"النكبة الشيعية" ومستقبل الكيان اللبناني

قراءة في أسباب المأزق الراهن واحتمالات الخروج منه

المجلة
المجلة

"النكبة الشيعية" ومستقبل الكيان اللبناني

النقطة الرئيسة التي يجب الانطلاق منها لقراءة الوضع اللبناني الحالي هي أن ما يجري في الجنوب اللبناني حاليا أمر غير مسبوق في أي من الحروب التي شهدها لبنان، سواء لجهة التدمير الكامل للقرى الحدودية وبالأخص لمدن كبيرة مثل بنت جبيل والخيام، أو لجهة تهجير سكان شمال نهر الليطاني، إضافة إلى سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، مع استثناءات ضئيلة. هذه الكتلة البشرية الضخمة، والتي تبلغ نحو المليون شخص، تركت بيوتها وقراها، وانتشرت في مختلف الأراضي اللبنانية، في تطور استثنائي عبر التاريخ اللبناني، لا يمكن التعامل معه بالأدوات السياسية والنفسية المستخدمة خلال الحروب والأزمات السابقة.

نحن إذن، والحال هذه، أمام نكبة شاملة متكاملة الأوصاف. فإلى جانب التدمير الممنهج للقرى والبلدات، والتهجير المليوني للمواطنين الشيعة في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، تتواصل عمليات القصف اليومية، كما تستمر المطاردة الإسرائيلية لمقاتلين شباب من "حزب الله"، يسقطون على الطرقات هنا وهناك كالطيور الشريدة، في مشهد يؤكد المعاني العميقة لهذه النكبة. ذلك أن عشرات، بل مئات وآلافا من الشبان، قد قتلوا خلال هذه الحرب، التي كانت نتيجتها حتى الآن تدمير القرى الحدودية اللبنانية والتهجير الواسع للمواطنين الشيعة، ما يطرح على الدوام سؤالا حول جدوى هذه الحرب وميزان الربح والخسارة فيها.

مرّة جديدة تجدر الإشارة إلى أنه لم يسبق أن شهد لبنان هجرة بهذه الكثافة في تاريخه. صحيح أن هجرات جماعية حصلت خلال الحرب الأهلية، ولا سيما في منطقة الجبل، حيث تهجر السكان المسيحيون إثر ما عرف بـ"حرب الجبل" بين "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"القوات اللبنانية"، إلا أن أعدادهم كانت أقل بكثير من أعداد النازحين الشيعة حاليا، الذين تفرقوا في مختلف المناطق، وقصدوا الساحات العامة والمدارس ومراكز الإيواء، باستثناء الأثرياء أو من لديهم القدرة على استئجار منازل في المناطق الأخرى، ولاسيما بيروت التي يتركز فيها نحو 40 في المئة من المهجرين.

هذا الواقع المرّ يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مسار هذه الهجرة الشيعية، أو ما يمكن تسميته "التغريبة الشيعية"، من حيث مستقبلها واتجاهاتها، وخصوصا في ظل السؤال المفتوح حول توقيت انسحاب إسرائيل، ومتى ستصبح العودة ممكنة إلى قرى الشريط الحدودي، أو إلى قرى الحافة الأمامية كما تسمى، أو حتى إلى شمال نهر الليطاني، حيث لم تعد الحياة آمنة بأي شكل من الأشكال، في ظل العدوانية والإنذارات الإسرائيلية التي تطال كل يوم بلدات جديدة.

بعبارات أخرى، إن هذا التدمير الذي طال البنيان الاجتماعي والعمراني للبيئة الشيعية في لبنان، ولا سيما في الجنوب، يطرح أسئلة عميقة حول المستقبل الديموغرافي للشيعة في البلاد، وحول المتغيرات السياسية والاقتصادية الاجتماعية التي ستنتجها هجرتهم في كامل الجغرافيا اللبنانية، إذ ورغم كل المخاوف الأمنية والحساسيات السياسية، فإنه ليست هناك مناطق مقفلة أمام مهجري الجنوب والضاحية.

