الحرب الأميركية – الإيرانية... فوضى اللغة وعبث السرديات

نبدو حتى الآن أمام "حرب كلامية" طاحنة من قبل طرفي النزاع بدليل عدم رغبة أي منهما في الذهاب إلى مفاوضات سلام جادة

 أ ف ب
أ ف ب
سائقو دراجات نارية امام ملصق يُصور الرئيس الاميركي دونالد ترمب ومضيق هرمز في ساحة ولي عصر في طهران في 2 مايو

الحرب الأميركية – الإيرانية... فوضى اللغة وعبث السرديات

أزمة كبرى وحيرة أكبر يعيشهما العالم بأسره منذ 28 فبراير/شباط الماضي، أي منذ اليوم الأول الذي اندلعت فيه المواجهة الدامية والمكلفة عسكريا وأخلاقيا وإنسانيا بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى.

لا يزال العالم يقف مذهولا والبعض فيه حائر ومتردد في حسم أمره أو موقفه بين تصديق واشنطن بأنها بالفعل تتصدى لمشروع نووي إيراني يهدد مستقبل الشرق الأوسط على الأقل، رغم ادعاء الولايات المتحدة أنها قوّضت هذا المشروع، أو جزءا كبيرا منه، خلال حرب الاثني عشر يوما، التي جرت في يونيو/حزيران من العام الماضي، إلى أدنى درجاته، وبين سعي طهران إلى التظاهر بأنها تدافع عن حقها في امتلاك برنامج نووي "سلمي مدني" وذلك في وجه أعتى "تحالف إمبريالي، أميركي–إسرائيلي" يحاول سلبها الحق في هذا وتجريدها منه.

أب
فتيات ايرانيان يغنين امام لوحة كبيرة للامام الخميني والمرشد السابق علي خامنئي وخلفيته مجتبى خامنئي في طهران في 29 ابريل

صحيح أننا نشهد مواجهة مسلحة أسفرت عن مقتل وإصابة الكثير من المدنيين والعسكريين في صفوف الجانبين فضلا عن الخسائر في المقدرات المدنية في إيران ودول الخليج العربية إلا أننا لم نر حتى الآن أدلة أميركية قاطعة تبرهن على أن إيران كانت قريبة حقا من امتلاك سلاح نووي "يهدد مستقبل العالم" وفي الوقت نفسه لم تعط إيران أدلة على أن برنامجها النووي "سلمي مدني" حقا.

زاد هذا التضارب من قلق وارتباك قوى رئيسة في العالم وخشيتها من أن تتورط في اتخاذ موقف ربما يتضح لها بعده أنها كانت ضحية "تضليل" على غرار ما حدث لها عندما اكتشفت أن انضمامها في تحالف دولي ضد ما سمي مشروع "أسلحة الدمار الشامل" العراقية كان خطأ استراتيجيا فادح الكلفة.

نبدو حتى الآن أمام "حرب كلامية" طاحنة أيضا من قبل طرفي هذا النزاع بدليل عدم رغبة أي منهما في الذهاب إلى مفاوضات سلام جادة تتطلب اعترافا بالخطأ وتبادلا لتنازلات مؤلمة لإخراجهما من هذا المأزق مهما كانت فداحتها.

ما يراه مؤيدو إيران من أن طهران استطاعت بسرديتها الساذجة أن تقنع الداخل الأميركي بخسارة ترمب للحرب، فهؤلاء، دون شك، لا يعرفون قواعد اللعبة السياسية داخل مؤسسات الدولة في بلد كالولايات المتحدة

