أشرف العشماوي لـ"المجلة": أحاول فهم الإنسان لا محاكمته

بعد فوز روايته "مواليد حديقة الحيوان" بجائزة الشيخ زايد

أشرف العشماوي لـ"المجلة": أحاول فهم الإنسان لا محاكمته

يحرص الروائي المصري أشرف العشماوي على استخدام أدواته الخاصة لبناء عوالمه الروائية، فالسخرية أداة كشف عن الواقع، والمكان بطل حي، والتاريخ قابل للتأويل. إلى جانب أدوات وأساليب أخرى استند اليها في أكثر من ثلاث عشرة رواية أصدرها عبر مسيرته التي بدأت عام 2010، من بينها "زمن الضباع" و"المرشد" و"بيت القبطية".

والعشماوي الذي يعمل قاضيا تردد اسمه أخيرا بعد فوزه بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع الآداب عن روايته "مواليد حديقة الحيوان"، ليضيف بذلك جائزة جديدة الى جوائزه الست التي كان قد حصل عليها، من بينها جائزة أفضل رواية تاريخية من ملتقى مملكة البحرين الثقافية، وجائزة الرواية ضمن جوائز معرض القاهرة الدولي للكتاب. هنا لقاء "المجلة" معه.

لماذا اخترت أن توزع أحداث "مواليد حديقة الحيوان" على ثلاث قصص، منفصلة ومتصلة في الوقت نفسه؟

حين بدأت بكتابة "مواليد حديقة الحيوان" لم أكن أفكر في بنية تقليدية لكل "نوفيلا"، وكانت تشغلني حالة إنسانية مركبة للشخصيات الثلاث، أبطال النوفيلات، حالة لا يمكن احتواؤها داخل مسار واحد مستقيم، لأن الواقع نفسه لا يسير على خط واحد، وإنما يتشظى ويتقاطع ويتكرر في صور متعددة، لهذا جاءت فكرة النوفيلات الثلاث كأنها مرايا متجاورة تعكس وجوها مختلفة للحكاية ذاتها، قد تبدو متباعدة لكنها في العمق تنتمي إلى جذر واحد، هو الإنسان في لحظة انكشافه وضعفه وصراعه مع قدره ومجتمعه. أيضا الفصل بين كل رواية، يمنح كل واحدة استقلالها الفني والنفسي، وهو ما لم أكن اريده، بينما الربط الخفي بينها يصنع شبكة من المعاني والدلالات التي تتسع كلما تقدم القارئ خاصة بثيمة كل الصور خادعة.

نجاح الفيلم مرهون بقدرته على أن يكون عملا سينمائيا كاملا لا ظلا للرواية التي كتبتها

هذا البناء يسمح بتعدد الرؤى دون أن يفقد العمل وحدته الداخلية، وربما على العكس يجعل الوحدة أكثر عمقا لأنها لا تقوم على الشكل لكن على الروح المشتركة بين الشخصيات والأحداث. 

الرواية وسيط فني

هل يأتي النقد والسخرية في الرواية لتخفيف وطأة الواقع؟

إلى حد كبير بالطبع، لأن السخرية في الرواية عموما أداة كشف حادة، وربما تكون أصدق من الجدية المباشرة في تعرية الواقع، وحين يصبح الألم كثيفا إلى هذا الحد مثل النوفيلا الأولى، فإن اللغة الجافة تفقد قدرتها على التعبير، وهنا تأتي السخرية كطريقة بديلة لمواجهة القبح دون الوقوع في خطاب وعظي أو مأسوي تقليدي. السخرية في ظني عند استخدامها روائيا، لا بد أن تحمل مرارة خفية، تضحك القارئ لحظة ثم تتركه في مواجهة سؤال مؤلم، وهذا هو دور الأدب في رأيي، أن يوقظ لا أن يواسي فقط.

غلاف "مواليد حديقة الحيوان"

يعمل المخرج أحمد مدحت على تحويل "مواليد حديقة الحيوان" إلى فيلم سينمائي، كيف تتخيل هذا الفيلم وهل ستتدخل في كتابة السيناريو؟

تحويل الرواية إلى فيلم هو ميلاد جديد للنص، لأن السينما ليست مجرد نقل للحكاية، بل إعادة خلق لها بلغة مختلفة تعتمد على الصورة والإيقاع والبناء البصري. أتصور الفيلم كعمل فني سيكون شديد الكثافة، يعتمد على التفاصيل الصغيرة التي تحمل دلالات كبيرة، وعلى أداء تمثيلي كوميدي قادر على التعبير عن الصمت بقدر ما يعبر عن الكلام. في ظني أن عالم الرواية سيخدم السيناريو كثيرا لأنه يحمل طابعا بصريا مشهديا كغالبية كتاباتي الروائية.

