بين إيران وتركيا...السعودية تؤسس لآفاق مشروع إقليمي

الرؤية السعودية المعاصرة قد استهدفت تطوير الإقليم بأكمله وليس جزءا محدودا منه، وانطلقت من مضامين تنموية تسعى إلى الارتقاء بمستقبل المنطقة بأكملها

أ.ف.ب
أ.ف.ب
قاعة المركز الإعلامي خلال اجتماع مجلس التعاون الخليجي في مدينة الكويت في 5 ديسمبر 2017

بين إيران وتركيا...السعودية تؤسس لآفاق مشروع إقليمي

مع احتدام الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتفاقم الصراع الإقليمي بين توجهين متباينين إزاء التعامل مع الواقع الحالي، حيث يدفع أحدهما بقوة صوب الانخراط في ثنايا الحرب ضد إيران ردا على اعتدائها على مختلف دول الخليج العربي بالإضافة إلى الأردن، فيما ينحو الرأي الآخر إلى تفادي الانجرار في حرب ليس له فيها ناقة أو جمل، كما أن نتائجها ستكون وخيمة على الطرفين العربي والإيراني وفق ما عبر عنه الأمير تركي الفيصل في مقاله الشهير على صفحات الزميلة "الشرق الأوسط" بعنوان "هكذا نجح محمد بن سلمان".

إذن نحن أمام مشروعين متباينين أيضا، أحدهما قصير النظر ولا يفكر بعواقب الأمور وانعكاساتها مستقبلا، والآخر ينظر للواقع السياسي بعين حصيفة، ورؤية مستقبلية، وإلمام واسع بحيثيات أي قرار يمكن أن يُتخذ، والفرق بين النظرتين واسع جدا، وهو ما يجعل أحدهما كبيرا والآخر صغيرا، إذ القياس ليس بالحجم والسعة، وإنما بالوعي والإدراك، الأمر الذي جعل المملكة العربية السعودية دولة كبرى في المنطقة، وأخا كبيرا لجيرانه العرب وغير العرب، انطلاقا من حصافة تاريخية، واستنادا إلى بصيرة ثاقبة في التعاطي مع مختلف القضايا، مع الإشارة إلى أن من كان مُنطلقه قائما على البناء ومساعدة الآخرين للنهوض بحياتهم وأحوالهم بشكل إيجابي، سيكون في قراراته مختلفا عمن كان منطلقه قائما على الهدم وإثارة الصراع والنزاع السلبي بين أبناء المنطقة الواحدة، والشواهد على ذلك كثيرة. وشتان بين مشروع يقوم على القتل والهدم وإعمال الدمار، ومشروع يقوم على السلام والبناء والتنمية المستدامة.

أشير إلى أن المنطقة قد شهدت ولادة كثير من المشاريع العربية ذات البعد الإقليمي، لكنها في مجموعها لم تؤسس لخير مستدام، وكان ضررها أكبر من نفعها، لكونها مشاريع أيديولوجية تستهدف تقسيم الناس بحسب انتمائهم السياسي، كما كان الحال مع المشروع الناصري الذي عمل على تقويض الحكومات المحافظة الملكية في المنطقة، فنجح في تقويض بعضها وفشل في الأخرى؛ وكما هو الحال مع المشروع البعثي الذي انقسم على نفسه بين بعثين سوري وعراقي يحارب كل منهما الآخر؛ على أن كلا المشروعين الناصري والبعثي لم يقدما أي تنمية حقيقية لمجتمعاتهما ليكونا نموذجين يُحتذى بهما. ومع اختفائهما ظهر مؤخرا مشروع توسعي بغطاء رأسمالي ودون أن تكون له أي غاية سياسية، وللأسف يرتكز على إثارة الاقتتال البيني في الدول التي يوجد فيها، ويعمل على ضعضعة الاستقرار في جنباتها، كما هو الحال في السودان وليبيا واليمن وغيرها.