إذا ما استعيد الخطاب الذي ساد خلال "ثورة 17 تشرين"، أو الانتفاضة التي تلت الانهيار الاقتصادي في لبنان عام 2019، فإننا نجد أن لغة مختلفة كانت حاضرة

من هنا، يبقى أفق التهجير وسؤال العودة مفتوحين على احتمالات غير واضحة، ويمكن القول في اللحظة الراهنة أن شيعة القرى الحدودية قد انضموا إلى سؤال "حق العودة" الذي كان حتى الأمس القريب اختصاصا فلسطينيا بحتا ومأساة فلسطينية صرفا. وبالتالي هناك سؤال أساسي حول نظرة الشيعة إلى أنفسهم ككتلة جماعية بعد هذه الحرب، وكذلك نظرة الجماعات الأخرى إليهم داخل المجتمع اللبناني. ويبرز هنا تساؤل جوهري يتعلق بمستقبل البلد الذي يقوم، بشكل أو بآخر، على نظرة الجماعات إلى بعضها البعض، وعلى إمكانية التقاطع فيما بينها، أو الرهان على قواسم ومصالح مشتركة، وعلى ما يمكن تسميته بإرادة العيش معا.

هذه أسئلة ليست جديدة على لبنان، بل طرحت مرارا خلال الحرب الأهلية، وخلال مختلف الأزمات التي شهدت تحولات كبرى أو انقسامات حادة بين اللبنانيين، كالانقسام الذي نشهده اليوم. غير أن الانقسام الحالي يتميز بخصائص عدة، لا سيما من حيث إنه نتيجة تراكم أزمات متلاحقة ومتواصلة، من الانقسام السياسي الممتد بأشكال شتى منذ اغتيال رفيق الحريري، إلى الانهيار الاقتصادي، وصولا إلى الحرب الإسرائيلية الأخيرة.

إلى جانب ذلك، يبرز الآن مستوى من التخاطب السياسي والإعلامي لم يشهده لبنان حتى في ذروة الحرب الأهلية، وذلك في ظل الاستخدام الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي كأدوات سياسية لتعبئة الأنصار وشيطنة الخصوم، ناهيك بالاستراتيجيات الجديدة لوسائل الإعلام التقليدية المرئية التي باتت تفتح الهواء لتصريحات أقل ما يقال فيها إنها مستفزة ولا تراعي أبسط أخلاقيات العمل السياسي والإعلامي.

أ.ب.
عائلة نازحة من جنوب لبنان بعد تدمير منزلها على إثر الاستهداف الإسرائيلي، بيروت 2 مارس 2026

في هذا السياق، لم يعد الاختلاف السياسي يقتصر على تباين في وجهات النظر، بل بات يأخذ أبعادا تتجاوز ذلك إلى ما يشبه الاشتباك الاجتماعي بين المكونات اللبنانية، والذي غالبا ما يكتسب طابعا طائفيا. ورغم أن هذا الأمر ليس جديدا على لبنان، إلا أنه يبدو اليوم أكثر خطورة، في ظل التحولات العميقة التي شهدها طيلة العقدين الماضيين، بحيث أصبحت قواعد اللعبة السياسية أكثر وضوحا في الربط بين الطائفية والخطاب والممارسة السياسيين، وهو ما دلت عليه طبيعة قانون الانتخابات ساري المفعول، والذي ارتضت مبدأه القائم على انتخاب كل طائفة نوابها، كافة القوى السياسية الوازنة.

بين الحرب والانتفاضة

ومن اللافت أنه إذا ما استعيد الخطاب الذي ساد خلال "ثورة 17 تشرين"، أو الانتفاضة التي تلت الانهيار الاقتصادي في لبنان عام 2019، فإننا نجد أن لغة مختلفة كانت حاضرة. فقد برزت آنذاك دعوة واضحة إلى تجاوز الانتماءات الطائفية، وظهر نوع من الأمل بانبعاث وطنية لبنانية عابرة للطوائف. كانت لغة الانتفاضة حيوية وتحمل طابعا تقدميا، وتسعى إلى توسيع الفضاء العام اللبناني نحو آفاق أرحب، وإلى بلورة لغة سياسية جديدة تعيد الاعتبار لمصالح اللبنانيين ككتلة واحدة، سواء في علاقتهم بدولتهم أو في علاقتهم ببعضهم البعض.

