الصين تحاول كسر السرديات الأميركية بشأن تايوان

يشير اجتماع مهم مع المعارضة التايوانية إلى نموذج مختلف للاستقرار في جانبي المضيق

(رويترز)
(رويترز)
شاشة عملاقة في بكين تعرض تقارير عن مناورات الصين العسكرية حول تايوان، 30 ديسمبر 2025

الصين تحاول كسر السرديات الأميركية بشأن تايوان

تقود تشنغ لي ون، رئيسة حزب "الكومينتانغ" المعارض في تايوان، وفدا إلى الصين بين 7 و12 أبريل/نيسان. وتعد هذه أول زيارة من نوعها تقوم بها رئيسة حزب "الكومينتانغ" خلال عقد، ومن المتوقع أن تلتقي تشنغ الزعيم الصيني شي جينبينغ. وكان "الكومينتانغ" في الأصل الحزب الحاكم في ظل دكتاتورية تايوان، وعدوا شرسا لـ"الحزب الشيوعي الصيني"، لكنه أصبح أكثر تقاربا مع "الحزب الشيوعي"، مقارنة بـ"الحزب الديمقراطي التقدمي" الحاكم حاليا في تايوان.

افترض كثيرون أن رحلة تشنغ لن تأتي إلا بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين. لكن بعد تأجيل رحلة ترمب، قدمت بكين موعد زيارة تشنغ. في الظاهر، يفصل هذا بين الحدثين ويعزز ادعاء بكين أن تايوان مسألة داخلية تخص الصين وحدها. لكن بكين تأمل بوضوح في توظيف رحلة تشنغ، ولا سيما احتمال عقد لقاء بين شي وتشنغ، للتأثير في بعض افتراضات ترمب بشأن تايوان، وربما تغييرها.

وما تطعن فيه بكين فعلا هو من يملك حق تعريف "السلام والاستقرار" في مضيق تايوان، وما الذي يصنعهما فعلا.

وكثيرا ما يوصف المضيق بأنه أحد أخطر بؤر الاشتعال في العالم. فقد أجرت الصين مرارا مناورات عسكرية حول تايوان، وبدا التوتر في أوقات عدة شديدا. ومع ذلك، ظل المضيق، على العموم، مستقرا. وتفسر واشنطن و"الحزب الديمقراطي التقدمي" هذا الاستقرار بالطريقة نفسها، إذ تقولان إن السلام يأتي من الردع، وإن الاستقرار ينتج من القوة. ووفق هذه السردية، فهو حصيلة الردع العسكري الأميركي في مواجهة بكين، وقدرة تايوان المتنامية تدريجيا على الدفاع عن نفسها.

(أ.ف.ب)
تشنغ لي ون تصافح الزعيم الصيني شي جينبينغ في قاعة الشعب الكبرى ببكين، مع تأكيده على تقارب ضفتي المضيق، 10 أبريل 2026

وينعكس هذا في السياسات. فقد دعت استراتيجية الأمن القومي الأميركية في العام الماضي إلى ردع أقوى للصين على امتداد "سلسلة الجزر الأولى"، التي تعد تايوان جزءا أساسيا منها. كما تربط مذكرة تبرير ميزانية وزارة الخارجية للسنة المالية 2026، بصورة مباشرة، بين تعزيز قدرة تايوان على الدفاع عن نفسها، وتقوية الردع عبر المضيق، والحفاظ على السلام والاستقرار في مضيق تايوان.

بكين تطعن بأي محاولة لفرض من يملك حق تعريف "السلام والاستقرار" في مضيق تايوان ومن الذي يصنعهما فعلا

وردد الرئيس التايواني لاي تشينغ تي وإدارته المنطق نفسه تحت شعار "السعي إلى السلام عبر القوة"، وربطا زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود بالسلام عبر المضيق. وكان ترمب وقّع في وقت سابق ما وصف بأنه أكبر حزمة أسلحة أميركية لتايوان على الإطلاق، فيما تفيد تقارير بأن حزمة أخرى أكبر قيد الدراسة. كما تراجع الهيئة التشريعية في تايوان ميزانية دفاع خاصة بقيمة 40 مليار دولار.