أما بالنسبة لتدخلي في السيناريو، فأنا أؤمن أن لكل وسيط فني لغته، وأن المخرج وكاتب السيناريو شقيقه الأستاذ أيمن مدحت يمتلكان أدوات مختلفة عني كروائي، لذلك أفضل أن أكون قريبا من العمل كصديق أو شريك في النقاش، دون أن أفرض رؤية روائية على نص سينمائي يجب أن يولد مستقلا بذاته، لأن نجاح الفيلم مرهون بقدرته على أن يكون عملا سينمائيا كاملا لا ظلا للرواية التي كتبتها. المخرج فنان وكاتب السيناريو فنان لا يقلان إبداعا عن الروائي.

الروائي أشرف العشماوي

إلى أي مدى انعكس عملك كقاض على تجربتك الروائية، سواء من خلال الأحداث أو الشخصيات؟

العمل في القضاء يضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع طبقات متعددة من المجتمع، ومع قصص حقيقية تفوق الخيال أحيانا في غرابتها وقسوتها، وهذه الخبرة لا تظهر في الرواية بشكل مباشر أو تسجيلي، بل تتسلل إلى بناء الشخصيات وإلى فهم دوافعها وتعقيداتها.

المكان ليس خلفية للأحداث، لكنه أقرب ما يكون إلى كائن حي يتنفس ويتغير ويؤثر في الشخصيات بقدر ما يتأثر بها

 القاضي لا يرى الفعل فقط، لكنه يبحث عن أسبابه وسياقاته، وهذا ما أفعله في الكتابة الروائية، أحاول أن أفهم لماذا يفعل الإنسان ما يفعله لا أن أحاكمه. كذلك فإن الإحساس بالتفاصيل الدقيقة والقدرة على الإصغاء، والتعامل مع التناقضات الإنسانية دون إصدار أحكام سريعة، كلها أمور أثرت في أسلوبي السردي. الرواية عندي مساحة أوسع من قاعة المحكمة، وأداة مثالية للتعبير عن وجهة نظري في الحياة التي أعيشها. باختصار، الرواية وسيط فني يسمح بإعادة طرح الأسئلة التي لا تجد دائما إجابات حاسمة.

غلاف "البارمان"

المنطقة الرمادية

ما الذي جعلك تستخدم المكان كبطل في عدد من رواياتك مثل "البارمان" و"صالة أورفانيللي"، وكيف تغير من سمات هذا البطل بين رواية وأخرى؟

المكان من أهم عناصر الرواية، وبالنسبة لي هو ليس خلفية للأحداث، بل أقرب ما يكون إلى كائن حي يتنفس ويتغير ويؤثر في الشخصيات بقدر ما يتأثر بها. في روايتي "البارمان" كان المكان أشبه بمسرح مغلق تتقاطع فيه مصائر البشر، يحمل طابعا نفسيا ضاغطا يعكس عزلة الشخصيات وارتباكها. أما في "صالة أورفانيللي" فيتحول المكان إلى ذاكرة مفتوحة على البشر والتاريخ في حقبة دقيقة من تاريخ مصر المعاصر، حيث تشبه الحياة المزادات في غالبية تفاصيلها. في هذه الرواية تحديدا، يحتفظ المكان بأصوات الماضي ويستدعيها، فيصبح شاهدا على التحولات الاجتماعية والثقافية.

غلاف "صالة أوفانيللي"

ما أريد قوله هنا أن اختلاف المكان من رواية يمتد إلى دوره في الحكاية، فمرة يكون حاضنا للأسرار كالحانة في رواية "البارمان" ومرة يكون كاشفا لها كصالة المزاد في "صالة أورفانيللي"، ومرة يتحول إلى رمز لحالة تاريخية أو اجتماعية كما في "سيدة الزمالك"، وأيضا "تذكرة وحيدة للقاهرة". هذا التنوع في ظني يمنح النص ثراء، لأن المكان حين يتحول إلى بطل يفرض منطقه الخاص على السرد ويجعله أكثر جاذبية.

لماذا تستعين بالتاريخ في العديد من رواياتك وكيف تعيد نسجه من جديد؟

التاريخ وفقا لمفهومي عنه ليس مجرد أحداث وقعت وانتهت، إنما هو مادة حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل، واللجوء إلى التاريخ يمنح الرواية عمقا إضافيا لأنه يربط الحاضر بجذوره، ويكشف أن ما نعيشه اليوم ليس منفصلا عما حدث في الأمس، لكن إعادة نسج التاريخ لا تعني تكراره، إنما تعني إعادة طرحه من زاوية إنسانية، والبحث في المسكوت عنه أو في التفاصيل الصغيرة التي لم تسجلها السجلات الرسمية. الرواية تملك حرية الدخول إلى المناطق الرمادية، إلى حياة الأشخاص العاديين الذين لم يذكرهم المؤرخون لتحكي على لسانهم، تتوقف عند اللحظات التي لم توثق لكنها تركت أثرها، وبهذه الطريقة يصبح التاريخ مادة سردية نابضة لا أرشيفا جامدا.