كما رافق ذلك أمل لدى فئة واسعة من الشباب اللبناني، المتفاعل مع التحولات العالمية، بإمكانية إحداث تغيير جذري داخل المجتمع اللبناني، من شأنه أن يطوي صفحة الانقسام السياسي المشحون بالأبعاد الطائفية، الذي أسهم بدوره في الوصول إلى الانهيار. وعلى هامش هذا الانقسام، وفي صلبه أيضا، نشأت شبكة واسعة من الفساد والإفساد، ألحقت أضرارا عميقة بجميع اللبنانيين، وأدت إلى تحولات ديموغرافية واقتصادية وسياسية جذرية، لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم، ولا سيما في طريقة التخاطب بين اللبنانيين، وعلى مستوى التعاطي السياسي والإعلامي مع النكبة الشيعية.

فالكاميرات الجوالة لبعض المواقع الإلكترونية أو القنوات التلفزيونية، التي تجول الآن في شوارع المناطق اللبنانية، تنقل تصريحات لشبان تعبر، في كثير من الأحيان، عن تدنٍ مخيف في الحس السياسي، بل وعن نوع من القطيعة مع الحرب الجارية بكل نتائجها. فما يصرح به هؤلاء، لناحية الرغبة باحتساء الجعة في تل أبيب، في اللحظة التي يدمر فيها الجيش الإسرائيلي مدنا وقرى بأكملها في الجنوب، ويقتل عائلات لبنانية بأكملها، أقل ما يقال فيه أنه ينم عن جهل مدقع، أو بتعبير أدق فهو لا يكترث لـ"النكبة الشيعية" ونتائجها، ومن ذلك أنه لا يأخذ في الاعتبار أحاسيس شريحة واسعة من الشعب اللبناني تعاني بشكل مباشر من نتائج الهجمات الإسرائيلية، كما لو أن الجنوب في بلد آخر.

لا يمكن تجاوز دور "حزب الله" وحلفائه، الذين مثلوا، إلى حد كبير، استمرارية لسياسات الوصاية السورية في لبنان، من حيث الحفاظ على اصطفافات الحرب الأهلية، واستخدامها كأداة للتعبئة السياسية لجمهورهم وأنصاره

والمفارقة أن هؤلاء الشبان قد يكونون أنفسهم ممن شاركوا في "انتفاضة 17 تشرين"، بكل ما حملته من لغة إيجابية لمستقبل لبنان، فيما يستخدمون اليوم لغة سلبية للتعبير عن الرغبة في السلام، من خلال إبداء نوع من التماهي مع أنماط العيش في المجتمع الإسرائيلي وكأن الأمر موقف "ثقافي" وليس سياسيا وأخلاقيا بالدرجة الأولى، وإن كان الدافع إليه رفض بقاء لبنان في دوامة الحرب. فهذه مواقف تفتقر، في جوهرها، إلى معنى سياسي واضح، وتعكس في الوقت نفسه إشكاليات أعمق في فهم طبيعة الصراع في المنطقة، بل وحتى في فهم معنى السلام ذاته، في ظل السلوك الإسرائيلي الراهن، الذي يتسم بتفاخر غير مسبوق بالعنف وتصويره لجعله مرئيا قدر الإمكان، كما يظهر من ممارسات الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان.

ومن اللافت أيضا أن بعض اللبنانيين من أبناء الجنوب، ممن عاشوا مرحلة الاحتلال الإسرائيلي قبل عام 2000، يقيمون مقارنات بين سلوك الجندي الإسرائيلي آنذاك وسلوكه اليوم، معتبرين أنه لم يكن يتصرف بهذا الشكل في تلك المرحلة. وهذا يفتح الباب أمام الحديث عن التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي نفسه، مع تصاعد التيارات المرتبطة باليمين المتطرف والشعبوي. وكأن هذه التحولات طالت، بدرجات مختلفة، المجتمعات على جانبي الحدود، سواء في إسرائيل أو في لبنان، وهذه أصلا مسألة عالمية تتجاوز المنطقة بأسرها.

