة على واردات الطاقة الروسية حتى تستقر الأسعار في أنحاء القارة.

وكان البيت الأبيض وضع، حتى الآن، مهلة زمنية لتخفيف العقوبات، لكن محدودية الحركة عبر مضيق هرمز قد تجعل هذه المسألة شأنا أطول أمدا، بما يعني بقاء النفط الروسي مطلوبا في السوق.

كلما أنفقت الولايات المتحدة مزيدا من المال والسلاح في إيران، تضاءلت شهيتها إلى مواصلة دعم أوكرانيا

وفي مثل هذا السيناريو، قال جورج فولوشين، محلل طاقة مستقل مقيم في باريس، إن "المستوردين الكبار، مثل الهند، قد يشعرون بأنه لا خيار أمامهم سوى مواصلة شراء النفط الروسي اتقاء لانهيار اقتصادي داخلي".

غير أن طموح روسيا لا يقتصر على أوكرانيا. فمنذ سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا سيما مع صعود فلاديمير بوتين، لم تنفك موسكو عن العمل على إعادة اعتبارها لا قوة مهيمنة إقليميا فحسب، بل قوة عظمى عالمية أيضا. وفي هذا السياق، تأتي الحرب في إيران، بعد وقت قصير من إطاحة نيكولاس مادورو في فنزويلا وفرض حصار طاقوي على كوبا، وهما حليفان رئيسان لروسيا في النصف الغربي من الكرة الأرضية. وبذلك، تتشكل حلقة جديدة في سلسلة أزمات تبدو فيها موسكو إما غير راغبة في التدخل الفعلي وإما عاجزة عنه.

رويترز
سفينة تابعة للبحرية الفرنسية قرب ناقلة النفط "غرينش"، التي اعترضتها فرنسا في البحر المتوسط للاشتباه في تشغيلها تحت علم مزيف وانتمائها إلى الأسطول الروسي السري الذي يمكّن روسيا من تصدير النفط رغم العقوبات، فرنسا في 25 يناير 2026

وبالنظر خصوصا إلى البيان الشديد اللهجة الذي أصدرته الحكومة الروسية في اليوم الأول للضربات، لا يسع دول المنطقة إلا أن تلاحظ أن الكرملين لم ينجح في ردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن التحرك معا وفق ما تشاءان. وقد يفاجئ هذا الإيرانيين قبل غيرهم، في ضوء ما قدمته حكومتهم من دعم عسكري لروسيا خلال حربها في أوكرانيا على مدى السنوات الأربع الماضية. كذلك ستتابع أرمينيا وجورجيا المشهد عن كثب، وكلتاهما لا تزال تسعى إلى تسويات نهائية لنزاعات محلية كان لروسيا فيها، في السابق، دور سياسي وعسكري كبير.

وخلال السنوات الأخيرة، كانت صيغة التعاون المعروفة باسم "3+3" تكتسب زخما متزايدا، إذ تجمع بين الدول الصغيرة، أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، والقوى الإقليمية، روسيا وإيران وتركيا. أما اليوم، فإن مستقبل هذه المعادلة بات موضع تساؤل، وليس فقط لأن مستقبل إيران نفسه يلفه الغموض، فالأمر يتوقف على الكيفية التي سيدير بها الكرملين أوراقه في الأسابيع المقبلة، وقد تتصاعد أرقامه في الخزانة، فيما يتراجع عدد الدول التي تنظر إليه شريكا استراتيجيا موثوقا به.

font change

مقالات ذات صلة