وتهدف دعوة بكين لتشنغ إلى كسر هذه السردية الأميركية-التايوانية، واستعادة حقها في تقديم تفسيرها الخاص لما يقوم عليه السلام والاستقرار في المضيق. وقد وصفت الدعوة، التي صدرت باسم شي، رحلة تشنغ بأنها تهدف إلى "دفع العلاقات بين (الحزب الشيوعي) وحزب (الكومينتانغ)، وكذلك العلاقات عبر المضيق، نحو مسار سلمي".

وفي مؤتمر صحافي عقده مكتب شؤون تايوان في بكين في 1 أبريل/نيسان، طرحت الفكرة بصورة أكثر مباشرة، إذ قال إن السلام والتنمية والتبادل والتعاون هي التطلعات الغالبة في المجتمع التايواني، وإن المضيق يمكن أن يبقى سلميا ومستقرا ما دام الالتزام بتوافق عام 1992 قائما وما دامت معارضة "استقلال تايوان" مستمرة، وإلا فإن التوتر والاضطراب سيلحقان بذلك. ويشير توافق عام 1992 إلى اجتماع بين "الكومينتانغ"، الذي كان يحكم آنذاك، و"الحزب الشيوعي الصيني"، وقيل إنه أفضى إلى اتفاق عام، غير أن معناه، على الطريقة المعتادة في العلاقات عبر المضيق، موضع خلاف شديد.

(رويترز)
إنزال علم تايوان خلال مراسم يومية في تايبيه، بالتزامن مع مناورات صينية حول الجزيرة، 30 ديسمبر 2025

وفي هذه الحالة، يبقى التفسير الحاسم هو تفسير بكين، التي تزعم أن الجانبين اتفقا على وجود "صين واحدة"، وأن الصين هي جمهورية الصين الشعبية. أما "الكومينتانغ"، فيقر بوجود "تفسيرات مختلفة" لمفهوم "الصين الواحدة". لكن قوة هذا الطرح لا تكمن في الترويج الروتيني لتوافق عام 1992، بل في محاولته نقل التفسير المركزي للسلام والاستقرار بعيدا من مبيعات السلاح الأميركية والردع، وإعادته إلى الأساس السياسي الداخلي للعلاقات عبر المضيق. فالسلام، وفق ما تدعيه بكين، ليس شيئا تمنحه واشنطن، والاستقرار ليس شيئا تستطيع تايوان شراءه بالأسلحة.

السلام والتنمية والتبادل والتعاون هي التطلعات الغالبة في المجتمع التايواني

مكتب شؤون تايوان في بكين

وأول ما سيعيد لقاء بين شي وتشنغ تشكيله ليس العلاقات الأميركية الصينية، بل المنافسة السياسية داخل تايوان بشأن من يملك حق ادعاء حمل راية السلام. فعلى مدى سنوات، روج "الحزب الديمقراطي التقدمي" والولايات المتحدة معادلة بسيطة مفادها أن مزيدا من مشتريات السلاح، واستعدادا أقوى، وتعاونا أمنيا أعمق بين الولايات المتحدة وتايوان، هي الضمانة الوحيدة للاستقرار. وتطرح رحلة تشنغ معادلة منافسة تقول إن الاعتراف بتوافق عام 1992، واستئناف الحوار، والامتناع عن الدفع نحو الاستقلال، يمكن أن يحافظ أيضا على السلام. وقد لا يقنع هذا معظم التايوانيين فورا، لكنه يكسر احتكار سردية السلاح والردع.

ورددت تشنغ هذا الطرح. قبل مغادرتها، قائلة إن الرحلة يمكنها تشكيل خطوة أولى نحو السلام والاستقرار في جانبي المضيق، مشددة على أنه "بسبب توافق عام 1992، نستطيع صنع السلام"، وأنها تريد أن تبين لتايوان وللعالم أن الحرب بين الجانبين ليست قدرا محتوما.

وتتوازى رسالتها على نحو وثيق مع رسالة بكين. فكلتاهما تحددان مصدر السلام والاستقرار في أساس سياسي مشترك، بدلا من الردع الخارجي. لكن الاختلاف يكمن في الغاية. فبكين تريد دفع إطار أوسع مناهض للاستقلال ومؤيد للوحدة، بينما تريد تشنغ أن تستعيد لحزب "الكومينتانغ" حق القول إنه قادر أيضا على إدارة المخاطر عبر المضيق.