رويترز
يتصاعد الدخان في بلدة حبوش جنوب لبنان عقب غارات إسرائيلية، كما يُرى من النبطية، لبنان، 1 مايو 2026

هنا يطرح سؤال رئيس حول مدى تغطية القوى السياسية لهذا الخطاب، الذي يحمل، بشكل أو بآخر، مفهوما "ثقافيا" للسلام مع إسرائيل. فمن اللافت وجود قدر من الحذر السياسي لدى القوى السياسية التي تؤيد مبدأ المفاوضات مع إسرائيل، إذ إنها لا تذهب بعيدا في الدعوة إلى التطبيع وإن كانت تؤيد السلام كنقيض للحرب، وهو الموقف الذي عبّر عنه بوضوح رئيس الحكومة نواف سلام. وبالتالي، فإن مسألة التطبيع مع إسرائيل لم تتحول، حتى الآن، إلى موضوع مركزي في النقاش السياسي الجدّي في لبنان، وذلك رغم الانقسام القائم حول مسألة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. وفي السياق عينه، فإن الحديث عن تيار أو خيار يدعو إلى التطبيع مع إسرائيل، كما لو أن وجوده "ممأسس" في لبنان، في مقابل خيار "المقاومة" وفي موازاته كما لو أنه بالحجم نفسه، يحتاج إلى تدقيق، إذ ليس من الواضح مدى تجذر هذا الخيار في المجتمع اللبناني، رغم بعض التعبيرات التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام التقليدية؛ هذا سؤال يبقى مفتوحا وغير محسوم.

المسؤوليات المتناقضة

في المقابل، وعند محاولة تحديد المسؤوليات السياسية عما آلت إليه الأوضاع في لبنان، لا يمكن تجاوز دور "حزب الله" وحلفائه، الذين مثلوا، إلى حد كبير، استمرارية لسياسات الوصاية السورية في لبنان، من حيث الحفاظ على اصطفافات الحرب الأهلية، واستخدامها كأداة للتعبئة السياسية لجمهورهم وأنصاره. ومن ناحية ثانية فإن فهمهم للواقع اللبناني هو فهم أمني بحت على طريقة نظام الأسد الأب والابن، وبالتالي فإن كل خياراتهم في الداخل اللبناني كانت مبنية على إحكام السيطرة على اللعبة السياسية أيا تكن التحالفات، وأيا تكن السياسات الاقتصادية، وأيا يكن حجم الفساد، لا بل إن الفساد تحول إلى أداة للهيمنة وبسط النفوذ في دوائر الدولة وعلى هوامشها، من خلال مقايضة الحماية بالولاء، وهي مقايضة لم تقتصر على "الحزب" وحلفائه بطبيعة الحال، ولكنها لم تبلغ عند القوى الأخرى ما بلغت عندهم، بالنظر إلى أنهم أصحاب النفوذ الأقوى في الدولة، كما أن تعميم هذه المقايضة كان كفيلا باستمرار نمط السلطة ونهج الحكم بما يؤمن شروط استمرار السيطرة الأمنية والسياسية على مفاصل الدولة وخياراتها وخطابها.     