الرؤية السعودية المعاصرة استهدفت تطوير الإقليم بأكمله وليس جزءا محدودا منه، وانطلقت من مضامين تنموية تسعى إلى الارتقاء بمستقبل المنطقة بأكملها للوصول بها إلى مصاف الدول المتقدمة

وفي المقلب الآخر، ولد المشروع الإيراني العقائدي الذي أعلن ودون مواربة عن نيته في تصدير الثورة منذ الابتداء، وأخذ في سبيل ذلك يُعزز من وجوده في أرجاء بعض البلدان العربية، فكان أن أسس لنفسه عددا من الأذرع التي استفاد منها خلال مسيرته وصولا إلى اليوم؛ كما أرادت تركيا ولاسيما مع جذوة حركة "الإخوان المسلمين" واندفاع "حزب العدالة والتنمية" في فترة سابقة، أن تتمدد وفق رؤية تاريخية باستعادتها لمفهوم الدولة العثمانية، فيما أطلق عليه مصطلح "العثمانيون الجدد"، لكن ذلك لم يجد أي ترحيب عربي وإقليمي أيضا؛ وكان أن أدى تضارب هذه المشاريع العربية والإقليمية إلى زيادة قوة إسرائيل التي تبني مشروعها الاستيطاني الاحتلالي على وقع كل الخلافات البينية بين الدول العربية ومحيطها الإقليمي المسلم.

أمام ذلك يبرز المشروع السعودي الذي ظل محافظا على هدوئه وثباته، مرتكزا على مجموعة من القيم الأصيلة في الوجدان العربي، وحتما فالحلم والأناة من تلك القيم التي حظي بها قادة المملكة العربية السعودية منذ الابتداء وحتى اليوم، وهو ما مَيَّز السياسة السعودية في كثير من قراراتها المركزية، حيث آثر قادتها نهج سياسة الاحتواء، ومعالجة كثير من القضايا بالرَّوية، سواء كان ذلك على الصعيد الوطني أو الإقليمي والدولي.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار والتركي هاكان فيدان، والسعودي الامير فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي، قبل اجتماعهم في مقر وزارة الخارجية بإسلام آباد في 29 مارس 2026

كما حافظ مشروعها السياسي على خاصية الثبات المنطقي، حيث لم تتبدل مواقفها لأي سبب عابر، وكانت على الدوام حريصة على الالتزام بتعهداتها في مختلف القضايا المركزية، وتأتي قضية فلسطين على رأس هذه القضايا، وهو ما تبلور في مواقفها الداعمة للحقوق الفلسطينية والذي تمثل في دعم قرار "حل الدولتين" عبر ما نظمته من مؤتمرات وتحالفات نتج عنها "إعلان نيويورك" 2025 وفيه أقر قرابة 159 دولة بالاعتراف بدولة فلسطين رسميا، وهو قرار مهم لم يكن ليتأتى لولا ثبات السعودية على موقفها الراسخ الذي لم يتزعزع بالرغم من كل المشاريع التي تم اقتراحها كمشروع "صفقة القرن"، ثم مشروع "الاتفاقات الإبراهيمية"، وكلاهما لم يجد أي ترحيب من القيادة السعودية، لكونهما لا يحققان المصلحة المرجوة للقضية الفلسطينية، ويناهضان حقوق الشعب الفلسطيني في أن تكون له دولة مستقلة معترف بها دوليا. الأمر الذي ترفضه الحكومة الإسرائيلية، بل وتسعى إلى تقويضه.