ليس هذا فحسب، بل إن كل طرف يريد فرض رؤيته وأولوياته وآلياته على طريقة التفاوض، رجل الأعمال الذي أوصلته "الأقدار" إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية يستعجل الوصول إلى "صفقة شاملة" للنزاع بينما يرغب حائك السجاد الإيراني التفاوض على رِسله حول كل قضية خلافية على حدة، ليجد الوسيط الباكستاني نفسه إزاء لغتين سياسيتين مختلفتين يصعب التقريب بينهما خلال الوقت المتاح أمامه.
 أميركياً، لا يتبنى الرئيس دونالد ترمب في نظر أغلب المراقبين خطابا سياسيا وازنا على غرار أسلافه من رؤساء الإدارات الأميركية السابقة، الجمهوريين أو الديمقراطيين، بل لغة متناقضة بين اللحظة والأخرى، مثال "قد أفعل هذا ولكني لا أتمنى أن أفعله" أو من قبيل الادعاء بأن إيران اتصلت به طالبة "المساعدة في إنقاذها من الانهيار" وغير هذا مما لا يصدقه عقل ولا يمكن أن يندرج في مجرد إطار حرب أعصاب أو ضغط نفسي وسياسي على خصومه في إيران فقط بل في "بلبلة" لحلفائه ومعارضيه على حد سواء، فالمشكلة هنا أن ترمب رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم لا يمكن الاستخفاف بأي مبالغة في أقواله ولا أخذها في الوقت نفسه على محمل الجد.
 نستمع إلى مسؤولين ومحللين في واشنطن ينتقدون ترمب بشدة، لكننا لا نرى ما يقابل هذا يحدث في طهران رغم ادعاء الرئيس الأميركي أنها تعيش انقساما بين حكومة الرئيس مسعود بيزشكيان التي تتفاوض معه و"الحرس الثوري" المتنفذ والمتحفظ على شروط وبنود هذا التفاوض.
 علناً يطلق ترمب سيلا من التصريحات التي يرى محللون أنها لا تنم عن "منهج" واضح في إدارة مجريات حربه مع طهران بل ما يشبه "شطحات" يصعب التعامل معها على علاّتها وتناقضاتها، لكنّ صحافيا عربيا أمضى سنوات من العمل كمراسل في العاصمة الأميركية ينقل عن مصادره أن ترمب "الذي نراه على الشاشات ونقرؤه في منشوراته في منصته الإعلامية الخاصة "تروث سوشيال" غير ترمب الذي يجلس في المكتب البيضاوي مجتمعا إلى كبار مساعديه ومستشاري إدارته مستمعا باهتمام إلى آرائهم وآخذا لها بعين الاعتبار".
هذا الفارق بين الصورتين يدفع كثيرين إلى محاولة التحليل النفسي لسيكولوجية هذا الرجل الثمانيني لمعرفة ما إذا كان شخصا سويا أو غير ذلك، وما إذا كان يخلد إلى النوم ساعات كافية في سريره أم لا، ذلك لأن بعض منشوراته تظهر أحيانا في أوقات يفترض أنها ساعات نومه، وتبدو كأنها "نفحات من خواطره" التي لا تتوقف وليست بيانات ومواقف رسمية يمكن البناء عليها، إلى غير ذلك من "الغرائب" التي يوحي بها الكثير من تصريحاته.

سرديات إيران


في المقابل لا تبدو روايات إيران عن الحرب أقل غرابة، إذ لا يمكن لتمارين "الإنشاء" التي يبدع فيها مؤيدو النظام الحاكم في طهران أن تسجل انتصارا بأي مقياس على الولايات المتحدة ولا سردية مقنعة للشعب الأميركي، وما يراه مؤيدو إيران من أن طهران استطاعت بسرديتها الساذجة هذه أن تقنع الداخل الأميركي بخسارة ترمب للحرب، فهؤلاء، دون شك، لا يعرفون قواعد اللعبة السياسية داخل مؤسسات الدولة في بلد كالولايات المتحدة.

السردية الإيرانية لا يمكن أن تكون مقنعة لأحد، سيما أن دول الخليج العربية أكدت مرارا، وبقناعة تامة ولاعتبارات عملية وواقعية، أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو شواطئها أو أجوائها للهجوم على إيران

تتبنى طهران الرسمية وحتى المؤيدون لها سرديات لمجريات حربها مع واشنطن وتل أبيب لا تتفق مع واقع الحال، وذلك من قبيل زعم أنها "انتصرت" في هذه المواجهة غير المتكافئة حتى وإن حققت في بعض جولاتها مكاسب عسكرية أو سياسية نسبية هنا أو هناك بحسب البعض.

 أ ف ب
ايرانية تقف قرب لوحة للمرشد مجتبى خامنئي في احد شوارع طهران في 2 مايو

بإمكان طهران أن تجد لها مجموعة من الاشخاص لترديد سردياتها على مواقع التواصل الاجتماعي ومن على شاشات بعض القنوات الفضائية العربية وحتى الغربية بل والأميركية، لكنها لا تستطيع إقناع أحد في العالم بصواب ما تفعله، بما في ذلك شعبها في إيران نفسها، فقبل أن يتم إطلاق رصاصة واحدة في هذه الحرب بأيام خرج أكثر من عشرين مليون مواطن إيراني للتظاهر في شوارع الكثير من مدن البلاد احتجاجا على سياسات النظام، فكيف يمكن أن نقبل أن كل هؤلاء أو بعضهم اقتنعوا تماما بما تروج له حكومتهم وجيشها الثوري بأنها باتت في موقع المنتصر الذي يدفع بالرئيس الأميركي للبحث عاجلا عن "مخرج من مأزقه" بأي حال من الأحوال "للحفاظ على ماء وجهه".

