رصد الناقد والمنظّر السينمائي المجري بيلا بالاش، في فصل ضمن كتابه "نظرية السينما"، فلسفة اللقطة المقربة في السينما، منطلقا من أهمية العين السينمائية نفسها /الكاميرا وقدرتها على الاقتراب من أدق تفاصيل الوجه مما قد يبرز دمعة أو إحمرار خدين، وهو ما لا يلحظ في الحياة العادية أو المسرح حتى، الذي توصف فيه عين الممثل بأنها "زجاجية" أي أنها ليست مهمة على الإطلاق، مقارنة بالأداء الحركي أو الصوت. تطرق بالاش الى وجوه الممثلين في السينما الكلاسيكية تحديدا، ما قبل دخول الصوت، مركزا على وجوه التعبيرية الألمانية التي غلبت عليها الحدة مع تفاصيل وجه وقسمات واضحة تعطي إحساسا أوليا بالشر.
وتبعا لما صكه بالاش في منجزه، نرى الفيلسوف والمنظّر الفرنسي جيل دولوز يسير على وتيرة مشابهة في تحليله للقطة المقربة في السينما، تحديدا "اللقطة المقربة للوجه" مرة أخرى، بقصد لفت النظر الى جمالية الوجه مستقلا بذاته عن كل شيء مكتسبا أبعادا جديدة، رؤى ودلالات مختلفة في كل مرة.
بين غريفيث وأيزنشتين والتعبيرية الألمانية
في كتابه "فلسفة الصورة: الصورة – الحركة"، يفتتح دولوز الفصل السادس بهذه الجملة: "الصورة- العاطفة هي لقطة قريبة، واللقطة القريبة هي الوجه"، مبتعدا عن طرح بالاش بأن الوجه هو مجرد تعبير وانعكاس لروح الشخصية، فهو أولا ليس ذاتا جزئية، إنما هو الكل والموضوع، ويتضح ذلك بشكل كبير عندما نرى لقطة مقربة للوجه كاملا معزولا عن ما حوله، هنا يرى دولوز أنه يكتسب روحا خاصة، ذاتية ومستقلة، تعيش في تلك اللحظة خارج المكان والزمان، لذلك وبتعبير دولوز "نحن ننسى حينها ما عدا الوجه".
تبعا لذلك يكون الوجه هو الفضاء نفسه، لتتمثل مكوناته في شكل الوجه، وقسماته، وتعبيراته بتدرجاتها.
قسم دولوز الوجه نوعين، هما الوجه الانعكاسي والوجه المكثف، وحينما يضرب دولوز مثلا على الوجه الانعكاسي فهو يرجع إلى أفلام المخرج الأميركي دي دبليو غريفيث، تحديدا أفلامه القصيرة الأولى، فهي أفلام تحتوي على لقطات قريبة متكررة للوجه، يصفها بأنها وجوه إنعكاسية لأنها لا تعكس سوى شعور/ عاطفة واحدة فقط، كالخوف والحب والكره والتعب. بذلك يصبح الوجه الانعكاسي معبرا عن شعور واضح مسطح، لا يعبر إلا عن نفسه في تلك اللحظة وهو أولي بالطبع، أي أنه لا يحتاج إلى لقطة مكملة مثلا ليشرح نفسه.