أشير إلى أن الرؤية السعودية المعاصرة قد استهدفت تطوير الإقليم بأكمله وليس جزءا محدودا منه، وانطلقت من مضامين تنموية تسعى إلى الارتقاء بمستقبل المنطقة بأكملها للوصول بها إلى مصاف الدول المتقدمة، وهو ما أعلنه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان في مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار 2018"، أو ما أطلق عليه اسم "دافوس الصحراء" المنعقد في العاصمة الرياض، وفيه قال: "إن الدول العربية شهدت تطورا كبيرا على مستوى اقتصادها في السنوات الماضية، والشرق الأوسط سيكون أوروبا الجديدة خلال السنوات القادمة"، مضيفا: "هذه حربي التي أقودها ولا أريد أن أفارق الحياة إلا وأنا أرى الشرق الأوسط مثل أوروبا". وأشار إلى أن معظم دول المنطقة لديها مشاريع طموحة لتحقيق التنمية الاقتصادية لشعوبها، مستدلا بمشاريع التنمية في مصر والعراق ولبنان وقطر وغيرها. وأضاف في نهاية كلمته واصفا السعوديين بأن لديهم "همة مثل جبل طويق، وهمة السعوديين لن تنكسر إلا إذا تساوى بالأرض". في إشارة منه للثبات القيمي السالف الذكر.

تل أبيب وطهران، طمحتا إلى جر دول الإقليم كافة إلى حرب واسعة، لكن مسعاهما قد خاب بحكمة سعودية منعت الانجرار إلى حرب كان يمكن أن تتوسع إقليميا ودوليا

كان ذلك في عام 2018، ومن حينه بدأت السعودية في هندسة الاستقرار الإقليمي بغية تهيئة الأسباب السياسية لتحقيق الهدف، فكان إنهاؤها للخلاف البيني مع دولة قطر عام 2021، ثم اتفاقها الأمني مع جمهورية إيران برعاية صينية عام 2023، وصولا إلى توثيق علاقاتها السياسية والاقتصادية مع جمهورية تركيا لتبلغ مداها في اليومين السالفين مع إلغاء تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، وأرادت إنهاء أزمة الشرق الأوسط بحل سياسي مقبول يقضي بالإقرار بحل الدولتين، والذي بموجبه ينتهي الصراع البيني مع إسرائيل، ويتم تطبيع العلاقات معها وفق ما تنص عليه المبادرة العربية للسلام.

غير أن ذلك لم يواجه بأي ترحيب من مختلف الحكومات الإسرائيلية وصولا إلى حكومة نتنياهو الحالية، كما اصطدم بحرب صراع النفوذ في المنطقة بين تل أبيب وطهران، والتي طمح طرفاها إلى جر دول الإقليم كافة إلى حرب واسعة، لكن مسعاهما قد خاب بحكمة سعودية منعت الانجرار إلى حرب كان يمكن أن تتوسع إقليميا ودوليا، وحتما ستكون لها عواقبها الوخيمة عسكريا وسياسيا واقتصاديا، ولن تنتهي في مدة يسيرة، وسيكون الكاسب فيها إسرائيل التي تهدف إلى إضعاف الإقليم بأكمله ليتسنى لها تقسيمه مستقبلا إلى كانتونات طائفية وعرقية صغيرة تحت هيمنتها.

أ.ف.ب
وزير الخارجية السعودي الامير فيصل بن فرحان ونظيره التركي هاكان فيدان في الرياض، في 28 يناير 2025

أخيرا، يخطر في بالي ونحن في هذا الموقف العصيب اسمان عربيان شهيران في الحلم والكرم والشجاعة الواعية وهما: معن بن زايدة الشيباني، والأحنف بن قيس التميمي، والأخير قال فيه معاوية بن أبي سفيان: هذا الذي إذا غضب، غضب له مئة ألف لا يدرون فيم غضب؛ وكلاهما ينتميان بأصلهما إلى أرض شبه الجزيرة العربية التي تشغل المملكة العربية السعودية أجزاءً كبيرة منها في الوقت الراهن. وأراني أستعيد حكمة الأحنف بن قيس حين قال: "ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه". فهل يدرك العرب مضمون ما تشير إليه رواياتهم التراثية؟

font change

مقالات ذات صلة