العالم يتحمل كلفة حرب أميركا

الصراع مع إيران يضر بمحافظ الأميركيين... لكنه أشد تدميرا بكثير على الناس في الجنوب العالمي

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
انتظار لشراء أسطوانات غاز الطهي في نويدا بالهند وسط اضطرابات مستمرة في واردات النفط والغاز بسبب الحرب، 2 أبريل 2026

العالم يتحمل كلفة حرب أميركا

لا يكاد يختلف اثنان على أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تفرض تكاليف اقتصادية على الأميركيين. ارتفعت أسعار الوقود في محطات التعبئة بأكثر من الثلث منذ اندلاع الحرب، ويتوقع اقتصاديون ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو. وبحسب استطلاع حديث أجرته "إبسوس"، يعارض ستة من كل عشرة أميركيين هذا الصراع، وترى أغلبية أن العمل العسكري الأميركي في إيران سيؤثر سلبا في أوضاعهم المالية الشخصية. ولا يعتقد سوى واحد في المئة أن للحرب أثرا إيجابيا على أوضاعهم المالية الشخصية، فيما يرى أقل من ربع الأميركيين المشمولين بالاستطلاع أن الصراع كان يستحق ذلك. فلماذا إذن لا يعبر الأميركيون عن غضب أكبر من الحرب عبر الاحتجاجات؟

ثمة عدة إجابات محتملة. فاستطلاع "إبسوس" نفسه يظهر أن 44 في المئة من الأميركيين لم يسمعوا عن الصراع إلا "قليلا"، وأن 7 في المئة "لم يسمعوا عنه إطلاقا"، ما يوحي إما بفتور الاهتمام بالشؤون العالمية أو بمحدودية الأثر الشخصي والمالي. كما أظهر استطلاع حديث آخر أجرته "غالوب" أن الأميركيين يقلقون بشأن الرعاية الصحية أكثر من قلقهم بشأن الاقتصاد. ودخلت الولايات المتحدة الحرب أيضا وهي تمتلك مزايا استثنائية، إذ أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي في العالم، وتعيش سوق أسهمها ازدهارا تقوده الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كما تستفيد وارداتها من قوة الدولار.

أما بالنسبة لمعظم البلدان الأخرى، فتتحول كل ميزة لدى واشنطن إلى نقطة ضعف عند الآخرين. إذ يظهر استطلاع أجري في ست دول من الجنوب العالمي وعياً بنسبة 100 في المئة بالصراع، مع قول سبعة من كل عشرة مشاركين إنهم "قلقون للغاية" بشأن تكاليف المعيشة. ويمكن تفسير هذه الحساسية المتزايدة تجاه أحداث الخليج جزئيا بحقيقة أن غالبية دول العالم، البالغ عددها قرابة 200 دولة، مستوردة صافية للطاقة، بخلاف الولايات المتحدة. وتستحوذ آسيا على نحو 40 في المئة من الطلب العالمي على الطاقة، ما يجعل دولها شديدة التأثر بصدمات الأسعار.

(أ.ف.ب)
اصطفاف في محطة وقود بمدينة كراتشي مع ارتفاع أسعار البنزين بعد اضطراب أسواق الطاقة العالمية نتيجة الحرب، 3 أبريل 2026

وغالبا ما تفتقر الاقتصادات النامية إلى الحيز المالي الذي يتيح دعم الطاقة لمواطنيها، الذين يكسبون، في كل الأحوال، أقل بكثير مما يكسبه الأميركيون، ويتحملون بصورة غير متناسبة وطأة ارتفاع أسعار الطاقة. وإضافة إلى ذلك، وكما تساعد قوة الدولار المستوردين الأميركيين، فإنها تضر الدول التي تضطر إلى دفع مزيد من الروبيات أو البيسوات لشراء السلع المتداولة بالدولار الأميركي. وأخيرا، فإن المكاسب التي تنتجها طفرة الذكاء الاصطناعي تجني ثمارها أساسا الشركات الأميركية ومساهموها، إذ إن ما يسمى "العظماء السبعة"، التي تشمل "ألفابت" و"أمازون" و"آبل" و"ميتا" و"مايكروسوفت" و"إنفيديا" و"تسلا"، جميعها شركات أميركية.