(رويترز)
منظومة "هيمارس" الصاروخية الأميركية خلال مناورات عسكرية في تايتشونغ بتايوان، 27 يناير 2026

وتعرض بكين مشهدا ملموسا أمام العالم الخارجي: قبل أن يصل ترمب إلى الصين، وقبل أن تتخذ واشنطن أي خطوة جديدة تتعلق بتايوان في هذه الأثناء، يستطيع طرفا المضيق استئناف تواصل سياسي رفيع المستوى ضمن إطار توافق عام 1992، من دون أي حاجة إلى تدخل خارجي. ويظهر هذا، في الحد الأدنى، أن التواصل وخفض التصعيد أمران ممكنان. ورسالة بكين إلى واشنطن بسيطة: حتى من دون مبيعات سلاح أميركية جديدة أو إشارات ردع إضافية، لم ينحدر المضيق إلى الفوضى.

الرحلة إلى بكين يمكنها تشكيل خطوة أولى نحو السلام والاستقرار في جانبي المضيق، ونريد إظهار أن الحرب بين الجانبين ليست قدرا محتوما

تشنغ لي ون، رئيسة حزب "الكومينتانغ" المعارض في تايوان

ولا يعني هذا أن الردع العسكري الأميركي لا يؤثر في حسابات الصين. لكن ما تريد بكين إظهاره هو أن الردع لا يقدم التفسير الحاسم للسلام والاستقرار في المضيق. فقد يؤثر الضغط العسكري في تقدير بكين للمخاطر، لكنه لا يستطيع وحده بناء ثقة سياسية عبر المضيق. وقد تعزز مبيعات السلاح دفاعات تايوان، لكنها لا تستطيع أن تحل محل آلية سياسية للتواصل.

وهذا هو الفارق الذي تريد بكين إبرازه إلى الواجهة. فقد تواصل واشنطن وتايبيه القول إن الردع مفيد، لكن السلام والاستقرار الحقيقيين لا ينبعان فعليا من الردع. وما دامت السلطات في تايوان ترفض الاعتراف بتوافق عام 1992، فلن تنتج أي كمية من السلاح الأميركي استقرارا حقيقيا. وفي أفضل الأحوال، يمكن أن يحافظ هذا على توازن هش، لا على نوع الاستقرار الذي تحاول بكين إظهاره، أي الاستقرار القائم على التواصل، وخفض التصعيد، وإمكان احتوائه.

ويوضح هذا أيضا لماذا سعت بكين إلى نزع الطابع الأميركي عن تناولها العلني لرحلة تشنغ. فقد عرضت وسائل الإعلام الرسمية الصينية ومكتب شؤون تايوان الرحلة على أنها مسألة تتعلق بعلاقات "الكومينتانغ" بـ"الحزب الشيوعي"، وبالعلاقات عبر المضيق، وبالرأي العام الغالب في تايوان، لا بوصفها مسارا جانبيا في تنافس الولايات المتحدة والصين. بل شدد مسؤولون على أن شؤون المضيق "مسألة عائلية" تخص الصينيين على الجانبين.

(أ.ف.ب)
سفينة صينية قرب جزيرة بينغتان قبالة تايوان، مع تنفيذ مناورات بالذخيرة الحية، 29 ديسمبر 2025

ولا تتوقع بكين أن يدفع هذا الطرح ترمب إلى تقليص مبيعات السلاح أو إلى تعديل جوهري في سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان. لكن هدفها الأكثر واقعية هو أن يجعله يرى أن لاي ومعسكر المؤيدين للاستقلال لا يمثلان كل تايوان، وأن هناك قوة سياسية مهمة على الجزيرة مستعدة لمعارضة الاستقلال الرسمي، والانخراط في الحوار، ودعم التطور السلمي للعلاقات عبر المضيق.

ومن غير المرجح أن يقبل المجتمع التايواني هذه الحجة بالكامل، وكذلك واشنطن على الأرجح. لكن بعدما تثبت بكين موقفها عبر تواصل رفيع المستوى حقيقي، لا عبر شعارات فقط، يصبح من الأصعب على الولايات المتحدة الإصرار على أن السلام والاستقرار في مضيق تايوان يحددهما حصرا ما تطرحه واشنطن، وأن تفسيرهما يقوم فقط على الردع الأميركي.

font change

مقالات ذات صلة