حالات الإنسان المختلفة

لماذا بعد أكثر من 13 إصدارا ما زلت تعتبر نفسك هاويا، وما المشروع أو الهاجس الذي لا يزال يحركك لمواصلة الكتابة؟

وصف نفسي بالهاوي لا يحمل أي تقليل من قيمة التجربة التي خضتها على مدار ما يقرب من عشرين عاما، عندما أصف نفسي بالهاوي، فأنا أعبر بوضوح عن علاقة مستمرة مع الكتابة تقوم على الشغف والاكتشاف، لا على الاكتفاء أو الشعور بالاكتمال.

نسج التاريخ يعني إعادة طرحه من زاوية إنسانية، والبحث في المسكوت عنه أو في التفاصيل التي لم تسجلها السجلات الرسمية

 كل عمل جديد يضعني في مواجهة أسئلة لم أجب عنها من قبل، ويجعلني أشعر أن ما لم أكتبه بعد أكبر مما كتبته بالفعل. الهاجس الذي يحركني هو البحث عن الإنسان في حالاته المختلفة، عن الحكايات التي لم ترو بعد، عن المساحات التي لا تزال معتمة في وعينا الجمعي، عن العدالة والكفاية والإنسانية. الكتابة الروائية بالنسبة لي رحلة مستمرة حتى أموت، وكل محطة فيها تفتح بابا الى محطة أخرى.

من وحي عضويتك للجنة القومية لاسترداد الآثار المصرية المهربة خارج البلاد، أصدرت كتابا بعنوان "سرقات مشروعة". في رأيك، ما أكثر الأمور التي تجعل من سرقة وتهريب الآثار حول العالم مقبولة من قبل الكثير من جهات مسؤولة، بل وترفض الكثير من البلدان إعادة القطع الأثرية إلى بلدانها الأصلية؟

غلاف "تذكرة وحيدة للقاهرة"

هذه القضية معقدة ومتشابكة، لأنها لا تتعلق فقط بالسرقة بمعناها المباشر، لكن بتاريخ طويل من الاختلال في موازين القوة بين الدول. كثير من القطع الأثرية خرجت في فترات كانت فيها القوانين المصرية ضعيفة أو منحازة، وتم تقنين هذا الخروج بطرق تبدو مشروعة لكنها في جوهرها غير عادلة. المتاحف الكبرى في العالم بنت جزءا من مكانتها على هذه المقتنيات، ولذلك فإن إعادة الآثار المسروقة الى موطنها الأصلي تمس مصالح ثقافية واقتصادية وسياسية. هناك أيضا خطاب يبرر الاحتفاظ بهذه القطع بدعوى الحفاظ عليها أو عرضها للعالم، وهو خطاب يتجاهل حق الدول الأصلية في تراثها، المسألة في رأيي ليست قانونية فقط، لكنها أخلاقية في الأساس، وتحتاج إلى وعي عالمي جديد يعيد النظر في مفهوم الملكية الثقافية التي تمت سرقتها أو تهريبها، لكن تلك التي خرجت بطريق مشروع لا يحق لنا استعادتها.

غلاف "سيدة الزمالك"

أخيرا ما رأيك بالرأي الذي يقول إن الكتاب العرب لم يستطيعوا تحقيق الحضور والانتشار العالمي؟

لا أتفق مع هذه المقولة، الكاتب المصري والعربي ينافسان عالميا بالفعل، لكن التحدي لا يكمن في جودة النصوص بقدر ما يرتبط بعوامل أخرى مثل الترجمة وآليات النشر والتسويق الثقافي، وحضور المؤسسات الداعمة.

عندما أصف نفسي بالهاوي فأنا أعبر بوضوح عن علاقة مستمرة مع الكتابة تقوم على الشغف والاكتشاف

 هناك أعمال عربية كثيرة تمتلك قيمة فنية عالية لكنها لا تصل إلى القارئ العالمي بالشكل الكافي، اللغة أيضا تلعب دورا، لأن الانتقال من العربية إلى لغات أخرى يحتاج إلى ترجمات دقيقة تحافظ على روح النص، مع ذلك فأنا أرى أن الحضور العربي والمصري في ازدياد وتوهج، وهناك أسماء استطاعت أن تفرض نفسها عالميا في السنوات الأخيرة ، وما يحدث الآن هو تراكم طبيعي سيؤدي إلى حضور أوسع وأكثر تأثيرا في المستقبل.

font change