اليوم يمر لبنان في واحدة من أكثر مراحله التاريخية خطورة وتعقيدا، ما يستدعي البحث عن صيغ مبتكرة للتعامل مع الأزمة الراهنة، بشقيها، أي الحرب الإسرائيلية والانقسام الداخلي

وإذا كانت الحرب الأهلية نقيض الدولة فقد أوجبت الحاجة للخروج عليها تأبيد منطق الحرب الأهلية، وهو ما ينطبق تحديدا على كيفية تعامل "حزب الله" وحلفائه مع "حزب القوات اللبنانية" والذي جرى التركيز عليه لسنوات طويلة بوصفه امتدادا للحرب الأهلية وعاملا على إعادة إنتاجها، عبر عملية شيطنة سياسية وإعلامية متواصلة، ورفض أي مسار جدي للمصالحة معه، خصوصا من جانب "حزب الله". وهذا الأمر لا يرتبط بالضرورة بتناقض المواقف بين الطرفين، إذ لم تخل العلاقة بينهما، في مراحل معينة، من أشكال تعاون ظرفي، سواء في استحقاقات انتخابية أو سياسية، بل في الحاجة السياسية إلى تضخيم الخصومة الداخلية، والاستثمار في النزعة الطهرانية كبديل عن الخوض في مصالحة وطنية حقيقة تفسح في المجال أمام إعادة بناء سرديات وتقاطعات اجتماعية من خارج موروثات الحرب، ولكن الأدهى أن رفض المصالحة من قبل الحزب ينبع في الأصل من رفضه للتنازل أمام أي فريق داخلي.

وهذا ليس دفاعا عن سياسات "القوات" أو إعفاء لها من أي مسؤولية في مسارها وتحولاتها وخياراتها، إلا بواقع أن شيطنتها أضحت الدلالة الرئيسة للبقاء في دوامة الحرب الأهلية وللرغبة بالتغلب والهيمنة لدى خصومها. والمفارقة هنا أن اتهام "الحزب" لـ"القوات" بماضيها خلال الحرب الأهلية، وهو ما تتشارك به مع سائر ميليشيات الحرب، كان يترافق مع تحالفه، خلال فترة الوصاية السورية وبعدها، مع شخصيات ومجموعات كانت محسوبة سابقا عليها، ما يدل على أن المعيار الأساسي لديه لم يكن "أخلاقيا" أو وطنيا، بل كان قائما على الولاء السياسي. والنقطة الرئيسة هنا أن العقل السياسي لـ"حزب الله" والذي تحركه الاعتبارات الأمنية بالمعنى الواسع للكلمة، والذي يتكئ على منظومة إقليمية تردفه بأدوات السيطرة الداخلية، ليس عقلا تسوويا بل عقلا برغماتيا يتعامل مع الوقائع وفق مصالحه الضيقة، لا من ضمن قراءة تأخذ في الاعتبار كيفية التعاطي الأمثل مع التناقضات الحاضرة لغايات أخلاقية ووطنية. وبالتالي فإن رفض "حزب الله" للتسوية والمصالحة الوطنية بمعناها الفعلي، بالتوازي مع استمرار تمسكه بسلاحه حتى بعد تحرير الجنوب في عام 2000 على أثر اختلاق ذريعة مزارع شبعا، هذه الديناميات المتداخلة كلها أبدت الانقسام اللبناني وجعلت خطاب الحرب الأهلية حاضرا بقوة، وجعلت استمراره الدينامية الرئيسة لكل القوى السياسية، كمعيار لصعودها السياسي والاجتماعي في لعبة العصبيات والولاءات المحتقنة والهواجس المتبادلة.

أ ب
امرأة تسير بين أنقاض المباني المدمرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان، في 17 أبريل 2026، عقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله"

ولا شك أن صراع المحاور في المنطقة وانعكاساته على لبنان ساهم بشكل كبير في تعميق الانقسام الداخلي وجعل الصدع اللبناني عصيا على الرأب. فغياب التسويات الإقليمية كان ينعكس غيابا للتسويات اللبنانية العميقة أو المشغولة، على غرار تسوية الطائف التي أجهضت لاحقا. وحتى التسويات التي حصلت، سواء لانتخاب ميشال عون لرئاسة الجمهورية أو لتشكيل الحكومات المتعاقبة، بقيت في معظمها ضمن إطار تقاسم السلطة والمحاصصة السياسية، في استمرار لنهج نظام الوصاية السورية وفهمه الوظيفي للوطن اللبناني.