44 في المئة من الأميركيين لم يسمعوا عن الحرب في إيران إلا قليلا، و7 في المئة لم يسمعوا عنها إطلاقا

وعادة ما تكون اقتصادات الخليج الغنية بالنفط في وضع ملائم نسبيا لمواجهة صدمة اقتصادية عالمية، لكنها، بطبيعة الحال، غارقة بصورة خاصة في الصراع الحالي. وعلى النقيض من ذلك، تتمتع الولايات المتحدة بميزة جغرافية، إذ لا يجاورها خصوم. وبمجموعها، تعني مزايا واشنطن الفريدة أن مواطنيها عانوا حتى الآن أقل من معظم الناس حول العالم.

حازت باكستان عناوين الأخبار بسبب وساطتها في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، لكن ما حظي بقدر أقل من الاهتمام هو مدى حاجة إسلام آباد إلى توقف الحرب. تستورد باكستان 80 في المئة من طاقتها من الخليج. ودفع الصراع في الشرق الأوسط أسعار البنزين والديزل في باكستان إلى مستويات قياسية. ونتيجة لذلك، اعتمدت إسلام آباد أسبوع عمل من أربعة أيام لمكاتب الحكومة، وأمرت نصف موظفيها الاتحاديين بالعمل من المنزل، وأغلقت المدارس لمدة أسبوعين، وطلبت من الوزراء التخلي عن راتب شهرين. وفي الأثناء، اضطرت باكستان إلى التوجه للسعودية لطلب حزمة إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار، في وقت تكافح فيه لسداد التزامات الدين والوفاء بتعهداتها المتعلقة بالسيولة تجاه صندوق النقد الدولي.

تنعكس متاعب باكستان على امتداد جنوب آسيا. فقد فرضت بنغلاديش، التي تستورد 95 في المئة من احتياجاتها من الطاقة ولا تمتلك احتياطيات تكفي لأكثر من شهر، قيودا يومية على مبيعات الوقود وسط موجة شراء بدافع الذعر. وأغلقت دكا الجامعات، وأمرت مراكز التسوق بالإغلاق بحلول الساعة الثامنة مساء. وارتفعت الأسعار المحلية لغاز البترول المسال، الذي يستخدم على نطاق واسع من الطهي إلى تشغيل عربات الركشة، بنحو النصف تقريبا منذ بدء الصراع. ولعامل في قطاع الملابس يتقاضى ما يعادل 4 دولارات يوميا، فإن زيادة بنسبة 50 في المئة في سعر غاز الطهي تعني تضحيات يومية موجعة.

(رويترز)
مركبات تتزود بالوقود في دكا وسط تزايد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة على خلفية الحرب، 6 أبريل 2026

وسلكت سريلانكا أيضا طريق أسبوع العمل من أربعة أيام. وفي نيبال، دفعت اضطرابات النقل أسعار الأرز والخضراوات إلى الارتفاع في بلد تنفق فيه الأسر الريفية أصلا أكثر من نصف دخلها على الغذاء. وحتى بوتان، التي تصف نفسها بأنها أسعد دولة في العالم، تشهد طوابير طويلة أمام محطات الوقود.

في نيبال، ارتفعت أسعار الأرز والخضراوات في بلد تنفق فيه الأسر الريفية أكثر من نصف دخلها على الغذاء

أما الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم وسادس أكبر اقتصاد، فلديها هامش أوسع للمناورة مقارنة بجيرانها. وقبيل انتخابات الولايات هذا الشهر، خفضت نيودلهي الضرائب على البنزين والديزل لحماية المستهلكين من قفزة الأسعار، متحملة عبئا إضافيا على ميزانيتها الوطنية. ومع ذلك، تأثر سكان البلاد البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة بعمق بتداعيات الصراع. وتستورد الهند 90 في المئة من غاز البترول المسال من الخليج، ودفع النقص في الإمدادات مطاعم في أنحاء البلاد إلى ترشيد الاستهلاك وتقليص نشاطها. وهبط المؤشر القياسي لسوق الأسهم بنسبة 8 في المئة منذ بداية العام، ويتوقع أن ينخفض الناتج الاقتصادي بنحو نقطة مئوية بسبب الصراع. كما تستورد الهند ربع احتياجاتها من الأسمدة من الشرق الأوسط، ما يثير احتمال أزمة غذاء في اقتصاد لا يزال إلى حد كبير زراعيا.

