تلاحقت الأحداث بسرعة كبيرة عقب الاجتماع الذي عُقد هذا الأسبوع في واشنطن بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي لدى الولايات المتحدة في مقر الوزارة في "فوغي بوتوم". وترأس وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذه المحادثات التاريخية التي هدفت إلى تمهيد الطريق أمام مفاوضات مباشرة مستقبلية بين البلدين.
وبعد وقت قصير من الاجتماع، أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتصالين بالرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وحثهما على الموافقة على وقف لإطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" لمدة عشرة أيام. وتعهد بدعوة الزعيمين إلى البيت الأبيض لإجراء "أول محادثات ذات معنى بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983".
ويستعيد اتفاق وقف إطلاق النار، الذي كُشف عن مضمونه، في كثير من عناصره الاتفاق الذي أُبرم عام 2024، وينسجم مع قراري مجلس الأمن الدولي 1701 و1559، اللذين يدعوان إلى نزع سلاح "حزب الله" وسائر الميليشيات المسلحة العاملة في لبنان.
ولكن، كما في الاتفاق السابق، سيكون من العسير على الحكومة اللبنانية أن تنفذ هذا الوقف لإطلاق النار تنفيذا كاملا في المدى القريب. غير أن بيروت لا تملك ترف التردد، وعليها أن تبرهن على التزامها بالمضي، في نهاية المطاف، نحو نزع سلاح "حزب الله"، بعدما جر البلاد إلى حرب مدمرة جديدة مع إسرائيل خدمة لرعاته في طهران، وعرّض السلم الأهلي للخطر.
ولا يتوقع أي سياسي في إسرائيل، حتى أكثرهم تشددا، أن تتمكن الحكومة اللبنانية من نزع سلاح "حزب الله" في أقل من عشرة أيام، في حين أخفقت حكومات سابقة، بما فيها إسرائيل نفسها، في تحقيق هذا الهدف. ومع ذلك، لا بد من وجود تصور لبناني واضح لهذه الغاية، حتى وإن نُفذ على مراحل. فالمسألة تتصل بمصلحة لبنان قبل أي شيء آخر، إذا كان يريد أن يتحرر من التدخل الإيراني وأن يشق طريقا نحو استقلال قراره.
ويحفل وقف إطلاق النار الحالي بالألغام السياسية والأمنية، ويعكس اختلال ميزان القوى بين إسرائيل ولبنان لمصلحة الأولى بصورة واضحة. لكنه يقر أيضا بالطبيعة الشاذة للعلاقة بين البلدين. فلبنان وإسرائيل ليسا في حالة حرب مباشرة، وإنما هناك تنظيم مسلح داخل لبنان- لا تملك الحكومة اللبنانية سيطرة تذكر عليه- يخوض الحرب مع إسرائيل.
أولا، جاءت الصياغة المتعلقة باحتمال استخدام إسرائيل للقوة فضفاضة ومائلة لمصلحتها، إذ تتيح لها توجيه ضربات داخل لبنان كلما "شعرت" بأنها مهددة. وقد تُستثنى بيروت من ذلك، إلا أن الاتفاق يمنح إسرائيل هامشا واسعا لضرب "حزب الله" تحت عنوان "الدفاع عن النفس"، وهو أمر يرجح أن يدفع "الحزب" إلى الرد، وأن يفتح الباب أمام استئناف الأعمال العدائية بين الطرفين.