 معايير النصر والهزيمة


في ظل الشراسة الإعلامية لدى الطرف الأميركي والإسرائيلي والأوهام الأيديولوجية عند بعض القادة الإيرانيين تختفي الحقيقة وتتناقض مقاييس النصر والهزيمة عند الجانبين، ويبدو الجمهور وقبله أسواق النفط والبورصات وشركات الطيران والتأمين العالمية في حالة من الاضطراب وعدم اليقين والاستقرار.
استمعت خلال الأسبوعين الماضيين في لندن، بشكل مباشر خلال لقاءات وأحاديث مع عدد من المراقبين والمشتغلين بالتحليل السياسي إلى آراء لا يقال أغلبها في وسائل الإعلام، لكنني خلصت معها إلى نتيجة واحدة مؤداها أنه لا أحد قبل هذه الحرب كان يعرف أحدا "جيدا" فالولايات المتحدة– نعم- تملك قوة عسكرية ضخمة لا تقبل أن يقف أحد أمامها في إيران أو غيرها، وإيران لا تفهم الولايات المتحدة كما يجب، خصوصا وهي في حالة حرب معها بقيادة أكثر الإدارات الأميركية تطرفا وعلى رأسها ترمب ومن حوله فريق يميني متطرف مؤدلج ومتواضع الخبرة سياسيا ومهنيا وإلى جانبه بنيامين نتنياهو الذي يقود هو الآخر حكومة أكثر تطرفا وتمتلك الكثير من النفوذ والتأثير في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وغيرهما.
 ولا يقتصر سوء الفهم هذا على الطرفين الرئيسين في هذا النزاع المرير بل يشمل العرب أيضا سيما في دول الخليج العربية التي بدت كأنها فوجئت بالهجمة "الشمشونية" الإيرانية عليها، ولم تجد معها خيارا سوى الدفاع عن نفسها بإسقاط الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
الواضح أن السردية الإيرانية لا يمكن أن تكون مقنعة لأحد، سيما أن دول الخليج العربية أكدت مرارا، وبقناعة تامة ولاعتبارات عملية وواقعية، أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو شواطئها أو أجوائها للهجوم على إيران، لكن الأخيرة أثبتت أنها كانت تضمر وتخطط، مع وكلائها في العراق، منذ وقت مبكر لهجماتها تلك على دول الخليج، وهي الهجمات التي طال كثير منها منشآت مدنية لا علاقة لها بالوجود العسكري الأميركي المزعوم خلال الحرب.

الأحرى بالرئيس الأميركي وبإيران تحديدا أن يدركا أن لا مستفيد سياسيا أو عسكريا من إطالة أمد النزاع سوى نتنياهو وحكومته المتطرفة

اللافت أن تتكرر السردية الإيرانية هذه مع احتمال تعثر الوساطة الباكستانية في وضع نهاية للحرب سواء باتفاق بين واشنطن وطهران أو دون اتفاق، وتتجدد على نحو أكثر عنفا كما يهدد الرئيس الأميركي، فقائد ما يسمى "القوة الجوفضائية" في "الحرس الثوري الإيراني"، مجيد موسوي، يحذر "دولا إقليمية" من تداعيات أي تعاون عسكري مع الولايات المتحدة، ويقول إن "على جيراننا الجنوبيين- يقصد دول الخليج- أن يعلموا أنه إذا استُخدمت أراضيهم ومنشآتهم في خدمة أميركا لمهاجمة الشعب الإيراني، فعليهم أن يودعوا إنتاج النفط في الشرق الأوسط".
ولا نعلم أي نهاية ستكون للحرب الدائرة والحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية والاستعدادات العسكرية الإسرائيلية لاحتمال تجدد المواجهة، لكن الجميع يدرك أن الأمور ستمضي نحو الأسوأ حتما خصوصا إذا أخفقت وساطة إسلام آباد في جمع الخصمين الأميركي والإيراني على طاولة المفاوضات سعيا نحو التوصل إلى حل دبلوماسي لهذا الصراع الذي أخذت فوضاه الكلامية وسردياته تبعث على الملل وعدم الثقة وقبول العالم بها.
الأحرى بالرئيس الأميركي وبإيران تحديدا أن يدركا أن لا مستفيد سياسيا أو عسكريا من إطالة أمد النزاع سوى نتنياهو وحكومته المتطرفة، ويحسن بطهران أن تعي أن لا مشكلة البتة عند أي عربي في أن تكون إيران دولة مستقرة داخل حدودها ينعم شعبها بثرواته ومواده وتتمتع بالأمن والاستقرار وذات التاريخ العريق الزاخر بالعلوم والفنون والآداب الجميلة، شريطة أن يكف ساستها عن الانجرار وراء سرديات بقايا المتزمتين الذين لا يريدون لجيرانهم العرب أن يكونوا سوى ذلك النمط الذي رسمته في مخيلتهم "ملاحم وروايات" المتعصبين من أسلافهم ممن يرون ان العربي لا يجب أن تكون له حضارة ولا تكون لديه دول مستقرة لها مجتمعات متحضرة ومدن متمدنة وبنى تحتية راسخة وأبراج شاهقة وقطارات ومطارات يعبر منها عشرات الملايين من المسافرين من جميع وإلى كل جهات الأرض.

font change

مقالات ذات صلة