البحث عن أفق

اليوم يمر لبنان في واحدة من أكثر مراحله التاريخية خطورة وتعقيدا، ما يستدعي البحث عن صيغ مبتكرة للتعامل مع الأزمة الراهنة، بشقيها، أي الحرب الإسرائيلية والانقسام الداخلي. إلا أن أي بحث عن صيغ للحل، لا يمكنه التغاضي عن تركة المرحلة الماضية بكل موروثاتها، لأن الانقسام الحالي حول الحرب وأنماط التعبير عنه بأسوأ أشكالها، كلها نتائج مباشرة لتلك المرحلة، وبالتالي فإن أي خطاب لاحتواء الأزمة والتأسيس لخيارات بديلة يفترض أن ينطلق من تحديد دقيق للمسؤوليات السياسية عن المرحلة السابقة، مع الأخذ في الاعتبار أننا إزاء أزمة غير مسبوقة بفعل حجم الحرب والتهجير وبفعل حجم الانقسام الداخلي، وبالتالي علينا التعامل معها بأدوات مختلفة كليا.

بيد أن الأمر الأساسي هنا أنه لا يمكن التعويل على مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل بوصفه بديلا عن مسار سياسي لبناني داخلي. وفي المقابل فإن أي فكرة أو عملية سياسية لاحتواء الأزمة الداخلية لا يمكنها تجاهل أن هذه المفاوضات، التي تشكل عنوانا انقساميا داخليا، هي الآن الطريق الوحيد للخروج من المأزق الراهن.

العطب الأساسي يتمثل في تكلّس القوى السياسية الرئيسة وعجزها عن المبادرة، بما في ذلك "حزب الله" نفسه، الذي يواكب الأزمة بمزيد من التصلّب والتناقض في مواقفه

بالتالي ليس الانقسام حول هذه المفاوضات مبرّرا للبحث عن بدائل لها، ولا ذريعةً للقفز فوقها أو تعطيلها، أو الرجوع إلى أو التطبيع مع خيارات كالكفاح المسلح أو المقاومة، باعتبارها طريقا لاستعادة الأرض أو إعادة أهالي القرى المهجّرة إلى بيوتهم. فمجرد التفكير في خيار كهذا ينذر بإعادة إنتاج المسار نفسه الذي أوصلنا إلى الحالة الراهنة، في ظل الازدواجية الوظيفية لسلاح "حزب الله"، على الحدود وفي الداخل اللبناني.

وهذا الكلام لا يشكّل تبرئةً، ولا هو محاولة للتخفيف من وطأة الدعوات إلى التطبيع مع إسرائيل، بصيغها الأكثر سطحيةً وهشاشة، كما أنه لا يهوّن من خطورة التفكير المشوّش والقراءات الملتبسة لطبيعة الصراعات والإشكاليات التاريخية في المنطقة، ولا من حساسية الواقع السياسي الاجتماعي القائم وتعقيداته.

ذلك لأنه لا يمكن إعادة تجريب خيارات أثبتت فشلا ذريعا، حتى على مستوى الصراع العسكري مع إسرائيل. فقد تحوّل الجنوب، مرةً جديدة، إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وهو ما يفرض قراءة دقيقة للمشهد الراهن في جنوب المحتمل والمهجّر والمدمّر.

أ.ف.ب
يمر السكان النازحون بسياراتهم أمام المباني المدمرة أثناء عودتهم إلى مدينة النبطية جنوب لبنان في 18 أبريل 2026

غير أن هذا لا ينتقص من اندفاعة إسرائيل نحو العدوان، ولا من ميلها إلى ممارسة أقصى درجات العنف، إلى حدّ يبدو معه هذا العنف غايةً في ذاته أو أداةً لإرضاء جمهورها الداخلي، أكثر منه وسيلة لتحقيق أهداف سياسية واضحة. فحتى حين تبرّر إسرائيل تدمير القرى بذرائع عسكرية كوجود أنفاق تحتها، أو استخدام المنازل كمخازن أسلحة أو منصّات لإطلاق الصواريخ، فإن هذه الذرائع لا تكفي لتفسير مستوى العدوانية، ولا ذلك الاحتفاء الظاهر بالتدمير وبجرف القرى.