والمشهد مشابه في أنحاء آسيا، التي تشتري أربعة أخماس النفط الخام والغاز الطبيعي اللذين يعبران مضيق هرمز. فأعلنت الفلبين حالة طوارئ وطنية للطاقة في 24 مارس/آذار. وأمرت تايلاند الموظفين المدنيين بالعمل من المنزل، وحثت الجمهور على تقاسم السيارات وترشيد استهلاك الكهرباء. ووجهت فيتنام، أحد أسرع الاقتصادات نموا في آسيا، شركات طيرانها إلى خفض عدد الرحلات في مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات. كما أن صعود أسعار الأسمدة يأتي في أسوأ توقيت ممكن لمنطقة توشك على بدء موسم الزراعة، وتواجه أيضا موجة حر تاريخية.

(أ.ف.ب)
حرفي بنغلاديشي ينسج قماش الساري التقليدي في تانغايل وسط تحذيرات من تراجع هذه الحرفة التاريخية بسبب الأتمتة والضغوط الاقتصادية، 2 مارس 2026

ولا تسلم الاقتصادات الأغنى من ألم الصراع. فحين أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس الأسبوع الماضي حزمة دعم لأسعار الوقود بقيمة 1.9 مليار دولار، قال إن بلاده ستشعر بالأثر "لفترة طويلة مقبلة". وتفيد تقارير بأن برلين تخفض توقعاتها للنمو لعام 2026 إلى النصف. واستدعت أيرلندا- وهي من أكثر دول الاتحاد الأوروبي كلفة للعيش- الجيش في وقت سابق من هذا الشهر لإنهاء احتجاجات واسعة على ارتفاع أسعار الوقود. أما البنك المركزي الأوروبي، الذي كان يستعد لخفض أسعار الفائدة في مارس/آذار، فرفع بدلا من ذلك توقعاته للتضخم وخفض تقديراته لنمو منطقة اليورو.

صعود أسعار الأسمدة يأتي في أسوأ توقيت ممكن لمنطقة آسيا التي توشك على بدء موسم الزراعة، وتواجه أيضا موجة حر تاريخية

ويمكن أن تكون أوروبا أقدر على تحمل المتاعب الاقتصادية من كثير من دول الجنوب العالمي، إلا أن القارة لا تزال تتعافى من الصدمة العميقة في أسواق الطاقة عام 2022، عندما شنت روسيا حربها الشاملة على أوكرانيا. وشهد الاتحاد الأوروبي، الذي يعتمد على الغاز الطبيعي لتأمين خُمس احتياجاته من الطاقة، ارتفاع الأسعار المرجعية بأكثر من 70 في المئة بعد اندلاع حرب إيران. وصارت منشآت تخزين الغاز في المنطقة الآن عند أدنى مستوى لها منذ 2022. وسيتعين على أوروبا دفع سعر سوق مرتفع لملء المخزونات قبل حلول الشتاء.

وتتحمل الدول كلفة الحروب بطرق مختلفة. فالمواطنون في البلدان ذات مستويات الدخل الأدنى والاحتياطيات الشحيحة والعملات الضعيفة يدفعون الثمن بأقسى صورة. أما الدول الأثرى فغالبا ما تتلقى الضربة بأقل حدة. لكن حتى لو تخيل المستهلكون الأميركيون أنهم محصنون نسبيا، فإنهم سيكونون مخطئين في ذلك، في نهاية المطاف.

