حبس العالم أنفاسه مع اقتراب نهاية وقف إطلاق النار الذي استمر أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. ومع تصاعد خطر عودة الحرب، وربما اتساع رقعتها، تعلقت الآمال على توصل طهران وواشنطن إلى اتفاق سلام دائم، أو على الأقل تمديد وقف إطلاق النار؛ غير أن العاصمتين، حتى فيما كان دبلوماسيون إيرانيون ونظراؤهم الأميركيون يستعدون للوصول إلى إسلام آباد في اليوم نفسه، ظلتا تبعثان إشارات متناقضة بشأن احتمال عقد جولة ثانية من المحادثات.
ثم حلّت ساعة الحسم، وتنفس العالم الصعداء.
فعلى الرغم من أن المحادثات لم تنعقد، فإن الحرب لم تستأنف كذلك. ومع اقتراب معدلات تأييد دونالد ترمب من أدنى مستوياتها، واقتراب انتخابات التجديد النصفي، قبل الرئيس الأميركي المخرج الذي قدمته باكستان، فمدد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى. وفي محاولة يائسة لحفظ ماء الوجه، مضى ترمب إلى حد القول إن الحكومة الإيرانية باتت "منقسمة انقساما خطيرا"، وأنه يمنحها وقتا كي تتوصل إلى توافق داخلي قبل استئناف المحادثات.
إيران أكثر وحدة من أي وقت مضى
عند التمحيص، يتهاوى ادعاء ترمب. فحتى بعد حرب الأيام الاثني عشر في العام الماضي، حين استخدمت الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل المحادثات لخداع إيران ودفعها إلى خفض حذرها قبل مهاجمتها، ظلت إيران منقسمة بين المتشددين والمعتدلين. غير أن هذا تبدل بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران هذا العام، التي أودت بحياة أكثر من أربعين مسؤولا إيرانيا رفيع المستوى. وكان كثير من هؤلاء قد عايشوا حرب إيران والعراق الدامية، لذلك كانوا أكثر استعدادا لتقديم تنازلات تجنبا لإراقة الدماء.
لم يمهد مقتل هؤلاء المعتدلين الطريق أمام المتشددين لتولي السلطة فحسب، بل زادهم تصلبا أيضا. ومع ذلك، وعلى الرغم من تعطشهم إلى الانتقام، لم تحجب الكراهية بصيرة صناع القرار في طهران، فهم يملكون تقديرا واقعيا لنقاط قوة إيران وضعفها. ونتيجة لذلك، تبدو إيران اليوم أكثر وحدة من أي وقت مضى، وقد التفت حول "اللاءات الثلاث": لا حرب، لا سلام، لا محادثات.
لا حرب، لأن اختلال موازين القوة ضدها يجعل أفضل ما يمكن أن ترجوه إيران، إذا استؤنفت الحرب، انتصارا باهظ الثمن. ولا سلام، لأن غياب تهديدات وجودية خارجية سيعيد الاضطرابات الداخلية إلى الواجهة، بما يشكل خطرا على الحكومة الإيرانية. ولا محادثات، لأن ترمب يواصل المطالبة على طاولة التفاوض بما عجزت الولايات المتحدة عن انتزاعه في ميدان القتال.
لم ينتصر أحد في الحرب بما في ذلك الصين
لذلك يجد ترمب نفسه أمام معضلة صعبة. فمن جهة، تعني العودة إلى الحرب استئناف تبادل الضربات المدمرة مع إيران. فإذا هاجمت الولايات المتحدة منشآت النفط الإيرانية في خوزستان مثلا، ردت إيران بالمثل عبر استهداف منشآت حلفاء واشنطن، سواء في ينبع أو الفجيرة أو غيرهما. ومن جهة أخرى، يعني الإبقاء على الوضع الراهن استمرار إيران في السيطرة على مضيق هرمز الحيوي. والأهم أن ذلك يبعث برسالة مفادها أن الولايات المتحدة ليست سوى "نمر من ورق"، عاجزة عن حماية حلفائها أو مصالحهم.