ولا يمكن، تحت أي ذريعة، تبرير أي شكل من أشكال التطبيع مع هذه الممارسات الإسرائيلية، سواء بدعوى الصراع مع "حزب الله"، أو بحجة أن "الحزب" هو من جرّ لبنان إلى هذه الحرب. كما أن رواية "حزب الله" عن إفشال هجوم استباقي إسرائيلي أو إسقاط مشروع "إسرائيل الكبرى" لا يصمد أمام الوقائع المرة، ولا ننسى أن الإيرانيين أنفسهم يقولون إن "الحزب" دخل الحرب دعما لهم.

وحتى لو صحّ أن لدى "حزب الله" حساباته الخاصة، سواء لخلط الأوراق أو لربط مصيره بمصير النظام الإيراني سعيا لتحسين شروطه التفاوضية في حال تحسّنت شروط إيران مع الولايات المتحدة، فإن كل ذلك لا يختصر النقاش السياسي المطلوب في الداخل اللبناني. فالمسألة الجوهرية اليوم تكمن في كيفية إعادة إنتاج أرضية سياسية قادرة على احتواء الانقسام الحاد ومنع انزلاقه نحو توترات أمنية قد تتطور إلى حرب أهلية.

العطب الأساسي يتمثل في تكلّس القوى السياسية الرئيسة وعجزها عن المبادرة، بما في ذلك "حزب الله" نفسه، الذي يواكب الأزمة بمزيد من التصلّب في مواقفه، رغم إبدائه مؤخرا بعض المرونة. غير أن هذه المرونة تبقى غير كافية للاعتقاد بأن "الحزب" يقبل بمقاربة سياسية مختلفة، تعترف بعمق المأزق وتبتعد عن الشعبوية كالإصرار على القول إن "الكلمة للميدان"، في وقت توسع إسرائيل احتلالها وتمعن في قتل الجنوبيين.

الحرب الراهنة، على فداحتها وأهوالها، قد تشكّل، في مكان ما، نافذة للخروج من المأزق الحالي

ويزداد هذا العطب عمقا مع تعطل القنوات السياسية والاجتماعية في البلاد في ظل غياب القوى الاجتماعية الحية، من نقابات وحركة طلابية وتنظيمات شبابية انبثقت عن "انتفاضة 17 تشرين"، إذ جرى تهميش هذه الديناميات أو تفكيكها، وكان "حزب الله" من بين أكثر القوى سعيا إلى احتوائها أو إضعافها في سياق سعيه إلى تكريس سيطرته على الخطاب واللعبة السياسية.

ومع ذلك، فإن الحرب الراهنة، على فداحتها وأهوالها، قد تشكّل نافذة للخروج من المأزق الحالي. غير أن هذا الخروج لا يمكن أن يتحقق من دون قراءة واقعية للظرف الراهن، وتحديدا في ما يخص سؤال النكبة الشيعية ومستقبل الكيان اللبناني من بعدها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مبادرة سياسية تضع القوى السياسية الرئيسة أمام مسؤولياتها، وتختبر محركاتها الأساسية في مواجهة المأزق الراهن.

لكن من يمكن أن يقوم بمبادرة كهذه؟ ليس واضحا من يمتلك اليوم القدرة أو الاستعداد للقيام بها، في ظل ما يشبه التصحّر الذي أصاب الحياة السياسية في لبنان. لذلك يقتصر الحراك السياسي "البديل" الآن على أفكار عن خيارات جديدة تثير جدلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها، رغم محدودية تأثيرها في النقاش السياسي والشعبي، قد تسهم في بلورة ديناميات جديدة، أو في التمهيد لخطاب وأطر سياسية مختلفة. فالمأزق عميق، وكل فكرة من شأنها إعادة إحياء السياسة في البلد تبقى، في حدّ ذاتها، مهمة وضرورية.

font change

مقالات ذات صلة