وقد قدم صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي مؤشرا باعثا على القلق، إذ بات يقدر، في أكثر سيناريوهاته تشاؤما، أن النمو العالمي قد يهبط إلى 2 في المئة هذا العام والعام المقبل. ويقول الصندوق إن ذلك لم يحدث سوى أربع مرات منذ عام 1980. ولا بد أن يرتد ركود عالمي، في نهاية المطاف، ليصيب الشركات الأميركية. فبحسب ما أفادت "نيويورك تايمز"، تضاعف سعر الخيط في بنغلاديش بالفعل لأن البوليستر والنايلون مشتقان من النفط. وهذا يعني أن شركات مثل "زارا" و"يونيكلو" ستضطر قريبا إلى تمرير التكاليف من مراكزها في آسيا إلى متاجرها في الولايات المتحدة. ولم يحدث ذلك بعد، لكن سلاسل الإمداد لا تتأخر في نقل الأثر. ومن الهيليوم إلى الكبريت إلى التنغستن، فإن مكونات أساسية تدخل في تصنيع أشباه الموصلات والأسمدة والذخائر عالقة في الحصار المفروض على مضيق هرمز.

(أ.ف.ب)
بائع ماء جوز الهند ينتظر الزبائن في فاراناسي خلال يوم صيفي حار، 18 أبريل 2026

وثانيا، هناك التكاليف الأكثر مباشرة للحرب. إذ تقدر خبيرة الاقتصاد في جامعة هارفارد ليندا بيلمز أن الصراع قد يكلف دافع الضرائب الأميركي، في نهاية المطاف، تريليون دولار. ورفض البيت الأبيض تقديم تقدير، لكنه طلب من الكونغرس إقرار 1.5 تريليون دولار للدفاع العام المقبل، بزيادة قدرها 40 في المئة.

صندوق النقد الدولي يقدر أن النمو العالمي قد يهبط إلى 2 في المئة هذا العام والعام المقبل. ويقول إن ذلك لم يحدث سوى أربع مرات منذ عام 1980

وتعد ميزة الولايات المتحدة في مجال الطاقة ظاهرة حديثة نسبيا. فمنذ عام 2003، حين غزت واشنطن العراق، وسعت الولايات المتحدة إنتاجها من النفط الخام بنسبة 130 في المئة، إلى حد كبير لأنها اكتشفت كيفية استخراج النفط من الصخر الزيتي. كما دفع هذا الابتكار إنتاج الغاز الطبيعي بقوة، وهو ما يغذي الآن ثلث احتياجات البلاد من الطاقة. وتمنح هيمنة أميركا في الغاز الطبيعي البلاد أفضلية غير مسبوقة على اقتصادات أخرى. ولا شك أن ذلك شكل الطريقة التي يفكر بها البيت الأبيض في كلفة بدء الحروب.

ومع ذلك، فإن هذه الميزة في الطاقة لا تجعل الولايات المتحدة بمنأى عن حقيقة الترابط الذي بلغه العالم. وسيكون خطأ أن يركز البيت الأبيض على تفوقه في الطاقة وحده، ويتناسى أنه يتأخر عن الصين في المعادن الحيوية، وأنه يعتمد على سوق عالمية معقدة لمئات العناصر الأخرى الضرورية للحياة اليومية في الولايات المتحدة.

(رويترز)
شرطي يطلق قنبلة غاز مسيل للدموع لتفريق احتجاج في كراتشي ضد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، 1 مارس 2026

ويتأثر البيت الأبيض أيضا على نحو عميق بالمزاج السياسي. فمن الواضح أن ترمب يقلق بشأن السعر العالمي للنفط، فالأميركيون يعشقون قيادة السيارات في نهاية الأمر. ويرى الرئيس أيضا أن سوق الأسهم مقياس لصحة الاقتصاد، وإن لم يكن كذلك تماما. وربما لهذا السبب دأب ترمب على طمأنة المستثمرين مرارا بأن أسعار النفط ستنخفض أو أن الحرب ستنتهي قريبا. لكن حتى ترمب يعرف أن لطهران كلمة. فكلما طال إغلاق إيران لمضيق هرمز، زادت احتمالات ارتفاع الأسعار بما يعكس الواقع، وأن يصل مزيد من الألم إلى المستهلك الأميركي. فإلى أي مدى سيتعين على بقية العالم أن يتحمل ذلك؟

font change

مقالات ذات صلة